التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جِنَايَةُ الْقَصَّاصِ


 

في كل عصرٍ من العصور وفي كل مصرٍ من الأمصار، يفرز التاريخ لنا بعضًا من الشخصيات الإنسانيّة المؤثرة، فيكون من طبيعة المتأثّرين أن ينقسموا في تقدير هذه الشخصيات انقسامًا كبيرًا، فترى أنّ لها أتباعًا ومشايعين يقدّرونها كل التقدير، وأنّ لها أعداءً وشانئين يسلبون منها كلّ تقدير. وتزيد حدّة هذا الانقسام وتنقص بقدر التأثير المتحصّل من هذه الشخصيات. وعلى كل حال فإنّ التاريخ يحفظ لها من كل هذه الاختلافات قدرًا من النبوغ والظهور. والواجب بعدُ على الناظر، أن يقيس هذه الاختلافات بمعايير العدل والموضوعيّة، فإن كان الاختلافُ واردًا في كل حال فليس ذلك يعني قبوله على كل حال.

ولئن كان هذا يصدق في حقّ النماذج المعتدلة في كل أحوالها والمحقّة من كل وجه، فإنّه لمن اليسير والقريب للفهم أن يحدث ذلك في حقّ الشخصيات التي من طبعها أن تثير الجدل، كالأديب العربي والمثقّف الموسوعي عبّاس محمود العقّاد.

والعقّاد بحق علمٌ من أعلام هذه الأمّة، الذين لم ينالوا حظهم من التقدير والدراسة بعد، وهو واحدٌ من كتّاب العربيّة المبرّزين في كل عصورها، وناقدٌ من نقّادها، وناظرٌ موسوعيٌّ في المعارف، لا يسعك أن تغفله في تعداد أرباب الفكر والنظر في القرن الماضي. هذا توصيفُ العقّاد وقدره، وهو لا يعني بحال أنه بمنأى عن نقود التقويم والتعديل، بل هي لازمةٌ له في كثير من نتاجه، وبوجهٍ خاص فيما كان يتعلّق ببعض الآراء الدينيّة. ولكن ليس هذا بمسوّغٍ لا قوي ولا ضعيف لأن تُسلب من الرجل كل فضيلة وأن يُقدح فيه من كل وجه، كما يفعل المتعصّبون عليه، ممن لا يتصفون بالحيدة والانصاف..

ونحنُ في هذا العصر (عصر الانهزام) نعاني من بلاء الاستطالة على الأعلام. والاستطالة على الأعلام تستتبع تبريزًا للأقزام. فإنه لمن اللوازم الطبيعية من إخلاء الساحة من النخب أن تعج وتضج بمن لا يستحق.

وفي هذا المقال أُريد أن أعرض لنموذجٍ من نماذج هذه الاستطالات. وهذا خبره:

* * *

وقعت عيني على سبيل المصادفة على عنوان مقالٍ لمحمد جلال القصّاص قرن فيه بين العقّاد وعزمي بشارة، فاستغربتُ من هذا الاقتران! فما كان منّي إلّا أن طلبتُ انقشاع الغرابة بقراءة المقال، فلمّا استعرضته وأتيتُ على آخره، رأيتني لم أزدد بالقراءة إلّا غرابةً.. ولم تنقشع هذه الغرابة إلّا بعد أن تذكرت ما كان من القصّاص قبل سنين من الجناية على العقّاد.. وكان القصّاص قد نشر مقالاتٍ يهاجم فيها العقّاد ويسلب منه إسلاميّته ثم سلب منه أدبه وعبقريّته، ورماه بتهمٍ جائرة، وإطلاقاتٍ فجّة، أرسل أكثرها إرسالًا، وأسند بعضها لأنيس منصور، وهو من لا يستند إليه القصّاص كل الاستناد، فعلامَ يطمئن للنقل منه ويبني على النقل أحكامًا واسعة!

وبنا الآن لنرى، بعض مآخذ القصّاص على العقّاد.

