التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحليل بيان رابطة العالم الإسلامي



كنتُ بالأمس أجيل إصبعي بين تغريدات "تويتر" الذي يعيش الآن حالةً صاخبة من الإدانات الشعبيّة والتي قد وصلت إلى مستوًى عالٍ من الحريّة لم يكن متوقعًا إزاء القضيّة الفلسطينية، وقد عبرت فيها الشعوب بأفصح العبارات وأصرح البيانات عن غضبها على الكيان الصهيوني المحتل، وكان من أمر هذه التضامنات الشعبيّة أن أفشلت في أيامٍ معدودة حملات الصهاينة الغاصبين في تشويه القضيّة الإسلاميّة العربيّة العادلة بدق إسفين الشقاق والنفاق بين أطياف الأمّة، فأتت هذه الأحداث مخيبةً لآمالهم، وباعثةً على الوحدة، ومحييةً لذكريات الظلم والطغيان، وهذا من لطف الله وعجائب أقداره..
لكن بينما أنا كذلك في هذا التطواف بين التغريدات، إذ شممتُ رائحةً عفنةً تفوح بين الأريج الطاهر فتكاد تخلطه وتمزجه، وأنا رجلٌ شديد الإحساس بما يعرض للكلمات والجمل من تغيرات وتبدلات، فما كان منّي في حالة التعجّب والاستغراب إلّا أن تتبعت مصدرها فإذا بي أمام بيان لرابطة العالم الإسلامي، ظاهره وعنوانه إدانةٌ للأحداث، فتعجّبت من أمري! هل خانتني حاسّتي؟؟
 ولولا أنني أعلم أن فايروس كورونا يذهب بالحاسة كليًا ولا يكون من أمره أن يلبّس على جهاز الإحساس، لذهبتُ من فوري إلى الفحص، لكن سبق علمي ذلك فأحببتُ أن أتأكّد من حواسي فأخذت أقرأ البيان! وما أن أنهيته حتى أشفقت واغتبطت!!
أمّا الأشفاق فهو على حالٍ أمةٍ هذا لسانها، وأمّا الاغتباط فعلى صدق حواسي والحمدلله من قبل ومن بعد، وسأعرض لكم هذا الإدانة أو ما تسمّيه هي إدانة، ولتختبروا بها حواسكم..
ثمّ سأعرض لها بالتحليل مقسمًا إيّاه إلى فقرات كما قسموا..

هذا نصُّ البيان:



 
الفقرة الأولى: الإدانة

استخدم كاتبُ البيان في استهلاله الفعلَ الماضي: "أدانت" والفعل الماضي إن لم يتصل بالقرائن المؤكدة فهو يستخدم في اللهجات اللينة الهينة، وكان أحرى بالبيان أن يعبّر بالفعل المضارع وأن يدخل عليه المؤكدات تأكيدًا على هذه الإدانة، كأن يقول: "إن رابطة العالم الإسلامي تدين" فالفعل المضارع يفيد الاستمرار والثبوت وتصوير الإدانة في الأذهان، ولقد يكون منّا في صيغة الفعل الماضي "أدانت" هذه شيءٌ من التجوّز لو أنّ مفعوله واضحٌ تمام الوضوح؟ لكن ماذا كان المفعول؟ كنت أنتظر أن تكون الإدانة موجهة للاحتلال الصهيوني، فإذا بي أرى الصياغة تغمغم وتجمجم وتتلفت وتتلعثم وتنكّس النظر وتُقمح! ثمّ تنبطح كل الانبطاح في عين الحر المبين. تقول الرابطة إنها أدانت "الإجراءات المجازفة بشأن إخلاء منازل فلسطينية بالقدس" فماذا يعني هذا في حكم البلاغة وعلوم المعاني؟  
يعني هذا أنها قصرت الإدانة على الاجراءات ولم توجهه إلى الإخلاء، بل إنها قصرته على الإجراءات المجازفة من مجموع الاجراءات والسبل الصهيونية! ثم ماذا؟ ثمّ قالت: "بشأن إخلاء منازل فلسطينية" وهي تحسب بذلك أنها قد أحسنت التمويه على قضيّة التهجير القسري من حي الشيخ جرّاح الذي كان في الأيام الماضية أشهر أحياء العالم! فهل غاب اسمه عنها؟
 ندع التعليق فغيره أحقّر وليس هذا آخر الطوام في هذا الخطاب، فقد عطف البيان على الجملة السابقة جملةً عجيبةً غريبة، تنظر إليها وهي تائهة فاغرة؛ فتشعر أنها مصابة بداءٍ من أدواء العته والبلاهة، وهذا على إحسان الظن بها، فماذا عطفت وماذا قالت؟ قالت إنها أدانت "فرض السيادة عليها بمنطق القوّة"!! والضمير في "عليها" عائدٌ على المنازل فقط، لا على كل الأراضي المحتلة، ثم انظر لكلمة "فرض السيادة" فهي تلبّس عليك الواقع والحادث، في حين أنّ ما يحدث هو أظلم أساليب الاغتصاب والسرقة والتهجير، ثم إنها لا تدين فرض السيادة يا سادة بل هي تدين ما كان منها بمنطق القوّة فقط، أمّا ما كان يحدث بغير منطق القوّة فالله أعلم بموقفهم منه، فليس أمامي إلّا هذه الجمل المتعفنة التي تصدُّ عن هذا المعنى وتغضي.
 
