إنّ
الدارس لكلام أساطين البيان وأدب الأعيان وأشعارهم ليجدُ عنتًا في استكناه لآلئهم
والكشف عن أسرارهم ولا يتأتى له من طرق التفسير في القراءة الأولى ما يتأتى له من
التكرار والعيش معهم في تفاصيل كلامهم وقصائدهم.. ولا يصل إلى فهم وجوه البلاغة
التي استحقوا بها هذه المرتبة العالية في تاريخ الأمم إلّا بمداومة الاطلاع
والمراجعة وإعمال الذهن والقلم.. نعم والقلم، فحفظٌ بلا كتابة؛ جمودٌ لا تتولد منه
النتائج. وكتابة بلا إعمالٍ للذهن بالحفظ والمراجعة؛ مضيعةٌ للوقت، وخواءٌ لا
تتلاقح فيه الأفكار.
وأنا
هنا في هذا الفصل أريد أن أرسل نظرةً من نظرات التدبّر أحاول بها تسليط الضوء على
بعض النكت الدقيقة التي لا سبيل لكشفها إلّا بالرويّة وإعمال الفكر، ولن أتكلّف في
ذلك كما تكلّف المتكلّفون في شروحهم وتدبراتهم ممن استعملوا المناهج الغربية في
تحليل القصيدة العربية أو ممن بالغ في التحليل وتكلّف التفسير.
ليُقال أتى فلانٌ بالشاردة! فغرّبوا وشرّقوا بعيدًا عن
طرق شرح كلام العرب وتكلفوا الرمز والإلغاز. كفى الله كلام العرب من شروحهم. وعلى
الله قصد السبيل.
ثمّ إن هذه النظرة قدّرت لها أن تكون إلى شاعر العربيّة الأول الملك
الضلَّيل الذي لم يكن ضلَّيلاً ولا ضالًا عن طرق البيان والنظم والبلاغة بل كان
ملكًا في الشعر الذي هو أرقى أساليب التعبير كما كان ملك دولة وقد تنعّم في أكناف آبائه
الملوك من قبل.
وقد قدّرت
لهذه لنظرة ألا تجاوز قدرها فليست هي بالدراسة التي تستغرق الديوان كاملًا فتخلص
إلى معرفة نهج امرئ القيس في الاستبكاء وفي المواساة ولكنّها مقاربة نغوص بها في
دلالات الألفاظ وبواعث الشعور لنستكنه أسرار هذا البيان العالي الذي استحقّ به
امرؤ القيس مكانته. ونحن نريد أن نطلب هذه المعرفة من خلال أسلوبين أتى بهما
الشاعر في قصيدتين هما المعلّقة والرائية "سما لك شوقٌ"، وهما أسلوبان
متضادان من حيث الباعث على الإنشاء والمحرّك له.
فإذا
ما ظهرت لنا قدرة الشاعر أو الإنسان -بصفةٍ عامة- على البيان في معنيين متضادين ثم
كان هذا البيان مما يُوضع على عروش الكلام والتعابير، فإننا نكون قد وقفنا على
عبقريةٍ نادرةٍ جديرةٍ بالبحث والاهتمام.. فإنه إن كان الإنسان يقول القول وضدّه
فيقنعك، أو يصل إلى دقائق نفسك فيحركها على نحوٍ خطير، فاعلم أنه بلغ بالحجّة
والبيان مبلغ السحر إذ يخلب العقول والأفهام، ولذلك قال الرسول صلّى الله عليه
وسلّم: إنّ من البيان لسحرا.
وشاعرنا
امرؤ القيس ساحرٌ في بيانه، وأنت لا تستطيع إخفاء انبهارك حين تعلم أنّ الذي قال
"قفا نبك" فأبكى هو القائل "لا تبك عينك" فأشكى..
ففي
الأولى استوقف واستبكى ببيانٍ شريف استحق به أن يخلّد مطلعه وتخلّد طريقته.. وفي
الثانية عاتب صاحبه على البكاء ببيانٍ لا يقل شرفًا عن سابقه وبحجّةٍ كفيلةٍ
بتكفيف الدموع إذ قال:
فقلت له لا تبك عينُك إنّما
نحاول مُلكًا أو نموت فنُعذرا
ومن
رزقه الله البيان فإنّه يستطيع أن يُقنع بالشيء وضدّه ويستطيع أن يُحسّن الشيء في
عينك فيكون كأحسن شيء عندك، ثُم إذا أراد فيُقبّحه حتّى يكون لا شيء أقبح منه
وحتّى لكأنك ما أُعجبت به قط. وهل هذا إلّا السحر بعينه.