كتب القصّاص مقالًا عن العقّاد عنونه بـ "هل كان عباس العقّاد إسلاميًا"([1])

وأخذ في هذا المقال يطعن في "إسلاميّة" العقّاد من كل جهة، وهو في هذا المقال أخف حدةً من غيره، إذ أنّه في كثيرٍ من مقالاته يتهمه بالضلال والنفاق والعمالة. وهو لا يستند في ذلك إلى سندٍ ولا دليل، حتى إذا انتهى من الطعن والتمثيل، تذكّر أنّ العقّاد كان من المدافعين عن الإسلام، فأشكل ذلك عليه! فكيف إذًا يصنع بهذا النتاج الغزير في الرد على خصوم الإسلام من المستشرقين وغير المستشرقين!

ففكّر القصّاص وقدّر، وعفى الله عنه كيف قدّر! فما وجد سبيلًا في الطعن في هذا النتاج إلّا بأن يسافر عبر الزمن ويشقّ عن قلب العقّاد ويتهمه في طويّته ودخيلة نفسه! فأخذ يقلّب الأمور ويشوّه النيّات.

يقول في المقال:

"وحين كتب عبَّاس العقَّاد يدافع عن الدين في وجه المستشرقين، مثل كتاب (ما يقال عن الإسلام) و (حقائق الإسلام وأباطيل خصومه) كان ذلك استكتابًا من ضباط الثورة بعد أن اعتقلوا الإخوان المسلمين. كانت محاولةً منهم لسد الفراغ، فاستكتبوا العقَّاد واستجاب لهم، ولازال [هكذا]([2]) بعض ما كتب في هذه الفترة بتقديم الضابط محمد أنور السادات"

ثم قال: "وهذه النوعية من الكتابات (كتابين أو ثلاثة) اعتدل فيهما العقَّاد قليلًا ليناسب المقام!!"

أدع للقارئ هذه الاقتباسات بلا ردٍ، فهي لا يردُّ عليها بأكثر من عرضها، وليبحث عن حظِّ الموضوعيّة، فإذا أعياه البحث، فليبحث عن الأخلاق العلميّة، فهل يجد لها حظًا؟

ثمّ لمّا فرغ من الطعن، والكشف عن النيات وتشويهها، أزعجه أن يكون للعقّاد فضل خُلق يحثّه عليه الإسلام، فأخذ يُنكر ما كان يبدو عليه العقّاد من زهدٍ وتواضع، فقال:

"وانتفش لما ظهر عليه من فقرٍ وضيقٍ في العيش فقد كان يلتقي زواره ببجامة صوف لا تتغير صيفًا أو شتاءً؛ وفسر محبوه فقره بأنه زهد في الدنيا. وما كان زهدًا، فقد ترشح للانتخابات ودخل مجلس الأمة (البرلمان) مبكرًا في حكومة سعد زغلول، وكان قريبًا من زعيم حزب السعديين المنشق على الوفد، وقبل تعيينه في مجلس الشيوخ من قبل (الملك)، وشغل عددًا من المناصب"

ولا يخفى على القارئ، ما في هذا الحديث من فسادٍ في التصوّر والإدراك، إذ أنّه ينفي عن العقّاد الزهد بحجّة أنّه كان قد ترشّح للانتخابات، ودخل "البرلمان" ومجلس الشيوخ، والأمران منفكّان، وانفكاكه معروفٌ عند النظر اليسير. ولا أعلم هل يصحّ عند القصّاص أن يُقال بأنّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لم يكن زاهدًا في الحياة بحجّة أنّه كان يتقلّد أكبر منصبٍ سياسي في زمانه، أم لا! ثمّ لا أعلم هل يشترط في المفكّر الإسلامي أن يكون متجردًا عن كل منصبٍ!

