حلّت
الجائحة وهي -بلا ريب- جُند من جنود الله ولا يعلم جنوده إلّا هو. وهي آيةٌ من
آياته لا يعتبر بها إلّا من كان له عقلٌ موُمن أو قلبٌ عقول. حلّت الجائحة لحكمةٍ
ربّانية لا نُحيط بها علمًا ولا نقيسها بمختبرٍ ولا معمل ولا نُدرك منها إلّا ما
يريد -جلّ وعلا- أن ندرك. فبين جازمٍ أنها
عقاب وبين منكرٍ لا يرى من الأمر إلّا جانبًا له من الطبيعة سبب محض؛ تسري أقدار
الله على العباد لا رادّ لقضائه ولا مانع لقراره فتؤثر في كل شيء في هذا العالم
المترابط لحكمةٍ هي أوسع من أن تحاط فيدبّر العالم ويغيّر الأحوال ويقلب الأوضاع
ويرسل بالآيات تخويفًا وترغيبا.
وفي
الحين الذي يرى فيه الماديّون -بعين تختزل الكون والتاريخ- أن الجائحة حدثٌ لا بُعد
ولا حقيقة لها خارج نواميس الطبيعية ولا تفسير لها إلّا في حدودها، وحينما يرى
الروحانيّون المغالون ممن فسدت عقائدهم أو السذّج ممن لا فضل في أقوالهم للعقل أن
الجائحة إن هي إلّا مرض حلّ ولا فضل للعمل بالأسباب في الاحتراز منها. وفي هذا الحين
وبين كل هذه الأفكار المتلاطمة، هناك رؤية وسطيّة معتدلة أخذت الحق أخذًا وكانت
أحق به ففي الرؤية المتكاملة تكمن الحقيقة ولن تزال.
يرى
المؤمنون بالدين الحقّ الذي يعضّد بين الروح والمادة والدولة والدين والعلم
والأخلاق بأنها كانت نتيجةً متوقّعة لطغيان الإنسان وتجبّره ثم لا يُغفلون الأسباب
الماديّة التي أدّت لها فينتظم قولهم بأنها تدبير من الله هيأ له الظروف وفق
القوانين التي أودعها هذا العالم منذ الأزل وأن ارتفاع هذه الجائحة لا يكون إلّا
بالرجوع إلى من أنزلها مع بذل كل الجهود الممكنة لرفعها. وبين هذه الطوائف يقف من
يتذبذب بينها لا تستقر به قدم فلا أرضٌ تقلّه ولا سماء تظلّه..
وبناءً على هذه التفسيرات يعمل كلُ حزبٍ بمقتضى
تفسيره والحقّ دائما في صف من كانت حجّته أبين وأظهر واعتمد في تفسيره على نظرةٍ
شموليّة انتظمت فيها الأسباب وتعددت فكانت أبعد عن الاختزال والرؤية السطحيّة ذات
المنظور الضيق، والطبيعيّون التجريبيّون في معتقداتهم لا يختلفون كثيرًا عن
الوثنييّن فكلٌ قد اتخذ له صنمًا يعبده لا يرى الحياة ولا يفسرها إلّا بنظرةٍ
ساذجة قصيرة المدى لا تتعدّى الإطار الدنيوي في الحقيقة أو الوسيلة، فالطبيعيّون
يعبدون الطبيعة باسم العلم جهلًا وهم بذلك كمن عبد الإنسان والحجر والشجر والبقر جهلًا
غير أنّ هؤلاء السلف وهؤلاء الخلف وما أشبه الليلة بالبارحة.
*****
عندما
بدأت الجائحة وباءً كانت في منظور المكبوت والأسير والمضطهد الذي عانى صنوف القهر
والاستبداد كالأمل البسيط الذي ينشد فيه السلوان والخلاص من ربقة الظلم والطغيان
فكان كورونا في نظرهم نصير المظلومين وسلوان المكلومين وهم لا يُلامون على هذا
الاعتقاد ولا يحاسبهم على ذلك إلّا جاهل بطبائع الناس أو جبارٌ لا يُحس بها. ومن
هنا علا صوت الشقاق .. فما بين شقٍ يرى استنادًا على كلام الله أنّ الأمر لله هيأه
ودبّره لحكمة لا يخلو من أن يكون في تقديرها انتصارٌ لمظلوم وعقابٌ لظالم واستتابة
للمؤمنين ورسالةٌ للبشرية جمعاء كفيلةٌ بأن تعيد عليهم طرح الأسئلة الوجوديّة
فتكون رحمةً لهم ورحمةً للأرض من استغلال الإنسان وإرهاقه إياها، وبين شقٍ لا يرى
من الأمر أكبر من كونه سوء ذوقٍ حمل الصينيين على أكل الخفافيش.. ومهما بلغت تفسيراتهم
لهذه الظاهرة فهي قريبة المأخذ لا تدور بعيدًا عن فلكها ولا تتجاوز أن تكون تجليًا
لهذه النظرة.