فهيّا بنا لنرى كيف استبكى وكيف عزّى ..
الاستبكاء
كان
الشعراء يقفون على الأطلال ليحيّوها أو يسألوها وكان ذلك تقليدًا متفقًا عليه في
أشعارهم حتّى وإن غلب على قصائدهم طابع المدح أو الفخر، اللذين هما أبعد الأغراض
عن الحزن.. حتّى أتى امرؤ القيس وقال "قفا نبك" فقال النقّاد إنّه أول
من وقف لمحض البكاء، ثم تخلّد هذا الأسلوب، وسارت به الركبان واتخذه الشعراء
تقليدًا لهم، حتّى أنه كان من فحولهم من لا يستنكف من أن يأخذ صيغة البكاء ذاتها
التي بكى بها شاعرنا، بذات ألفاظها، وكأنّهم اتفقوا على أن هذه الصيغ صارت قوالبًا
لهم وأمثالا..
وأنا
أريد أن أطلعك في هذا الفصل وما بعده على سر علو هذا البيان، وقد خاض الخائضون في
ذلك حتى خُيّل لضعيف الذوق أنه لا ثمة نصوصٌ يصحُّ أن تكون نموذجًا للجمال ولا ثمّة
معيارٌ للشعر يحتكم إليه. وكي لا يكون كلامنا عائمًا في الماء أو سائبًا في الهواء،
نريد هنا أن نتحسس بأنفسنا مكامن الجمال ونضع تساؤلاتٍ لنجيب عنها بدقّةٍ لا يجد
القارئ بعدها ما يُشكل عليه في التذوّق والفهم، وحتى يرى الجمال وقد صار حقيقةً ماثلةً،
لا سبيل لاختلاف الأذواق عليها إلّا فيما يجوز للأذواق أن تختلف فيه.
إذًا فلنسأل بدايةً: لماذا استحق شاعرُنا التخليد؟
وهذا
السؤال متأخر وتتوقف إجابته على إجابة سؤال قبله وهو: هل وقع التخليد؟
وهذا
السؤال إنّما غُضّ الطرف عنه لما وقر في النفوس من التسليم بإجابته.. ولا يجيب على
هذا السؤال أحدٌ فيقنعك بإجابته كما يجيبك التاريخ بالإيجاب ويأتي لك بالشواهد
بالحديث من الأدب وبالبعيد الموغل في بعده.. ويقول لك ألست ترى الأمّة العربيّة
منذ أن جرت الأقلام في تدوين إرثها تبكي لاستبكاء امرئ القيس إيّاها؟!
أمّا
إجابة سؤال الاستحقاق فلا تكون إلّا من الشاعر ذاته ومن قصيدته التي عُلّقت.
وقصائده التي بها أُلحقت، وبنا لنرى كيف كان ذلك كذلك ..
يقول:
قفا نبكي من ذكرى حبيبٍ ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
فتوضح فالمقراة لم يعفُ رسمُها
ما نسجتها من جنوبٍ وشمألِ
يرى
جمهور النقّاد أنّه لا مطلع يبزّ هذا المطلع في جودته، وقالوا إنّ الشطر الأول
فيه، هو من جوامع الكلم، إذ أنّه وقف واستوقف وبكى واستبكى وهذا كلّه في الكلمتين
الأولى من الشطر.. وقد قيل: إنّ القصيدة الجيّدة هي التي يتم لكل بيتٍ منها معناه،
وقيل: بل يتم المعنى في كل شطر وقيل: بل في أقل من الشطر.. وإن كان هذا من الآراء
التي يُختلف فيها، فإن المقصد لا اختلاف فيه وهو أنّ الإيجاز من أهم عناصر الإجادة
التي تتفاضل بها القصائد بل سائر الكلام..
وثانيةٌ
في هذا المطلع، وهو أنّ تعدد وجوه الكلام مع حسنها جميعًا مما يُضفي على المعنى
قدرًا من الغموض الذي يُقصد ويُستحسن ويعلو به الكلام. راقب صنعة الشاعر الخفية
التي أبانها اختلاف النقّاد في تفسير الباء في "بسقط اللوى" والفاء في
"فحومل" و "فتوضح" و "فالمقراة"..