أمورٌ كثيرةٌ غريبة، كنت أظنُّ أنّ القصّاص سيتداركها أو يعتذر عنها، ولكن يبدو أنّه مطمئنٌ لها كل الاطمئنان وأنّها مبلغ فهمه وإدراكه.

ثم بعد أن طعن في المظهر والاعتقاد، أخذ يطعن فيما يعدّه سلوكًا، يقول: "فلم يكن يصلي، ولا حتى الجمعة .. كان يعقد صالونه يوم الجمعة وقت الصلاة، ويحضره اليهود والنصارى"

وقد أسند هذا لأنيس منصور، وهو غير موثوق به، حتّى عند القصاص، وقد أنكر هذا المطعن بعضُ مريدي صالون العقّاد، وقد أقسم تلميذه د. عبداللطيف عبدالحليم "أبو همام" على زيف هذه التهمة الجائرة في لقاءٍ مرئيٍ مسجّل.([3]) فما الذي يبعث القصّاص على أن يستشهد بمن هو ضعيفٌ عنده، على اتّهام عظيمٍ كهذا! هذا ما لا أجد له جوابًا..

ثم أنهى القصّاص مطاعنه بقذفٍ في العرض، وليس له في ذلك بيّنةٌ إلّا الوهم والرواية المجروحة!

يقول: "ومع أنه كان يتطاول على المرأة ويظهر احتقارًا لها إلا أنه احب مي زيادة، وأحب (سارة)، وغيرها.. اجتاحه الأنوثة [هكذا]([4])ولم يتصالح معها على قنطرةٍ شرعية (الزواج) بل كابر فخلعت عنه وقار المروءة ومات وابنته في يوم واحد"

وهذه المقالة، أولها مردودٌ عليها بنتاج العقّاد نفسه، وبإنكاره الصريح لها في لقاءٍ متلفزٍ، وآخر المقالة، هو من قبيل الأوهام الساذجة، وهي تهمة قد تروج عند من يتعجّب من عزوف العقّاد عن الزواج، لأنّها قريبة المأخذ، وسهلة المورد عند ضعاف العقول الذين ينكرون كل ما يخالف العادة وإن لم يكن من قبيل الشذوذ.

وبذلك أنهى القصّاص مقاله وما أعظمه من إنهاء! ولا أعلمُ على التحقيق لماذا أسفّ هذا الإسفاف..

وبين يدي مقالٌ آخرُ له، لا يقل عن هذا سذاجةً، وهو مليءٌ بالتهويل، والتشنيع، وشيءٍ من الجمل التي لا تراها إلّا عند المسوّقين والصحفيين، فإذا سبرت غورها لم تجدها على شيء، وهذا المقال عنوانه "من هو عباس العقَّاد ؟  ترجمة أخرى"([5])

قال في مقدمته:

 "هذه الورقة تمثل الفصل الأول والثاني من كتاب (مناقشة هادئة لإسلاميات عباس العقاد)، طبع في عام 2009. وهذا إعادة نشر بعد تعديل الأسلوب وخفض حدته"

وقد وضعت للقارئ رابط المقالة، وليلاحظ أنّ ما فيها هو من هدوء القصّاص! كفى الله المسلمين اهتياجه، وأنّه يكتب بعد تخفيض الحدّة! كفى الله العباد حدّته!

فلنأتِ على بعض ما أورده، وليقسه القارئ على أكثر مقالات القصّاص، فإننا لو تتبعنا مقالاته لطال بنا المقام.

