قبل
ثورة الاتصالات الحالية، كانت مجالات الفلسفة و الفكر ومقارنة الأديان بعيدة كل
البعد عن متناول العامّة، وكانت الرسائل في هذه المجالات تتسم بشيء من العمق
وتلتزم ببعض الضوابط الشكليّة التي من شأنها أن تضفي قدرًا من الموضوعيّة عند بعض
القرّاء، فكانت الشبهات التي تطرأ على الأديان في ذلك الزمن -أي قبل ثورة
الاتصالات- تحتاج إلى أن تنضوي في مشروع كامل من الشبهات حتى تكتسب قوّة التأثير
على أوساط القراء والباحثين، ولمّا كان عامة المجتمع بالطبيعة لا ينصرفون إلى ساحات
الجدل ولا تتوفر هممهم على قراءة الكتب والمجلّات فضلًا عن البحث والاستقصاء،
تقلّص نطاق التأثّر بهذه الشبهات، وإن تعمّق التأثير على حساب الفرد. أمّا بعد أن
ثارت ثورة الاتصالات وبدأت وسائل التواصل في الانتشار، فقد تغيّرت معادلات التأثير
والتأثر، وتيسّر الوصول إلى الشبهات بتكاليف أقل في تقدير الجهد والوقت والمال.
ثم ما لبثت هذه الثورة أن تنفجر انفجارًا ثانيًا
غير مسبوق كعادة الأفكار والمعلومات في هذه الحقبة الزمنيّة التي لا تشبه ولا
تقترب في معايير الشبه مع أي حقبة من حقب التاريخ الماضية، فهي تتسارع في حسبان
الاكتشافات كما تتسارع في حسبان النمو والولادات، بل أصبحت المعارف الإنسانية
تتضاعف في غضون سنوات قليلة لا تجاوز العشرات بعد أن كانت تضاعفها الأول بعد
القرون الطوال. ومع هذا الانفجار لم تصبح الشبهات في متناول كلّ أحد فحسب، بل أصبحت
تَطرق قبل أن تُطرق. فالشبهات مع هذه الثورة حتى وإن اُحترس من التعرّض لها فإنها تقتحم
الخصوصيات بلا موعدٍ ولا استئذان شئنا ذلك أم أبينا. وليس الأمر مقتصرٌ على سرعة
الانتشار وإنما يتعدى إلى نوعيّة هذه الشبهات، فبعد أن كانت تشكك الناس في بعض
تفاصيل العبادات والمعاملات، أضحت تتناول الوجود الأعظم بالتشكيك والإنكار، تعالى
الله سبحانه.
نعم
أمسى الإلحادُ يتمدد امتدادًا شرسًا في أوساط العامة وفي أوساط المراهقين منهم على
التحديد، وقد كانوا فيما مضى أبعد الناس عنه، وأمست الانحرافات أوسع انتشارًا من
ذي قبل وأسهل دعوةً، وليس فارق الحجّة بين الإيمان في علوّه والإلحاد في انحطاطه
بأضيق من الفارق بينهما في أي عصرٍ من العصور، فالإيمان في تقدير الحجج والبراهين
لم يضعف، وكذلك لم يقوَ الإلحاد في مقاييس الحجج على حساب الدين. ولكن زادت قوّته
في مقاييس التأثير والاستقطاب باستهدافه العامّة، ولمّا كان يستهدف العامة
وعموم المجتمع لم يحتج إلى الأدلّة والبراهين، لأن غالب المجتمع لا يُطيق أن يجلس
الساعات الطوال ليتوثّق من صحّة معلومة أو يقيس قوّة حجّة، وهذه طبيعة المجتمعات
في كل عصر، وهي في هذا العصر أشد تمكنًا لسرعة المعلومات وتسارع الزمان. وهذه
الطبيعة وإن كانت في كل زمن إلّا أنه لم يكن الوصول إلى أفراد المجتمع سهلًا كهذا
الزمن. وهذا ما يناسب الإلحاد. فهو لا يصبر على القعود للنقاش والجدل، وإنما يضرب
ضرباتٍ سريعة خاطفة تأتي على شكل "كاريكاتير" أو "صورة" أو
"نكتة" أو "تغريدة" لا تأخذ من عموم المجتمع سوى دقيقة في
المرور عليها، ثم تتراكم الصور والتغريدات المستبطنة للشبهات في العقل الباطن فتؤز
بالشكوك والحيرة والاضطراب حتّى تفضي إلى ما تُفضي إليه.