وسقط
اللوى والدخول وحومل وتوضح والمقراة كلّها أسماء مواضع، واختلاف النقّاد كان في مُتعلَّق
الباء والفاء، فهل هو الوقوف أم الاستبكاء، أم هي متعلّقة بالذكرى.. فمن قال إنّها
متعلقة بالذكرى، قال: إنّ الحبيب ومنزله هما في سقط اللوى بين الدخول وحومل وأنّ
الأماكن الباقية هي حدود أيضًا لسقط اللوى وبذلك يكون الشاعر قد حدّد الاتجاهات
الأربعة لمكان الحبيب.. وهذا وجهٌ للكلام قال به من لا يخفى علمه وفضله من الشرّاح
والنقّاد لكنّي لا أقول به.. وأرجّح أنّ كل تلك الأماكن التي سمّاها الشاعر هي
منازل لأحبابه وظعائنه وأن المقصد بالباء وبالفاء هو الاستيقاف عليها جميعًا لمحض
الاستبكاء.. ويرجّح هذا القول عندي ما نعرفه من سيرة امرئ القيس ومن كونه ابنًا
لملك كندة، تلك الدولة العظيمة في مساحتها التي تتيح للملوك وأبناء الملوك ما لا
تتيحه لغيرهم من الاستكثار من الصاحبات والحبيبات. وهذا تدعيمٌ من خارج القصيدة وقد
أُنازع فيه، أمّا التدعيم الذي من داخلها فهو طبيعة القصيدة وكونها للذكرى التي
تحركها عاطفة الاستلذاذ بالتذكّر والتحسّر على الفوات، مما جعل الشاعر يحشد لها
الذكريات حشدًا، فيذكر فيها الاطلال ثم يُشبّب بمن كان يعمر هذه الديار، ويذكر
الأيّام التي كان يلهو فيها، ثم يورد ذكرياته في الصيد، ويصف فيها فرسه، ثم يختم
بوصف المطر. وكل ذلك مترابطٌ عندي أيّما ترابط، وتوحّده في ذلك العاطفة ويتصل كلّه
بالمطلع "قفا نبكي".
وهذا
الحشد من الذكريات لم يكن -قطعًا- في مكان واحد.. وانظر إلى تعدد الصويحبات التي
ذكرهن في القصيدة والأيّام التي خلا فيها بهن. فذكر أم الحويرث، وأم الرباب،
وعنيزة، وفاطمة -على مذهب من يقول بأنّ فاطمة ليست عنيزة ولا أراه- وبيضة الخدر،
التي لا يُرام خباؤها، والمرضع التي طرقها فألهاها عن ذي تمائم محول، وكثيرات ممن
نعرفهن من قصائده كسلمى، والرباب، وفرتني، ولميس، وأم هاشم، والبسباسة، وأسماء،
وماويّة، وكفى بهذا مرجحًا عندي على تعلّق الباء والفاء بالاستيقاف والاستبكاء.
فهل نظرت إلى الاقتصاد في اللفظ مع سعة المعنى وتعدد وجوهه!
وخذ -على ذلك- من عناصر التقديم والفحولة = سبقه
لهذا الأسلوب الذي استحسنه الشعراء فصار تقليدًا لهم إلى يومنا هذا. والسبق إلى
المعاني والتراكيب الجيدة مما يتفاضل به الشعراء..
يقول
الشاعر: "قفا". فيختلف الشرّاح!
منهم
من يقول: إنّ المقصود بتلقي الأمر "قفا" شخصٌ واحد ولكنه أتى به ليؤكّد
على صاحبه معنى الوقوف، فيكون من قبيل قول الله تعالى: (ألقيا في جهنّم كل كفّار
عنيد) وهذا أسلوب معروف، وعلى هذا الرأي كثيرٌ من العلماء.. وقيل: بل أتى بصيغة
المثنّى لتكرير الفعل أي: قف! قف! وهذا قول المبرّد وقيل: إنّ المقصود واحد وإنّما
كانت الألف عوضًا عن نون التوكيد الخفيفة.
وأنا
على مذهب من فسّر بالظاهر وقال: إنّ الأمر "قفا" موجّهٌ إلى شخصين ولا
أرى أنّ هناك ما يستلزم صرف معنى اللفظ عن ظاهره. وقد يكون الشخصان هما عمرو بن
قميئة وجابر التغلبي، ويقوّي هذا الاحتمال ما نعرفه من سيرة الشاعر وما كان لهما
من الحظوة عنده، فأمّا عمرو فسيمرّ بنا في هذا الفصل فضل اختصاصه، وأمّا جابر فقد
ذكر الشاعر في قصيدةٍ له ما قد يكون من ملامح هذا الاختصاص أو نتائجه.