يقول القصّاص: "ويعلم العقَّاد أننا ننكر على المنجمين ادعائهم علم الغيب ، ولا نسمع لهم ، ومع ذلك يستحضر قولهم شاهداً على تحديد العام الذي ولد فيه المسيح ـ عليه السلام"([6])

يورد القصّاص هذه المقولة، ويقدم لها بقوله "يعلم العقّاد أننا ننكر على المنجمين ادعائهم على الغيب" ليُهيئ القارئ أو ليقرّب له فكرة أنّ العقّاد يُعارض هذا الأصل، فإذا تهيأ لها القارئ، استساغ بكل يسر ما بعدها من شُبه، ثم هو يورد هذه المقولة ليبني عليها قوله:

"وفي ذات الوقت ينكر ما نقله أهل السير من شواهد كونية على ميلاد خير البشرية محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويقول : ( قد ولد مع النبي صلى الله عليه وسلم كثيرون ، فلو جاز للمحب أن ينسبها للرسول صلى الله عليه وسلم جاز للمكابر أن ينسب تلك العلامات لغيره )"

فهل أنكر العقّاد هذا فعلًا؟

سأنقل النص الذي اقتبسه القصّاص من مصدره، ليقارنه القارئ بسياق نصّه، وإن كان واضحًا أنّ النصّ الذي اقتطعه القصّاص لا يفيد ما قرره من إنكار العقّاد للشواهد. لكنّي سأنقله على كل حال؛ ليستدلّ القارئ بذلك على ضعف قراءة القصّاص وفساد تحليله في أحسن الأحوال، وعلى تدليسه في أسوء الأحوال وأرجو ألا يكون هذا الأخير.

يقول عبّاس العقّاد في كتابه "عبقريّة محمّد"([7]) ﷺ:

"وقد ولد مع النبي عليه السلام أطفالٌ كثيرون في مشارق الأرض ومغاربها، فلو جاز للمصدق أن ينسبها إلى مولده جاز للمكابر أن ينسبها إلى مولد غيره"([8])

وإلى هنا يكاد يتفق النص مع نقل القصّاص، اللهم إلّا في الصياغة وبعض الإشارات التي كان ينبغي له أن يتوخّاها أو ألا يضع نقله بين علامات الاقتباس، أو أن يشير إلى التصرّف على الأقل.

وعلى أي صيغة كان هذا النقل، فإنّه ليس بذي بالٍ إذا ما قورن بما أخلّ بالأمانة كل الإخلال. انظر الآن للجملة التي تتصل بالجملة السابقة، والتي أغفلها القصّاص لتوافق هواه!

يكمل العقّاد: "ولم تفصل الحوادث بالحق بين المصدقين والمكابرين إلا بعد عشرات السنين.. يوم تأتي الدعوة بالآيات والبراهين غنيةً عن شهادة الشاهدين وإنكار المنكرين. أمّا العلاقة([9]) التي لا التباس فيها ولا سبيل إلى إنكارها، فهي علامة الكون وعلامة التاريخ.. قالت حوادث الكون: لقد كانت الدنيا في حاجة إلى رسالة.. وقالت حقائق التاريخ: لقد كان محمّد [ﷺ] هو صاحب تلك الرسالة.. ولا كلمة لقائل بعد علامة الكون وعلامة التاريخ "

فهل رأيت كيف كان إغفال هذه التكملة مفسدًا لتصوّر الأمر وفهم الكلام! فالقصّاص يقول إنّ العقاد أنكر نقل أهل السير، ثم جعل القارئ يظنّ أن العقّاد يساوي بين استشهاد المصدقين بالعلامات الذين ينسبونها إلى النبي ﷺ بعد بعثته، وبين استشهاد المنكرين الذين ينسبونها إلى غيره، إنكارًا منه لهذه العلامات، هكذا على الإطلاق وكأنّ هذا رأيه. في حين أنّ العقّاد كان يتحدّث في النصّ المقتطَع عن العلامات قبل أن تكون البعثة، أي قبل أن يتحتّم على المكابر أن يُقر.

