التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصول جامعية | نظرة في العلاقات (1)




انقضت سنون الجامعة وتخرّجنا منها ورأينا منها بعد تخرّجنا ما لم نكن لنراه ونحن فيها وما هذا إلا لاستحكام تبدّل الأطوار على طبائع البشر. 
انقضت تلك السنون وأصبح بمقدورنا -أو هكذا نظن- أن نطلق أحكامًا على تلك المرحلة تكون أقرب إلى التحقيق منها إلى الظنون ونكون فيها أقرب إلى التجرّد منّا إلى التأثّر. وقد كانت مرحلة الدراسة الجامعية بحق مرحلةً متفرّدةً في جميع طرقها، وكنت أرى منها التعلّم والتعليم كما أرى منها الإدارة والسياسة. وكنت أنهل من معين العلم كما أنهل من معين التجارب والظروف، ولا أحسبني درست الهندسة بقدرٍ يزيد كثيرًا على ما درسته مما يتفرّع من العلوم الإنسانيّة أو الإداريّة أو النفسيّة، أما الهندسة فكانت تخصصًا أكاديميًا وأما غيرها فقد كانت مزيجًا من النظر والتفكّر والتجربة، وقد ساعدتني على ذلك أروقة الجامعة وتعدّد الشخوص والشخصيات، ولربما كانت الأخيرة أقمن بالبقاء إذ أن التعلّم بالتجربة ليس كالتعلّم بالتلقين أو بما يكون من طرائق التدريس في الفصول الأكاديميّة، ففي الجامعة لا يقل نصيب معرفتك في سبر العلاقات وتنظيم المجموعات عن نصيبها الحاصل من الواجبات والاختبارات ولا يقل نصيب التعلّم من الحياة فيها عن التعلّم من النظريات والقوانين والكتب.
مرّت تلك السنوات ولا أجدني الآن متحرّجًا من وصف تجربتي فيها كما كنت متحرجًا حينما كنت في صفوف الدراسة لأسباب اعتقدت بأنها ستؤثر في إصابة الحق، وقد أصبتُ بالتأخير على كل حال.

وكان مما امتازت به الجامعة -من حيث كونها مرحلةً على غيرها من المراحل أو من حيث كونها بيئة على غيرها من البيئات- هو أنها تختلط فيها العلاقات وتتمازج فيها الشخصيات وتتفاوت فيها المرتبات وتتبدّل فيها الأطوار وتختلف الأقدار في مدّة قصيرة وحيّز ضيّق بالقدر الذي يكون كفيلًا بأن يشكّل للمرء صورةً يقيس بها طبائع الإنسان على نطاقات أوسع وأزمنةً تعود إلى الماضي التليد وتجوز إلى المستقبل البعيد.

هذه العلاقات تجدها بين التلميذ ومعلّمه وبين المعلم وتلميذه من ناحية وبين المعلّم ورئيسه من ناحية وبين الرئيس وعميده والعميد ووكيله والوكيل ومديره وقس ذلك على العكس.

ثم انظر لطبائع الناس بعيدًا عن المنصب فانظر إليها في تفاوت الدرجات العلميّة بدءًا من الطالب مرورًا بالمعيد والمحاضر وما بعدها انتهاءً إلى الأستاذ.
ثم لك أن تنظر إليها في جانب المصلحة فتراها بين الأكاديمي والإداري على كل الاحتمالات الممكنة. 
أو انظر إليها وما يعتريها من السمو والترقّي في معارج الخُلق الكريم والسمت الحميد أو ما يعتريها من الهبوط في دركات النفعيّة والاستغلال والهوان.

لست معنيًا هنا بتقديم دراسة علميّة أو بتقديم مقارنة نفسيّة بين ما خضته من علاقات ولكنّي سأذكر نوعًا من أنواع العلاقات التي تكون في الجامعة وهي العلاقة الرئيسة.. علاقة التلميذ بأستاذه..  وأذكر منها ثلاثة نماذج لن أضعها على ميزان النقد ولن أتعرض لها بقصد الترهيب ولا الترغيب وحسبي من ذلك كلّه أن أنقل تجربةً تجود بها النفس وترسلها لتسجيل ذكرى أو تثبيت عبره.. هي أسطرٌ ولتبقى أسطرًا كما هي، أبدؤها ولا أعلم كيف تنتهي.