وأظنُّ
أن الذي حمل من قال إنّ المقصود واحد على ما قال، هو أنّ الشاعر خاطب في آخر فصلٍ
في القصيدة شخصًا واحدًا وهو صاحبه حارث مؤذنًا بالنهاية فقال بالترخيم:
"أحارِ ترى برقًا أريك وميضه".
وأنا
في الحقيقة، لا يهمني كم عدد المخاطبين بقدر ما يهمني أنّه بدأ بصيغة الأمر، وأنّه
لم ينبّه للوقوف قبل ذلك لا بأداة تنبيه كما بدأ معلقته الثانية بـ "ألا عم
صباحًا" ولا بمناداة من أراد توجيه الأمر إليهم، وأرى أن هذه البداية الفجائية
بـ "قفا" تعكس لنا الوصول المفاجئ لسقط اللوى التي خصّ تعديتها بالباء..
وهذا الوصول المفاجئ يعكس لنا حالة الإطراق والوجوم
والحزن التي تسكن امرأ القيس في رحلته الطويلة لاسترداد ملك أبيه فكأنه لم يُفق
إلّا في سقط اللوى فقال في حالةٍ من اليأس والتعب: قفا.
ثم
يقول الشاعر: "نبكِ من ذكرى"
وهنا
بكى واستبكى بكلمةٍ واحدة. وكلمة "نبكِ" مجزومةٌ لوقوعها في جواب الطلب الذي
إنما كان للاستبكاء. ثم يقول:
تَرى بَعَرَ الآرامِ في عَرَصاتِها
وَقيعانِها
كَأَنَّهُ حَبُّ فُلفُلِ
وذلك لطول عهد أهلها بها، ثم يقول:
كَأَنّي غَداةَ البَينِ يَومَ تَحَمَّلوا
لَدى
سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنظَلِ
وبهذا
البيت يعود بك الشاعر إلى الماضي البعيد، ويصوّر لك بكائه الذي ما انقطع منذ ذلك
العهد. يقول إنّه كان في غداة الفراق كأنه ناقف حنظل! ولكن ما فضل ناقف الحنظل على
الباكين؟ وهنا لفتةٌ جميلة للأعلم الشنتمري، يقول" وإنما خصّ ناقف الحنظل،
لأنّه لا يملك سيلان دمعه، كما لا يملكه من اشتدَّ شوقُه وحزنه." ثم يقول:
وُقوفاً بِها صَحبي عَلَيَّ مَطِيَّهُم
يَقولونَ لا تَهلِك أَسىً وَتَجَمَّلِ
وَإِنَّ شِفائي عَبْرَةٌ إنْ سَفَحْتُها
فَهَل عِندَ رَسمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ
ثم
عاد الشاعر إلى حاضره الحزين فقال "وقوفًا" وهي مفعولٌ مطلق([1])،
أي: قفا وقوفًا، وأنت ترى في ذلك إلحاحًا منه على الوقوف فتعلم منه شدّة شجنه وشدة
تعلّقه بالذكريات والمنازل، كما ترى في هذا البيت سُبل المواساة التي طرقها أصحابه،
فتارةً يلفتونه إلى نفسه ويسألونه أن يُبقي عليها وتارةً يستثيرون فيه العزيمة
والجلد. لكنّه لا يلتفتُ إلى شيء من ذلك، ويرى أنّ الشفاء لا يكون إلّا في سفحِ العبرات،
مع إقراره بأن البكاء على الرسوم الدوارس لا طائل منه، ولكن ما أبعد ما بين الإقرار
والامتثال.. وفي خلال هذا محاولات صحبه في التعزية والمواساة ننتقل إلى فصل
التعزية
التعزية
كنّا
قد طلبنا الاستبكاء في المعلقة، وقصرنا عليها في الطلب لأننّا لو رمنا أن نطلبه في
ديوانه كلّه لطال بنا الحديث، وكذلك الأمرُ في التعزية فسنقصر في طلبها على قصيدته
الرائيّة "سما لك شوقٌ" وهذه الرائيّة هي إحدى القصائد الثلاث الطوال التي
أرجّح أنّ امرأ القيس كان قد أنشأها في رحلته لاسترداد ملك آبائه، وهذه القصائد
الثلاث هي أجود شعره، وهي على الترتيب في الجودة عندي تكون كالتالي: المعلقة ثم
اللاميّة (ألا عم صباحًا) ثم الرائيّة (سما لك شوقٌ) وأرى أيضًا أنّ هذا هو
الترتيب الزمني في إنشائها، وأعتمد في هذه الرؤية على المنازل التي مرّ بها الشاعر
متجهًا إلى بلاد الروم للاستعانة بقيصر وأعتمد أيضًا على الشعور الذي أودعه الشاعر
في قصائده.