والإيمان هو الإيمان لم تضعف حجته في أروقة
العلم والجامعات ولا في مجالس الجدل والمناظرات، إلّا أنّه فقد السيطرة على الشارع
وعامة المجتمع. فما الحل؟
الحل:
هو التحول من الدفاع إلى الهجوم..
فطبيعة
هذا العصر السريع لا تقبل أن يجلس طلاب العلم لكل شبهة من الشبهات ليردوا عليها
بالردود العلميّة الثقيلة على مدارك العوام، ويستخدموا معها ضوابط البحث والمنهج
العلمي، وهي وإن كانت مجديةً في تقدير العقول والأفهام إلّا أنها في تقدير التأثير
ضئيلة الإجداء. فالإنسان البسيط الذي تتعرّض له الشبهات من عادته أنه لا يقف عليها
بالتحليل والتمحيص، فهو يمر عليها في ثوانٍ -وكذلك كل مطالعاته في الحياة- وهو يملُّ
من قراءة ردٍ في مقال مطوّل أو محاضرة ممتدة أو كتاب مبسوط. فالواجب إذن في مثل
هذه الحالة، هو المواجهة بذات الأداة وبذات السرعة، صورة بصورة، ورسمة برسمة.
وأهم
قالب من قوالب الردود هو السخرية، لأن السخرية خطاب للنفس لا للعقل، والمجتمع ليس
كلّه من النخبة فيُخاطب إذ ذاك بالمقدمات المنطقيّة أو الأساليب العقلية، بل إنّ
النخب هم أقلّ طبقات المجتمع في العدد، فالعوام يجدي معهم خطاب النفوس حيث لا تجدي
الخطابات العقلية التي تتطلب قدرًا من التخصص لم ولن تحققه المجتمعات.
وليس
أسلوب من أساليب إقناع النفوس في مواجهة الإلحاد أوقع ولا أشد تأثيرًا من السخرية
بالرموز والأفكار. لأنّ الإنسان بفطرته يأبى السخرية ويأنف من أن يواقع ما
يستدعيها عليه، فينفر إذ ذاك منها كل النفور. والمجتمع في عمومه لا يجيد التحقيق،
ولا إزالة زخارف الألفاظ ونزع قوالب الأفكار، فهو ينظر للأمور في ظواهرها
العاطفيّة، ولو قُدّر له أن يُرجّح بين حجّتين لاختار منها ما يصرف بها عن نفسه
دواعي السخرية والاستهزاء. وهذه هي الوسيلة التي تمكّن منها الإلحاد ونقدة الدين
منذ فولتير إلى ملحدي هذا الزمان، واستعانوا في ذلك بكل وسيلة من وسائل الإعلام،
من "الأعمال السينمائية المكلفة" إلى "الكاريكاتير" لأنّهم
متحررون من كل قيد من قيود الدين ومن كل ضابط من ضوابط الأخلاق، فلا يتوخّون
المحافظة على مشاعر المتدينين ولا يلتزمون باحترام مقدساتهم.
إذن هذا
هو الحلّ: وهو الخطاب المستعلي -في كل جوانبه- مع عدم إغفال آلة السخرية.
وهذه
هي الوسيلة: وهي كل وسائل التواصل السهلة السريعة، وأمّا السبيل فهو بخروج طلبة
العلم والعلماء من عزلة الكتاب والمحبرة والنزول إلى واقع الحياة وإلى وسائل
التواصل.
وقد كان
الرسول -صلى الله عليه وسلّم- يولي هذا الأمر أهميةً بالغة، لا تخفى في قصد التأثير
وكان قد حشد له وسائل ذلك الزمان، وكانت وسيلته الشعر. فاتخذ له شعراء يهجون
المشركين. وقد قال -صلى الله عليه وسلم- في هذه الوسيلة "اهجهم فوالذي نفسي بيده إنه لأشد
عليهم من وقع النبل"
فما
أحوجنا اليوم إلى كاتبٍ ساخر ورسّام هازئ لصد عوادي الإلحاد والانحرافات.

كيف نستخدم أسلوب السخرية من دون تفريط، من دون الوقوع في فخ الغرور ،الاستهزاء، الاحتقار أوالخوف من ابتلاء الله سبحانه وتعالى لنا ؟
ردحذف