النموذج الثاني: مأمون جناجرة.
في كل عصرٍ ومصر وفي كل مرحلةٍ من مراحل التاريخ منذ نشأته الأولى
حتّى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض وما عليها فإنه لابدّ وأن توجد شخصياتٍ يكون
الناسُ في تصنيفها أقطابًا متنافرين فتسمع عن الشخص الواحد الوصف ونقيضه، والسمةُ
وضدّها، فيكثر الجدل فيهم. وهذا عائدٌ على طبيعة هذه الشخصيّة من حيث تأرجحها بين
الحق والباطل أو قد يكون عائدًا على المصنّفين وقرب مقياسهم للخير والحق وبعده
عنهما، فإذا اتفقت المقاييس قل الجدل وإذا اختلفت كثُر ..
أمّا في فصول الدراسة فإن الطلاب غالبًا يتفقون في تصنيفهم وتتوحّد
مشاعر الحب والبغض لديهم لأنهم غالبًا يقيسون بمقياس الدرجات لا غير، وهم على ذاك
لا يحبّون العادل حبّهم للمتساهل.
أما الدكتور مأمون جناجرة فإنه كان من الشخصيات الجدليّة وكنت من صفّ
محبّيه في حين كان الأغلب من شانئيه، والبون بيننا أبعد ما يكون وعجبت لذلك، فقد
كان هؤلاء يحبّونه كأشد ما يُحب تلميذٌ أستاذه وكان أولئك يكرهونه كأشد ما يكره
تلميذٌ أستاذه. وقد علمت منه ما لم يعلمه المحبّون، لكنّي هنا لا أريد أن أنتصر
لرأيٍ ولا أن أغلب صفةً من صفاته على أخرى، ولا حجةً من حجج الفريقين على الأخرى. بل
أريد أن أعرضها عرضًا وحسبي من الآراء تجربتي.
درسني الدكتور مأمون ثلاث مواد وهي:
1- ميكانيكا الموائع التطبيقيّة Applied Fluid Mechanics
2- مضخّات وآلات هيدروليكية Pumps and Hydraulic Machines
3- هندسة محطّات طاقة Power Plant Engineering
وهذه المواد مترابطة؛ فالمضخّات والآلات الهيدروليكيّة تستخدم في
الأوساط المائعة .. وهذه الآلات والأوساط وغيرها توجد في محطّات توليد الطاقة،
ومحطات توليد الطاقة عالمٌ مجموع في رقعة صغيره نسبيًا، ففي هذه المحطات تتظافر
العلوم وتتلاقح المعارف الإنسانيّة، وقد قال الدكتور مأمون في غير مرةٍ:
"احرص على التدرّب في محطات توليد الطاقة حتّى لو بذلت في ذلك من مالك"
*****
ذكرتُ بأن الدكتور درسّني ثلاث موادٍ وهو عدد كافٍ تقريبًا لنتلمّس
جوانبًا من شخصيته، ومما يقوي رؤيتنا هو أن هذه المواد تركّزت في فصلين، منها فصلُ
كان يدرسني فيه من البكور حتّى الرواح، ثم إنه لم تقتصر معرفتي به وتواصلي معه في
داخل قاعات المحاضرات بل كنت أتصل به في خارجها ولربما قضيتُ معه الساعة والساعتين
والثلاث، أناقش فيها معه مواضيع مختلفة لا يربطها رابط. وقد كان يتعجّب زملائي من
جلوسي معه ونقاشي إيّاه فقد كان مهيبًا غليظا، وهذا مما أخذه عليه شانئوه وكان
مزاجيًا يأخذنا بجريرة أحدنا أو بجريرة شيء لا نعلمه، لكن هذا الأخذ لا يتعدّى أن
يفعل شيئًا لا يناقضه العدل وإنما يقتصر على شيء لا يجاوز أن يكون من صلاحياته غير
أن فيه إثقالًا علينا وزيادة حمل، فلربما دخل علينا مغاضبًا كليح الوجه مكفهرّه
فيتحرّى زلةً ليتوعّدنا باختبار غير متوقع يحدده من فوره. أما إذا حسن مزاجه فإن
القاعة كلّها تنبسط لانبساطه وكنتُ أتحيّن اعتدال مزاجه لأنهل وأعل من معين علمه.
وهو رغم تقلّبات مزاجه إلّا أنه كان عادلًا وعلى الرغم من أنّا قد
بلغنا غاية الاختلاف في تحليل شخصيّته لكنّي ما رأيت طلابًا مختلفين في حب شخصٍ وبغضه
أوفق في تقرير صفّة العدل له كما رأيتهم في تقريرها لمأمون جناجرة، اللهم إلّا ما يكون
منهم حين انفعالهم من عدله الذي أبى عليه أن يحابيهم، ولم يكن ليجاوز الحق إلّا
فيما كان يتأوله وكنّا نراجعه في ذلك فيقبل إن كان تأوله بعيدًا متكلفًا، وكان من
عدله أنه لا يقبل أن يراجعه شخص واحد تغرّة أن يحابي، فكنّا نأخذ منه مجتمعين ما لا
نأخذه فرادى. وكان سامي النفس بلا تكبّر، يأبى الضيم ويأنف من دناءة الاستغلال
ويستنكف أن يُبتز من أصحاب المناصب كما يكون منهم عندما يجعلون الأساتذة يبحثون
ويقدمون رسائل علمية باسمهم، أو ما يكون من تخففهم من نصابهم التدريسي بإلقائه على الأساتذة
بغير وجه حق.
أمّا فيما يخصُّ علمه، فقد كان الدكتور مأمون عالمًا نحريرًا متبصرًا
بدقائق الميكانيكا وكلّياتها وامتداداتها وما يتعلّق بها من التخصصات الأخرى وكان
مثقفًا واسع الاطلاع في الهندسة وغيرها، فكان يقرأ في الأدب والتاريخ والاقتصاد
وعلوم البيئة والأديان وغيرها وكان متأمّلًا شديد الملاحظة يلاقح بين العلوم، وكان
من الأساتذة القلائل الذين جمعوا بين المعلومة الأكاديميّة والخبرة العمليّة حيث
عمل مدةً في محطات التوليد قبل أن ينخرط في التدريس.
وانعكاس علمه كان جليًا على شرحه فكان يقدّم لمحاضراته بمقدمةٍ جليلة
قيّمة يربط فيها الدرس الهندسي بمتعلقاته من العلوم الأخرى، فيأخذ من الأحياء
والفيزياء والكيمياء وعلوم الأرض وعلوم الاجتماع وعلوم البحر والطقس فيمزج بينها
مزجَ متمكنٍ حذق العلم فهضمه، ثم إذا بدأ بالدرس ربط لنا المعلومة النظريّة بخبرته
العمليّة فصوّرها لنا تصويرًا يجمع لنا به الفهم جمعًا، وقد كان درسه مليئًا
بالاستطرادات فكنّا نحبّها للاستزادة من ثقافته كما نحبّها لتقليل وقت الدرس.
وكنتُ أتردد عليه في غير الدرس وما انقطعت عنه منذ أن درسني المرّة
الأولى، حتّى إذا بقي على تخرجي شهورًا معدودة كثّفتُ اتصالي به وكان يحفل بي إذا
أتيته ويحب نقاشي فيسترسل ويتبسّط وربما أطلعني على بعض أمره واستشارني وبثّ لي،
وكان أستاذي في الثقافة كما هو أستاذي في الهندسة فجزاه الله عنّي خير ما جزى
أستاذًا عن تلميذه.
تعليقات
إرسال تعليق