والسمةُ
المشتركة بين هذه القصائد هي أنّها كلها للذكرى والبكاء. ففي المعلقة كان يبكي على
لهوه وأيّامه، وفي اللامية بكى على عمره وشبابه، وفي الرائية بكى على أعوانه وأصحابه،
وكل ذلك إنما كان حُزنًا على ملكه. وكفى بعاطفة الحزن باعثةً على كل هذا التجويد.
وهنا
ملحظ خفي له دلالة نفسيّة عميقة، إذ أن القصيدة التي بكى فيها الصحابَ جاء فيها
بالمواساة وكان أحوج إليها، ولأنّه جرّب الخذلان والجحود كانت مواساته فيها نوعًا
من التعلق بما بقي له من الرفاق، كما أنّ فيها إشارةً لوفائه. فهيّا بنا لننظر في
البيان العالي الذي يواسي به امرؤ القيس صاحبه وينهاه به عن البكاء.
ولإظهار
هذا الجمال يجدر بنا أن نحلل القصيدة كاملةً لأن كل كلمة من كلماتها لها ارتباط
وثيق لما نحن بصدد الإبانة عنه وهذا ما لا تسمح به السطور التي قصدنا فيها
الاقتصاد، ونحن إنما كُفينا التطويل في الإبانة عن البكاء لأنه أتى في بداية
المعلقة ولم يكن متعلقًا بمعنى قبله، وإن كان ما بعده يرتبط به، ولكن حسبنا من
الجمال هذا القدر وهو كافٍ لإظهار عبقرية الشاعر.
يقول
الشاعر:
بكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونه
وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما
نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا
وإني زعيمٌ إن رجعت مملكًا
بسيرٍ ترى منه الفرانق أزورا
على لاحبٍ لا يهتدى بمناره
إذا سافه العود النباطي جرجرا
أقب كسرحان الغضى متمطرٍ
ترى الماء من أعطافه قد تحدرا
إذا زعته من جانبيه كليهما
مشى الهيدبى في دفه ثم فرفرا
إذا قلتُ روحنا أرنّ فُرانق
على جلعدٍ واهي الأباجل أبترا
احتفى
امرؤ القيس في هذه الأبيات بصاحبه كثيرًا واعتنى به فقال في البداية: بكى، وأسند
البكاء إلى الصاحب، وأضاف الصاحب إليه بالضمير، فقال "صاحبي" ومن المعلوم
هنا أنه لا يزدريه على بكائه لما كان يعلم من نفسه الاشتراك في البكاء وإن لم
يُظهره، فسبب بكاء صاحبه هو أنّه رأى الدرب دونه وأيقن بأنه مبتعدٌ عن دياره لاحقٌ
بقيصر وهو ما يستنكف منه امرؤ القيس وصاحبه ولكنها الضرورة..
ثم
قال: "فقلتُ له لا تبكِ عينك"
لاحظ
أنه لم يقل "فقلت لا تبك" مع أنّ هذا أوجز في اللفظ، وكان كافيًا في
النهي عن البكاء، لكنّه عدّى القول باللام إلى صاحبه الذي جعلك تراه بإبراز الضمير،
وهذا أبلغ في الاحتفاء بصاحبه، ثم لم يكتفِ بقول: "فقلت له لا تبك" بل
قال: "لاتبك عينك" وهذا عندي أبلغ في العناية، ثم لاحظ أنه قال هنا:
"لاتبك عينك" وكان قد قال: "بكى صاحبي" فكأنه بذلك يشد من عزم
صاحبه إذ أسند البكاء للعين فقط لا لصاحبه كلّه، وكأنّ البكاء مقصورٌ على العين فيكون
ذلك أسهلُ في كفّها، ولا يخفى عليك أيضًا ما في إسناد البكاء إلى العين من
الاحترام. ثم أتى بشطرٍ هو الأبلغ في المواساة، إذ قسّم مآل هذه الرحلة وهذا الكد
واستوفى التقسيم بأن قال "إنما نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا" وهذا من ضربٌ
من البلاغة يستحسنه البلاغيون.