وأحسب أنّ هذا المثال يكفي في التدليل على أنّ القصّاص وإن سلم من قصد التدليس فإنّه لا يسلم من ضعف القراءة والتحليل. والعجيب أنّ القصّاص يبني على التصوّر السابق نتيجةً تقدح في العقّاد، وهي أقرب له من العقّاد. يقول بعد الاقتباس السابق: "وهذا عوج في التفكير ـ وهو عند العقاد في كل ما قدمه من أفكار ـ وضرب من ضروب ( الفزلكة ) في الحديث ، تجعل كل منصفٍ يقول أن العقَّاد مائل كل الميل ، لا يبغي غير المخالفة ، ولا يمتلك غير البيان يحسب أنه يكفي لتقبيح الحسن وتحسين القبيح ، أما نزاهة البحث ، وأما التحليل العلمي المنطقي فبعيد منه كل البعد ." انتهى كلامه، وما أخلقه في هذا الموضع بهذه الأوصاف.

وبعد أن نفى القصاص عن العقّاد كل فضيلةٍ يصح أن تسلك في الفضائل الإسلاميّة والإنسانيّة، أبى إلّا أن يتعقّبه في أدبه وشعره فقال: "واجتمع الشعراء على تنصيب أحمد شوقي أميرًا عليهم، وخالف العقّاد السائد، وراح ينصّب نفسه أميرًا للشعر واغتر بمبايعة طه حسين، وكلاهما ليس من الشعراء!!" وقد أنهى هذه الفقرة بعلامتي التعجب هاتين، ونحنُ أخلق بالتعجّب منه، ولا أدري كيف سوّغ لنفسه هذا الحكم النقدي، وهو أبعدُ الناس عن هذا الشأن! ولا أحسب أنّه علّل لنفسه ذلك إلّا كما يعلّل السياسي لنفسه قياس التاريخ كلّه بمنظار السياسة.

* * *

وعلى هذا النمط من التحليلات، تمضي مقالات القصّاص في تناول العقّاد، ويجد القارئ فيها لغةً فيها من الاحتراق والحنق الشيء الكثير، ولم أكن أعلمُ بادئ الأمر سبب هذا الحنق.. لكنّي مع قراءةٍ يسيرة في بعض نتاج القصّاص، علمت أنّ الرجل حادُ الطبع، وصادقٌ في حُرقته أو هكذا أحسبهُ، لكنه لا يسلم من مسحةٍ من مسحات البساطة المُشكلة، كما أنّه يفتقر إلى التحقيق افتقارًا كبيرًا، وهو يجزم كثيرًا ويقطع بما يبنيه على تصورات مفتقرة إلى التحقيق، وإن كنتُ لا أحسب أنّه فاسد النيّة بإطلاق، إلّا أنّه يطوي كشحه على اضطغانٍ شنيع. وبعدُ فالرجلُ يُحسن الاحتيال على ما يريد أن يبني ويقول، وأحسب أنّه إنما تأتى له ذلك لاشتغاله بشؤون السياسة. ومهما يكن من أمر الرجل، فإنني في هذا المقال عرضتُ لنموذج من نماذج الاستطالة، ولستُ أقول ذلك لأردّ على القصّاص، أو أن أدفع عن العقّاد، ولكن لأصحح القراءة، وأشير لما ينبغي ألا يكون منّا تجاه أعلام الأمّة في كل فن. وأمّا هذه اللغة المجازفة والمتهجّمة فنحن في كل زمانٍ زاهدون بها. وفي هذا الزمان نحن بها أزهدُ ما نكون.. والحق أنّ الرجل بذل جهدًا ووقتًا وكان أنفع له ولنا، لو أنّه تناول نتاج العقّاد بالضبط والتحرير، أو لو تناول شخصه بعدل وهدوء..



([2]) الفعل الماضي إذا أتى بعد "لا" أفاد معنى الدعاء، وهذا ما لم يقصده القصاص، وإلا لم يكن لكلامه معنى.

([3]) انظر: https://youtu.be/JVaLyuNDjPU

 

([4]) يريد: اجتاحته.

([7]) موسوعة أعمال عبّاس محمود العقّاد، الكتاب الأوّل من المجلّد الأول، دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، ط3.

([8]) المصدر السابق [1/25]

([9]) هكذا جاءت في الطبعة، وأحسبها "العلامة". 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...