الفقرة الثانية: التأكيد

قالت فيها الرابطة: "وأكدت الرابطة على أن مثل هذه المخاطرة تزيد من تعقيد فرص تحقيق السلام العادل والشامل للقضية الفلسطينية"
وهذه الفقرة تمثل مرحلة ما بعد الجمجمة، فالجمل فيها جاءت مستقرةً شيئًا ما، على أنّه ما من شيء فيها يستحق التأكيد، فالفاعل ما زال مستترًا، ولا شيء في الفقرة أوضح من كلمة السلام! فكل العوامل أتت من أجلها..
 
الفقرة الثالثة: الإشارة

وجاءت هذه الفقرة أطول فقرات البيان، لأن فيها تعديد للألقاب والمناصب قبل ذكر الإشارة، فهي جاءت من "أمينها" "معالي" "رئيس هيئة علماء المسلمين" "الشيخ" "الدكتور" ولستُ أعلم ما فائدة ذكر الأسماء في البيان، لكن ربما في الأمر فوائدٌ وأنت لا تدري.
ثم ماذا كانت؟ كانت تشير بكل وديّة إلى أنّ "الإجراءات الآحادية" لن تخدم المسار السلمي لحل القضيّة، والذي بزعمها هو ما ينبغي أن يكون الخيار الوحيد! والأمرُّ من ذلك أنّ المسار السلمي عندها هو الحل العادل! ولا أدري في أي قانون يكون حق الرد والمقاومة ليس عادلًا! ولستُ أعلم لماذا هذا الإصرار على استخدام كلمة "إجراءات" في حين أنّ الأمر في الواقع المعاين لا يمثل إلّا تماديًا في الانتهاكات الصارخة لقرارات مجلس الأمن، وتعديًا جائرًا على "حقوق الإنسان" في كل عرفٍ وتشريع!
 
الفقرة الرابعة: المتابعة.

    أما الفقرة الرابعة وهي الأخيرة فجاءت متممة للخواء، ومتسقة تمام الاتساق مع لهجته المتقدمة، فجاءت تدين كل المجازفات. لكن أي مجازفات؟ هل يقصد السرقة والاحتلال؟ لا نعلم من أمر هذه المجازفات إلّا ما أتى البيان بتوصيفه، فقيّد المجازفات بأنها "التي تستخدم فرض الإرادة بالقوّة" ثم عبّر البيان عن رفضه هذه المجازفات "التي تستخدم فرض الإرادة بالقوّة" "بوصفه رهانًا مرفوضًا بشدّة"
لكن لماذا هو مرفوض بشدّة؟
يجيب البيان فيقول: "باعتباره مقوضًا لجهود السلام"
وخُتم البيان بكلمة "السلام" وقد تكررت في تضاعيفه ثلاث مرّات..

***

هكذا كانت هذه الإدانة من رابطة العالم الإسلامي، والأعجب من ذلك كله أنك لن تجد الفاعلين في هذا الخطاب، ففي الحين الذي كنّا ننتظر منه التصريح بجرائم الكيان الصهيوني المحتل، أتى هذا البيان خاليًا حتّى من ذكر كلمة "إسرائيل" فلم يعيّن من هذا الذي يقوم "بالإجراءات المجازفة" ولو على سبيل التعريض، بل إنك لا تستطيع أن تعرف منه متى حدثت هذه "الإجراءات المجازفة" فهو خطاب عائمٌ لا يتوجّه إلى موقفٍ بعينه.
والخطابات التي تدين بلا تعيين مُدانٍ ولا توقيت، هي خطابات جبانة لا تفرح صديقًا ولا تغيظ عدوًا، ولست أحسب أنّه لو أسندت كتابته للعدو كان سيكتب بيانًا خيرًا له من هذا..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...