التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصول جامعية | نظرة في العلاقات (2)



النموذج الأول: د. خالد ربيع

يجوز أن تكون هناك سمة بارزة يصطبغ بها شعبٌ بأكمله فتصبح علامةً عليهم يتميّزون بها عن غيرهم من الشعوب حتّى وإن كانت هذه الشعوب يجمعها دم وعرق وآصرة، فنستطيع مثلًا القول مرتاحين بلا حاجة إلى مزيد استقراء بأن الشعب العماني يتسم بالهدوء وأن الشعب السوداني يتسم بالطيبة وإذا جاز لنا أن نطلق مثل هذه الأحكام الكليّة فيجوز لنا أن نقول بأن الشعب المصري شعب يتسم بصفات بارزة يهمنا هنا في مقام العلاقة بين المعلّم وتلميذة أن نذكر منها الإجادة في الشرح والتطويل وسهولة الطبع وبساطة النفس، وهذه سمة لاحظتها في أغلب -إن لم تكن في جميع- من تتلمذت عليهم على ما بينهم من الاختلاف والتفاوت في الشخصيّة بل ورأيتها في المعلمَينِ يكون أحدهما أقرب للمناقضة والمقابلة عن صاحبه في النفس والطويّة والخلق!
وكان معلّمي (د. خالد ربيع) مصريًا كأوفق ما يكون عليه المصري من هذه الصفات فكان يُجيد الشرح ويطيله حدّ أنه لم يسبق له أن أنهى المنهج المقرر قط، وقد درسني أربع مواد وهي على الترتيب الزمني كالآتي
1- علم الحركة Dynamic
2- أنظمة التحكّم Control Systems
3- محركات الاحتراق الداخلي Internal Combustion Engines
4- ديناميكا واهتزاز الماكينات Machinery Dynamics and Vibration

وفي حسبان الجامعة بأنظمتها الجديدة يعتبر من النادر أو القريب من النادر أن يدرّسك معلّم أربع مواد، والناظر إلى هذه المواد يجدها قد توزّعت على حقول مختلفة من العلوم لا تكاد تستوسق في تخصصٍ واحد، خصوصًا في زمن التخصص إلّا ما يكون من المادة الأولى فهي تعتبر أساسًا لكل التخصصات الهندسّة؛ وبالفعل كان معلمي قد درس في حقول مختلفة من الهندسة الميكانيكية فتخصص في الماجستير في هندسة السيارات وهي امتدادٌ طبيعيّ تضرب جذوره في علم الميكانيكا أما في الدكتوراه فأغرب ودرس هندسة الميكاترونيات وهذا علم مشترك بين الهندسة الميكانيكية والكهربائية والحاسبات وهي أبعد أقسام الهندسة الميكانيكية عن أصلها، وهذا التنوع في التخصص كفيل بأن يجعل المعلّم واسع الاطلاع غزير الثقافة، وفي المقابل هو كفيلٌ بأن يجعله مشتتًا لا تثبت به قدم في تخصصٍ معين. ومعلمي كان وسطًا بين ذلك فهو مثقفٌ على غير ربطٍ بين المعارف ومتوسعٌ على غير ما تحكّم، وما أكثر ما تراه متحرجًا من بطء استحضاره لمعلومة أو استدعائه لرابط وشاهد ومثال، فيغالب بأخذ نفس عميق وإرسال نظرةٍ عابثة إلى السماء كأنما يستنزل وحيًا ..
 ثم قد تراه محاولًا إثبات نفسه فلا يكاد يخفي تبسّمه عند موضعٍ ظهرت فيه ثقافته، وقد تجده يسأل سؤالًا متقدّمًا فيستمرئ السكوت الذي يكون منّا لعدم المعرفة حتّى إذا أطلنا قام قيام الواثق فأجاب وابتسم..
وهذه السمة تظهر في الغالب من شخصٍ علِمَ ضعفه أو شخصٍ أصاب من التكبّر ما أصاب ولم يكن معلمي كذلك فهو وإن ظهر منه بعض ذلك في الصف إلّا أنه في غيره لا يظهر ألبتّة، وكان يحاول مرارًا أن يظهر بصورة الحازم النافذ الأمر المستبد بالرأي ثم لا يلبث أن يلين ولكم أسفر عن قلبٍ عطوف رؤوفٍ قد استذكر أيام طلبه فحن ورق؛ وقد علمتُ ذلك منه فكنتُ حين أراه يحاول أن يظهر بصورة الحازم أتحاشى الإلحاح عليه في المحاضرة أمام الطلاب حتّى إذا انقضت، تبعته إلى مكتبه وأخذت منه لزملائي ولي مالم نستطع أخذه مجتمعين وهذا ضربٌ من ضروب الشخصيات التي يكون عليها المعلمون، فيؤخذ منهم بالانفراد ما لا يؤخذ بالاجتماع. لأنه إذا أُخذ منهم في حال الاجتماع ظنّوا ذلك تفوقًا عليهم أو عجزًا منهم فيستبدون. ومن كان منهم رحيمًا يعود ويعطي.
ومن كانت هذه سماته في الدرس؛ كانت تلك أجلى منه في ورقة الاختبار، فيدفعه باعث إثبات العلم على انتقاء سؤالٍ يعجز عنه المنتهون في التخصص ثم يدفعه التظاهر بالحزم والاستبداد بالرأي على عدم قبول المراجعة في إلغاء السؤال أو استبداله حتّى إذا انتهى الاختبار ولوى على مكتبه أنّبه قلبه الرحوم وتخاطفته الذكريات فينزل نفسه منزلنا فيرضينا. واستحضار المعلّم لظروفه عندما كان طالبًا يبعثه على السماحة والرفق وهي صفة محمودة ما تحلّى بها معلّم إلّا أحبّه طُلّابه.
بقي أن نقول عن الدكتور خالد ربيع أنّه كان أبًا في كل أساليبه وتعاملاته وخلاله فهو حازم في موطن الحزم مع رحمة الأبوّة المضمرة..
كان الأب الذي يريد أن يستفيد أبناؤه من شدّته في التغلّب على مصاعب الدراسة والحياة ثم لا يدعهم إلى شدّته المطلقة بل يتبعها حنانًا ورحمة يكون إضمارها في هذا الموضع خيرٌ من إظهارها. وكما كان أبًا في فصول الدراسة فهو أبٌ في أروقة الجامعة، فإنّه كان صوتنا عند رئيس القسم وعميد الكليّة ومحامينا والمتحدّث باسمنا في قاعات اللجان فجزاه الله عنّا خير الجزاء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...