ثم
أتى ببيتٍ بلغ الغاية في التبشير والإغراء فقال:
وإنّي زعيمٌ إن رجعتُ مملكًا
بسيرٍ ترى منه الفرانق أزورا
كأنه
يقول له: إنّي إن رجعت من هذه الرحلة بالمُلك فإنّ ملكي سيكون رفعةً وعزّةً
ورفاهةً وسعادةً لك وأنا كفيل لك بذلك.
ثم
من قوله في الأبيات "على لاحبٍ" إلى "إذا قلتُ روحنا" يحاول
أن يسلّي صاحبه عن البكاء وينسيه إيّاه ويصوّر له كيف سيكون حالهما إذا رجعا، وهو
في هذه الأبيات يواسي نفسه كما يواسي صاحبه.
لكن ما السرُّ في كل هذا الاحتفاء وكل هذه
العناية؟
السرُّ
في ذلك قد أومأتُ إليه عندما قلت إنّ هذه القصيدة هي للبكاء على المُلك من جهة ما
يوفّره من كثرة الأصحاب والخلّان، وما في زواله من انقلاب الناس على الصحبة
والخلّة، ومن تبدّل الحمد إلى جحود، وفي القصيدة إشارات كثيرة لهذه المعاني يبدؤها
بقوله في البيت الثاني من القصيدة:
كنانيةٌ بانت وفي الصدر ودّها
مجاورةً غسّان والحيّ يعمرا
لا
حظ كلمة "بانت" وكلمة "ودّها" ثم التحرّق الخفي في "مجاورةً"
..
ثم
هو يشير مرةً أخرى إلى الجحود والنكران في بيتٍ التفت إليه التفاتةً رقيقة يقول:
أأسماءُ أمسى ودّها قد تغيّرا؟
سنُبدل إن بدّلتِ بالودِّ آخرا
لاحظ
هذا الاستفهام ثم لاحظ الاحتراز حين قال "إن بدّلت" مع أنه يهدد
بالتبديل! لتعلم ما يمرّ به الشاعر من الخذلان.
ثم
يُصرّح به في موضعٍ آخر من القصيدة فيقول:
لقد أنكرتني بعلبكّ وأهلها
ولابن جريجٍ في قرى حمص أنكرا
ولا حظ دخول "قد" التي هي للتحقيق
واستخدامه صيغة الماضي الحزينة "أنكرتني"، ثم إسناد الإنكار لمدينة
بعلبك تكثيرًا للخذلان، ثم عطف أهلها عليها لإشراكها في الإنكار تأكيدًا عليه، ثم
لاحظ لام الابتداء التي ادخلها على "ابن جريج" التي هي من مؤكدات الخبر
ولاحظ قوله "في قرى حمص" وكيف أشركها في الإنكار ببعلبك وكيف قدّم الجار
والمجرور على صيغة التفضيل وكل ذلك لزيادة التأكيد. ثم بعد ذلك يقررّ هذا المعنى
بتوجّع في بيتين فيقول:
إذا قلتُ هذا صاحبٌ قد رضيتهُ
وقرّت به العينانِ بُدّلت آخرا
كذلك جدّي ما أصاحب صاحبًا
من الناس إلّا خانني وتغيّرا
وهذان
البيتان لا يحتاجان إلى تحليل فالمعنى فيهما واضحٌ لكنّي أريد أن أُلفتك إلى بداية
الشطر الرابع، إلى قوله: "من الناس" وهو هنا يتحرّز من إطلاق الصحبة
الخائنة التي هي حظه الدائم، ويقصر هذه الصحبة على الناس، وبذلك يشير الشاعر بلطف
إلى أنّ له أصحابًا من غير الناس وما هذا إلّا لتوقّعه الخذلان وهذا معلومٌ من
شعره فهو يصاحب الخيل والليل والناقة والبرق. وهناك إشارات كثيرة في القصيدة تدل
على هذا المعنى لكن حسبنا من الاستقراء بالتحقيق.
وهذه الحالة التي يعيشها الشاعر من النكران،
وتبدّل الخلّان، وتغيّر الأصحاب، والتي عقبت فقدان مُلكه كانت أحثّ له على الاعتناء
بصاحبه، ومواساته، والاحتفال به، وهذا الاعتناء الذي صاغه بنظمٍ بلغ الغاية في
الإتقان، والنهاية في البيان، هو الذي رفع قدر هذه التعزية. وبكل هذا التجويد في
النظم أمر شاعرنا بالبكاء فأبكى ثم كفّ وطلب الكفّ عن البكاء فواسى وأشكى.
تعليقات
إرسال تعليق