التخطي إلى المحتوى الرئيسي

يومُ الحُبِّ (قراءةٌ أخْرَى)


  

 

لماذا جُعل للحب يومٌ؟ وهو الشعور الذي لا تحدّه الأزمنة ولا الأمكنة! هل مشاعر المحب لا تتحرّك إلّا في هذا اليوم؟ إذًا عُدّ كاذبًا، لا أقول في حُبّه بل دعواه! هل يوم الحُب جاءت به الأديان؟ فهي إذًا ناقصة إذ تجعل للحُب يومًا دون باقي الأيام! أم هو موروثٌ ثقافيّ؟ فخليقٌ بنا إذ ذاك أن نطّرحه لأنّه يكن في دواخله وفي بنيته أزمنةً من الجفاء والشقاء!

 

إذًا من جاء به؟

 

لا يمكن تفسير احتفال الناس بهذا اليوم في خارج الإطار الزمني الذي يحتفلون فيه. فلو كان يوم الحب -في حُلته الجديدة- مقتصرًا على مظاهر معيّنة ترتبط بنوع من النسك والعبادات لقلنا إنّ لها تاريخًا نشأ حين نشأت؛ فنفسّره بما نفسّر به نشوء الأديان. إلّا أن هذا اليوم منقطعٌ عن الماضي البعيد، وإن كان قد ارتبط سابقًا في ظاهر أحد مسمياته بأسماء بعض من القساوسة والرهبان. 

أو لو كان ليوم الحب الحديث مظاهر تتصل بسببٍ من التراث الشعبي لقلنا إنّه تقليدٌ موغلٌ بإيغالها؛ فنستطيع إذ ذاك أن نجد له تفسيرًا في تمخّضات الزمن، لكن لا هذا ولا ذا! والإجابة على هذا السؤال هي أوضح من أن نستقرئ التاريخ لأجلها فليست هي بالبعيدة.

***

لا أحب الاختزال في تفسير الظواهر الإنسانيّة والطبيعيّة ولا أحب الإجابات البسيطة ولا تقديم أسباب مُفردة للنتائج التي لها عوامل مركبة ومعقّدة، ولكنّي هنا وبكل أريحيّة أستطيع القول بأن مراقبة سلوك الناس في هذا اليوم وقراءة أحوال السوق، لهما بحقٍ كفيلان في تقديم إجابة شافية حول هذا السؤال. فلا أظنُّ أنّ يوم الحب يمكن تفسيره خارج النطاق الاقتصادي والسعار الاستهلاكي، فلو أنّ هذا اليوم اقتصر على المشاعر والقصائد وما يكون من الحبيب لحبيبه لما قلت ما قلت، ولو أن هذه المشاعر اقتصرت في الظهور على هذا اليوم لكانت كاذبة.

 

وفي الحقيقة أن هذا اليوم اختص به التُّجار دون غيرهم وما هو والله بحب، إن هو إلّا حُب المال، وهل أورد المجتمعات للمهالك إلّا حب المال!

فهذا يومٌ هو "للتسويق" باسم الحب وما هو إلا امتدادٌ للنزعة الاستهلاكيّة التي ملكت على الناس عقولهم فسلبتهم إيّاها وما سلبتها حتّى سلبت معهم الدين والفطرة. ويا ليت شعري أين باتت الأخلاق.