ثم
أخذ كورونا في الانتشار وازداد الاحتدام بين صنوف البشر المختلفة والتي نستطيع في
إجمالٍ غير مخل أن نعود في تصنيفها لمعسكرين إليهما تصعد التصنيفات: معسكر الخير
ومعسكر الشر. أو قل معسكر الإنسانيّة الأخلاقيّة ومعسكر البهيميّة الانحلالية أو
قل معسكر الدين والعلم من جهة ومعسكر الإلحاد والعلم من جهةٍ أخرى.. ولا تخفى خيول
العلم في المعسكرين غير أنّها في معسكر الدين ثابتة ومستقرّة مذللة لخدمة الإنسان
ومروّضة للانتقال إلى عالم الخلود وفي معسكر الإلحاد جامحة مُهلكة لفارس العلم لا
تسير لهدف منشود ولا تصلح للركوب ولا للانتفاع إلّا في وضع النزول والانحدار.
*****
يرسل
الله الرسل والآيات والإشارات ليتيقّن بها الإنسان صاحب التدبّر المُعين والتفكر
المتين والعقل الرصين فينتفع بها ويذعن فيؤمن. وقد ذكر الله عزّ وجل ذلك كثيرًا في
محكم تنزيله وأشار أن الانتفاع مقصورٌ على ذوي الألباب والعقول والقلوب الحيّة
الذين اهتدوا بعقولهم للمعرفة الحقّة وبلغوا درجة الإيمان واليقين وأنّ الذين
استدبروا عقولهم وأغلقوها ينكصون في الخلق والخُلق حتّى يغوصوا في عمايات الضلال
والجهل.
وقد
يتوصّل الإنسان للمعرفة الحقّة بغير ما كبير اجتهادٍ منه وإنما يرسل الله إليه
الآيات فيُعمل فيها قليلًا من التفكير المعتمد على الفطرة التي لم تشُبها شوائب
الضحالة السالكة بالطبائع إلى التردّي لدركات الحيوانيّة. وفي المقابل تجد من رزقه
الله الآلة القادرة على أن تترقّى به في معارج الإيمان والاطمئنان وزاده بسطةً في
العلم التي من شأنها أن ترفعه درجاتٍ على كثيرٍ من الخلق -كما يمايز الله بين
خلقه- تجده يُخلد إلى الأرض! فتتسائل متعجبًا عن صوارف الحقّ بعد أن تبيّن! وما بقي
إلّا التيقّن! فسبحان الله كيف يُخلدون وكيف بآياته يلحدون!
ولنا
في هذه الأزمة الحادثة عبرًا وحكمًا وشواهد حيّة على الأصناف التي ذكرها الله في
تمايزها واختلافها في قبول الحقّ والتصديق به. فرأينا المؤمن المسلّم المذعن التوّاب ورأينا الطاغي المكذّب المستهزئ المرتاب وبعد أن نظرتُ في أحوال
الفريقين تراءت لي النفوس والأذهان ورأيت مصداق كلام الله فيها، فما عجبتُ من توبة
المؤمن ولا عجب في ذلك فهو في الأصل سليم الفطرة ما احتاج لجائحة حتّى يؤوب فهو رجّاع
مع كل إشارة وإنما العجب كلّ العجب في المكذّب الذي يُكذّب وفرائصه تتراعد خوفًا
ورهبةً ولا ملجأ له ولا منجى. وعندما عُلم السبب بطل العجب وهل يصرف عن الحق بعد
أن تبيّن إلّا التكبّر والاستكبار الذي يحركه الهوى فيأبى على عبد العلم والطبيعة
أن يتخلّى عن تنظيراته باسم التنوير حتى يعود إلى الفطرة التي تجعله عبدًا للعالم
خالق الطبيعة! ولو أدرك من الأساس أنّه عبدٌ للطبيعة لما أنف ولا استنكف ولكنّه
الجهل. فإذًا هي تركيبة الجهل والكبر والهوى ولا غير. تتغير الدنيا بأكملها
وتتطوّر ويتعلّم الإنسان ويتنوّر ومركب الجهل والاستكبار والهوى هو هو لازال أعظم صادٍ
عن الحق من فجر التاريخ إلى أن يجف حبر الكتابة والتأريخ.