*****

إن التلميذ بصفته طالبًا -إذا أخلص النيّة في طلب العلم وسلم قصده- ليحترم معلّمه أيما احترام ويوقّره أيما توقير بل ويتكلّف في نشدان الكمال لمعلّمه. إلّا أن أنظمة التدريس الحديثة نزعت هذه العلاقة بين التلميذ وأستاذه فبعد أن ربط النظام الحديثُ التعليمَ بالإجازة والدرجات صارت العلاقة بين التلميذ وأستاذة علاقةً نفعيّة يداهن فيها الطلاب ويتصرّف فيها المعلّم بناءً على الدرجات.
ولمّا كان النظام الحديث يفرض على المعلّم تدريس أكثر من صفٍ، مع تقليل ساعات المحاضرات وتكثير عدد الطلبة لزم من ذلك أن تكون العلاقات سطحيّةً وسريعةً لا يعرف فيها الطالبُ المعلّمَ ولا يعرف فيها المعلمُ الطالبَ حق المعرفة.
وحينما صارت الدراسة أشبه ما تكون إلى الضرورة المعيشيّة، ورُبط التدريس بالرزق؛ فَسَدَ حينها نظام التعليم وأصبح كلٌ من الطالب والمعلّم يؤدي عمله بطريقة وظيفيّة لا قصد منها إلّا تأمين العيش، وأضحى طلب العلم وتدريسه غير مقصودين لذاتيهما وكفى بفساد القصد مفسدًا.

إنّي أقول هذا وقد رأيتُ من الطلاب ما رأيت، ولم أرد أن أطلق حكمًا إلّا بعدما قضيت ما قضيت. فلمّا كان ثناء الطلّاب منوطًا بالعطاء النفعي أحببتُ أن أرى الأمور من مرأى غير الذي يرون منه فما كُنت أُسألُ قط عن معلّم حتّى أجبت بغير ما يعهد الطلّاب، وعلى ذلك جرت تعاملاتي كلّها، وكنتُ أرى نفسي أهلًا للحكم بعد كل هذه السنين بما اتفق لي من مقوّمات، وهي التي أرى بأنها الضابط والمؤهل للحكم، فلم أكن في علاقاتي حذرًا للحد الذي يحجب النظر ولا مندفعًا بالقدر الذي يحجب السبر، وأنا على ذلك لم أحتج لعطف أو مداهنة أو لزيادةٍ في الدرجات كما يكون من كثير من الطلاب كي أربط الحكم بها، فقد أديتُ ما عليّ وذلك أقرب للتحقيق في الوصف.

وأنا بعدُ -وكما ذكرت آنفًا- أورد هذه النماذج الثلاثة من الأساتذة ليس بقصد النقد أو قبيله وإنما أوردها هكذا على علّاتها لأنقل تجربتي، ولما رأيت في بعض هذه الشخصيات من حسناتٍ جُحدت أو سوء تفسيرٍ وفهمٍ. وقد يُحجب هذا وذاك عن الطلاب لتقصيرٍ منهم أو لغلبة المنفعة على رؤيتهم. وعلى ذلك ففي هذه النماذج تتجلّى لنا علاقة الأستاذ وتلميذه فنتعلّم منها ونتأدبُ بها ونقيس بها ما يمكننا قياسه على باقي أشكال العلاقات .. وهذه النماذج على الترتيب كالتالي:
1-          خالد ربيع
2-          مأمون جناجرة
3-          حسن العطّار
وقد اخترتُ هذه النماذج لتنوع ما بينها وعمق معرفتي بها وغياب جانب كبيرٍ منها على الطلّاب إذ لم يكونوا مع الأساتذةِ إلّا طُلابًا في قاعات الدرس..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...