 

والاستهلاكيّة هي العمود الرئيس التي تقوم عليه الرأسماليّة، فهي حاميها وسندها أن تقع، وبها تستمد الرأسماليّة قوتها، ويتم لها ما بشّر به آدم سميث في دينه تحت راية "دعه يعمل دعه يمر" 

وتقوم هذه الفكرة -أعني الاستهلاكيّة- على إشاعة مظاهر الاستهلاك وتسليع كل شيءٍ ابتداءً من المادة، ولا أعلم والله إلى أين ستنتهي. فهي بذاك تحاول أن تولّد الاحتياج وتجعل الانسان "حيوانًا لاهثًا" خلف المغريات لا يشبع له بطن ولا تنقضي له حاجة. ولا تقتصر النزعة الاستهلاكية على الترويج للاحتياجات البشرية. إذ لا وجه للنقد هنا فجريان الإنسان خلف حاجته صفةٌ لازمةٌ له لا تنفك عنه بحال، لكنها هنا تُروّج لما هي ليست للمرء بحاجة، بل وتخلق الاحتياج على حساب كل شيء، فبعد أن كانت الحاجة هي أم الاختراع، باتت الحاجةُ هي التي تُخترع، ثم يصوّر الفرد على أنه مفتقرٌ لها وتُؤيد هذه الفكرة بآلة الأعلام أو بالاستعانة بالمشاهير حتى يعد فقدها فقرًا أو بخلًا يتحرّج منه الفرد إن لم يوفره، أو يكون عدم بذلها -كما في حالة الهدايا في يوم الحب- من قبيل التقصير بالحقوق المخالف لعادة المجتمع وأعرافه! فيظل هذا الفرد المسكين لاهثًا خلف الاقتناء والشراء يبحث عن لذةٍ لا تنتهي حتى تُنهيه. 

وهذا ما يخلق "الفردانية" وهي حالة رأسمالية لا مجال لبسطها هنا.

 

وهكذا يُتاجَر باسم الحب -كما يقال- وتُغلف النزعة الاستهلاكية بردائه وتُهدى الهدية في ذلك اليوم وتُأكل الكعكة بعد أن عبرت خطوط الانتاج في المصانع التي أضحت تحت سطوة الرأسمالية تنظر للعاملين على أنهم مجرد آلاتٍ عاملة، لا قيمة لهم إلا بما ينتجونه وبما يُكسَب من ورائهم ثم تمر البضاعة بغلاف الحب فيتاجر بها التجار في سوقٍ لا محرك لها إلا الاستغلال، ثم تمر البضاعة بغلاف الحب فيُستخدم المروّج أو المسوّق أو المشهور المعلن ويُدفع له بصفته آلة فقط للتمرير، ويمرر هو ولا اعتبار لديه إلا بما يُدفع له! وكلٌ في فلك الاستهلاكية يسبحون، فمستقلٌ من الانتهازية ومستكثر.

 

ثم إن الحب شعور وتسليع الشعور إزراءٌ به، وقصره على المظاهر المادية إعلانٌ خافتٌ بوفاته، فإذا بلغ بالمتحابين أن يحاسب أحدهما الآخر بميزان المادية أو أن يُختزل الحب بينهم في يومٍ واحد حتى لا يكون له تدفّق إلا فيه=فأقم حينها على الحب مأتمًا وعويلا

ولا أظنني بحاجة لأن أشرح قدر الحُب ومنزلته وبيته الذي يصان به وليكن حسب الحب من هذا المقال كحسبه في عيده. 

 

تعليقات

  1. لافض فوك، تشريحك للموضوع مذهل، وتسلسل الأفكار رائع
    وبالفعل الاستهلاكية دخيلة على مجتمعنا، وقد أصبح يعزز لها تحت قيم أخلاقية كعيد الأم وعيد الزواج...إلخ الذي يجعلك تشعر بالتقصير إن لم تبادر فيه

    ردحذف
  2. فكرة متّسقة تماماً مع مجريات الزمن.. لاشيء سوى سعار المادة يأتي على قيم الإنسانية ينقصها من أطرافها!!
    عافنا اللهمّ ولا تجعل مسيبتنا في ديننا .. آمين

    ردحذف
  3. فكرة متّسقة تماماً مع مجريات الزمن.. لاشيء سوى سعار المادة يأتي على قيم الإنسانية ينقصها من أطرافها!!
    عافنا اللهمّ ولا تجعل مصيبتنا في ديننا .. آمين

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...