التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصول جامعية | نظرة في العلاقات (4)



النموذج الثالث: حسن العطّار


تختلف طبيعة علاقاتنا بالنّاس كما تختلف مدّة المعرفة أو الاتصال بهم وعمق أثر هذه العلاقات على ذواتنا، وكل ذلك له أثرٌ على فهمنا لها وعلى دقّة الوقوف على مكنوناتها ومؤثراتها.
والطبعي المعروف أن اتساع التجارب منوطٌ بالمدّة وقرب الاتصال، فبقدر ازدياد التجارب أو المدّة تزداد المعرفةُ عمقًا، وللشخصيات من حيث وضوحها وغموضها دورٌ في تعميق المعرفة بها.
 وهناك جانبٌ يُغض عنه الطرفُ دائمًا رغم أهميّته وهو التوقيت الزماني لهذه العلاقة، فقد يطول ارتباطك أحيانًا وتتكشّف لك جوانب كثيره من هذه العلاقة ويوافق ذلك فترةً عمريّة لم تكن فيها ناضجًا، ولم تكتمل لديك الخبرة التفسيّريّة ولا المعرفة التحليليّة. وقد تقل مدّة ارتباطك بشخصٍ ما ولكنّك تسبر علاقتك معه وتفهمه على نحوٍ لم يكن ليتأتى لك فهمه إلّا بعد زمن، فكأنما أنت في معرفتك به قضيت معه السنين الطوال وما هذا إلّا لأن اتصالك بالشخص وافق وقتًا وصلت فيه إلى النضج أو قاربته..
ومعرفتي بالدكتور حسن هي من هذا القبيل، ثم إنّي عندما كنتُ طالبًا لم أكن -في الغالب- حريصًا على معرفة المعلّم إلّا من حيث كونه معلمًا وغالبًا لم أُعنَ بالتوسع كثيرًا في فهم شخصيّة المعلّم خارج إطار الجامعة إلّا فيما كان له ارتباطٌ وثيق يترتب على جهلي به اختزال في الرؤية واختلال في التفسير.
درسني الدكتور حسن في آخر ترمٍ لي في الجامعة ..
ولم يدرسني إلّا مادة واحدة، وهذا كان من شأنه أن يخلّ بنظرتي التفسيريّة التي أرتب عليها منهجًا كاملًا أسير عليه في المادة فأذلل به على نفسي عقباتٍ كثيرة وأتجنّب به الزلل.
إلّا أنه كان آخر ترمٍ لي في الجامعة حين استحكمت الحلقات ونضجت الخبرات وتجمّعت الأشتات..

دخل علينا الدكتور حسن في الدقيقة الأولى من اليوم الأول من الأسبوع الأول حيث كان اللقاء الأول.. ومن هنا بدأ الانطباع يتشكّل مدونًا في ورقاته: (إرهاصات جدٍ وجديّة)
سلّم علينا الدكتور ولم يجلس.. عرّف باسمه واقتصر..
فدوّن الانطباع: (بوادر التزام وشواهد انتظام) ..
ثم طفق يبيّن أهميّة المادة وموضوعها وتطبيقاتها ومتطلباتها وما يُبنى عليها وكل ما يتعلّق بها، بيّن ذلك بعبارةٍ رقيقة وإشارةٍ دقيقة، وبيانٍ كان الغاية في الوضوح، فلا يحتاج إلى بيانٍ وشروح، وكان يتكئ على أواخر الكلم ويكرر الجمل تكرارًا هو من قبيل التوكيد ليس من سقيم الترديد. وكان يتكلّم بملء شدقيه يخرج الكلمة فيشدّد عليها ويمطّ الحرف بعد أن يخرجه بكامل صوته من مخرجه، وكان ينطق بعض الجمل بتضخيم صوته فنعلم أن هذه الجملة هي التي من حقّها في الكتابة أن تُكتب بخطٍ عريض أو أن تظلل بأقلام التظليل.
فصدّق الانطباع على ما سمعتُ عنه من الإجادة في الشرح، ولم أكن أحفل كثيرًا بما أسمع من كلام الطلاب.

وصدّقت الأيام على تدوينات الانطباع، فكان الدكتور حسن حسنَ البيان بالغ الإحسان في شرحه كأحسن ما يكون الشرح من الأساتذة الذين بلغوا الكمال في الفهم والإفهام، فكان يقرّب الفكرة البعيدة حتّى لكأننا نقلّبها بين أيدينا، ويسهّل المعلومة الوعرة حتّى لكأننا قد جاوزناها قبل إيضاحه لنا بغير محاولة للفهم حتّى إذا عدنا إليها بعد شرحه فإذا هي أسهل من أن تُشرح! وكما أن درسه بلغ غاية الوضوح فإن منهجه من حيث المقررات المشمولة والتكاليف المطلوبة كان يسيرُ في خطٍ مستقيم لا اعوجاج فيه، فقد أدركنا غايته ونحن واقفون في أوّله، وكان يُطلعنا في أوّل الفصل الدراسي على أوقات الامتحانات، فلم تكن تحيد عن تلك الأوقات..