ثمّ
إنّي بعد أن نظرتُ في بواعثهم على رد الحق وانصراف قلوبهم عن الاتعاظ نظرتُ في
أساليب دعوتهم إلى الباطل وتغشية أبصار الناس عن النور المبين فما وجدتُ لدعوتهم
دليلًا ولا لأفكارهم سبيلًا يُهتدى إليه فتعجبتُ من أمر التابعين ممن بُهر بهم وما هي
إلّا أن نظرت فعلمتُ أنّ تهكّم المتبوعين على أهل الحق هو السلاح الوحيد وأنّ
الدعوى صارت دليلًا عندما أُسبغت بلبوس النكتة والاستهتار المتعالي وهذه هي الحيلة
الوحيدة فما للباطل من حجّة ولا لأتباع الأهواء من سندٍ من العلم متينٍ يُتكأ عليه
ولا هزيل. فإنّهم عندما أُعجبوا بالمعارف أرادوا ادّعاء العلم والانتساب له قسرًا
دون اتخاذ السُبل الموصلة له فكانت خطوتهم الأولى الاتصاف به قبل ثني الركب له
وعندما رأوه بعيد المرام عسير المأخذ ما كان منهم إلّا التسلّق على أهل العلم
والمعرفة ومحاولة اللحاق بهم وموازاتهم بالتهكّم والاستهزاء
وهذا
دأب ضعاف العقول ومن لا يُجيد النظر والبحث والسؤال والاستشكال ومن قنع بالسفح دون
المعالي وبالقاع دون الأعالي ومن رام الخنوع والركوع والتقليد والانبهار والتسبيح
بحمد الحضارة الغالبة ليل نهار. فما لهم للعلم حيلة إلّا أن ينظروا في قوّة النكتة
والتهكّم وهذا مقياسهم في قبول المعرفة والتسليم لها أولًا ثم ترويجها.
والإنسانُ
بطبيعته يأبى أن يستهزأ به والاستهزاء بطبيعته قوي التأثير وهو من وسائل التدافع
في الدنيا ومن ملك زمامه ملك زمام كثيرٍ من التأثير لما للتهكّم والاستهزاء
والسخرية بالغ الأثر في النفوس ولمّا كان ذلك كذلك وجب على الباحث عن الحقّ أن
يجرّد الأفكار عن قوالبها التهكميّة وأن يُزيل البهارج والزخارف الشكليّة وأن يعلم
أنّ السخرية المجرّدة بلا حجّة هي ضعفٌ في الفكرة ومفكّرها وناقلها وحاملها ولمّا
كان أهل الزيغ والضلال ضعيفو الحجّة والبرهان كثر عندهم الاستهزاء فقصروا عن
مخاطبة العقول والأفهام واقتصرت قدرتهم على مخاطبة الشهوات والأهواء. وهم إن كانوا
باستكبارهم على ما فيهم من جهل مستحقين للسخرية إلّا أنك تجد أنّ أهل العلم قد
ربأوا بأنفسهم أن يسلكوا هذا المسلك ولا أجد فيه معهم مشاحةً. ولا يكون وقوع
التهكّم دائمًا في محل الاستحقاق وهذا يتبيّن لنا إذا قرأنا آيات القرآن وما فيها
من ذكر الاستهزاء الواقع على أهل الحق ولم يسلم من ذلك أحدٌ حتّى الأنبياء فتأمّل
هذه الآيات
(وَمَا یَأۡتِیهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا
كَانُوا۟ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ)
(وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبۡلِكَ)
(فَقَدۡ
كَذَّبُوا۟ فَسَیَأۡتِیهِمۡ أَنۢبَـٰۤؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ)
(یَـٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا یَأۡتِیهِم
مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ)
وغيرها
الكثير التي يُستنبط منها هذا المعنى.
واعلم
أن صاحب الهوى إذا قلت حجّته زاد تهكّمه واعلم أن من يضحك أخيرًا يضحك كثيرًا ولا
يضحك أخيرًا إلّا أهل الحق المؤمنون (فَٱلۡیَوۡمَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ
یَضۡحَكُونَ)
تعليقات
إرسال تعليق