*****

إن الخليقة الواحدة من خلائق الإنسان لكفيلة بأن تصبغ جميع تصرّفاته بصبغتها، فنحن نرى الكريم وما تنطوي عليه نفسه من مكارم الأمور وشريفها ونرى البخيل وكيف جعله البخل موسومًا بالدناءة في كثيرٍ من أحواله رغم أن الكرم والبخل خليقتان متعلّقتان بالبذل والإمساك، ويكادان ألا يُقاسا إلّا بهذا المعيار، إلّا أن الإنسان في تكوينه خَلقٌ واحد ذو طبائع مترابطة يشد بعضها بعضا. وكما رأينا هذا في الكرم والبخل فجدير بنا أن نراه في باقي الطبائع والخصال، فقلّ أن تجد مخلصًا في درسه حريصًا في شرحه ثم يكون متهاونًا في التزامه بأوقات محاضراته.. فالإخلاص بعضه يأخذ بحجز بعض والإخلاص قيمةٌ ما إن يتصف بها شخصٌ في شيء حتّى تطبعه وتصير له عادةً في كل شيء.
وكذلك كان الدكتور حسن جادًا ملتزمًا بمحاضراته متقيدًا بها مواظبًا عليها لا يستأخر ساعةً ولا يستقدم. ولا أذكر أنه تغيب يومًا عن محاضرة له، وما وجدت من الدكاترة أشرف منه في ذلك. وإني لأذكر ذاك الخميس الذي أتانا فيه فأتم درسه ثم اعتذر لنا وقال "سأعيده إن شاء الله لكنّي الآن مضطرٌ للسفر.. عندي حالة وفاة" فلم يتغيّب عن المحاضرة ولم يغب إخلاصه في الشرح، إذ لم نُحس أنّه قد طرأ عليه طارئٌ من معكّرات المزاج! فتأمّل!

ولم تكن جدّيته ودقّته في الالتزام لتجعله متعنتًا، ولم يكن دوامُه على دوامِه ليجعله مختلف المزاج وما كنّا لنلحظ ذلك منه، فقد كان طيلة الفصل الدراسي البالغ أربعة أشهر معتدلًا في مزاجه مستقيمًا في طبعه، وهذه من النوادر التي قلّ أن تجد عليها معلمًا.. وهم لا يلامون في ذلك. وكان الدكتور وسيع القريحة سريع البديهة حاضر النكتة جاهز القفشة لا يخلو درسه من التقريع اللطيف والتشنيع الطريف والذي يتفق بهما للدرس بهجته وأريحيّته.
وكنتُ أقرب الطّلاب منه مجلسًا وأحدّهم له نقاشًا وأجرأهم عليه في غير ما تجاوز، وكان الدكتور أسبق في ذلك منّي، فقد كان يتكئ عليّ من غير إثقال ويتبسّط معي في غير إسفاف وكان يتحيّن استشكالي لبعض المسائل فيبتسم ابتسام المنتصر ثم تبدأ حفلة التهكّم. وقد ينسى معي أنّه معلمي وأنسى أنني تلميذهُ وهذه غاية الانبساط والأريحيّة. وكنّا في الفصل كخصمين يتغالبان أو قل كصديقين يتشاكسان ويبلغان وسعهما في كسب معركةٍ لا خاسر فيها، والرابح الأكبر هم الطلاب.  ثمّ إنه لا يبدأ المحاضرة حتّى يرحّب بي ترحيب المفترس بالضحيّة وأرد التحيّة رد الواثق بالسبق والإفلات والإجهاد.
ثم إنه على ذلك لم يكن ليتصيّد الأخطاء بل كان -والله- يسرّه أن أحصل على العلامة الكاملة وقد كان المعلّم الصديق أو الصديق المعلّم رفع الله مقامه وأعلى شأنه.

*****

انقضى ذاك الفصل سريعًا غير مكترثٍ بأُنسنا لا يلوي على غرسنا، وانتهت تجربتي مع الدكتور حسن العطّار بعد أن حصلت على الدرجة الكاملة في مادته فاكتملت للذكرى سعادتها كما بدأت سعيدة تغذ السير في طريق السعادة إلى غايةٍ أدركتُ آخرها وقد دافعتُ هذه النهاية على حسنها بما احتسبتُ من أُلفٍ وأنس.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...