التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لَيْلَةُ «أَسِيرِ الشَّوْقِ»..

  

أُقيمت البارحة ليلةٌ من ليالي الفنّ -وما أكثر لياليه هذه الأيّامسُميت  ليلة "أسير الشوق" احتفاءً بصاحب هذا اللقب الفنّي.. وما إنسمعت هذه الاسم حتّى عادت بي الذاكرة إلى أيامٍ من أيّام العمر كنتُ فيها بين الرابعة عشر من عمري والخامسة عشر حينَ كنتُأتحفّظ قصائد "أسير الشوق" الأمير نواف بن فيصل بن فهد، والذي كان وقتها رئيسًا عامًا للرئاسة العامة لرعاية الشباب، قبل أن تصيرهذه الرئاسة هيئةً عامّة للرياضة ثمّ وزارةً فيما بعد.. وكنتُ أعنى من قصائده أشدّ ما أعنى بقصيدته الشهيرة المغنّاة: "اسمحي لييالغرام" التي يقول في حديثٍ له إنّه أنشأها ولمّا يتجاوز الخامسة عشر.. وكنتُ أُعجب بهذه القصيدة أيّما إعجاب وأرددها ما شاء الله ليأن أردد، وأقفُ عند كلِّ بيتٍ من أبياتها وألوكه حتّى يغريني غيره فأنتقل إليه، وأقف على بعضها فضلَ وقوفٍ متمثّلًا! وأقف عند بعضها ناقدًا.. وكنتُ أحدّثُ نفسي وقتها وأقول ليتَ لي من القدرة والسطوة والصفاقة ما كان للفرزدق إذ يغتصب بها شعور الشعراء وأشعارهم!فأنسبُ القصيدة لي، فلا تعود لشاعرها إطلاقًا ولا يُذكرُ غناؤها، ولا تُقرن إلّا بي.. وهي قصيدةٌ عالية، بلغ بها العلو أن شكك الناس في نسبتها إلى الأمير لصغر سنّه، وثار حولها جدلٌ طويل في نسبتها، ولئن كان هذا التشكيك مُحدِثًا شيئًا من الألم في نفس الأمير فإنّه -بلا شكّ- ألمٌ متلفّع بالرضى والقبول! وهو -بلا شكّ- تشكيك يبعثه الإجلال والإكبار من النقّاد. 

وحسبُ الأمير الصغير حينها من الفخر بقصيدته أنّ يكُبر النقّاد صدورها ممن لم يشب عن الطوق!

 

وأنا أنقل لكم هذه القصيدة العالية التي كتبها الأمير، معقبًا عليها بلمحةٍ عارضة هي بعضُ ما جادت به الذكريات:

 

اسمحي لي يالغرام العذب يالوجه السموح

                               إن لزمت الصمت أو حتى لبست الأقنعه

أعترف لك ما بقى من عالي الهمه سفوح

                                     انحدر كلي مثل طفل تحدّر مدمعه

من يبي بالله! يفتح لي غلق صدره وأبوح؟

                                  ضاقت الدنيا بشاعر طيب قلبه ضيعه

ما قبلنا الحظ قولي وين أبارحل؟ وين أروح!!

                                   الصبر ياهو يعذّب والأماني موجعه

آه!! يا جود الحزن وياي و بالفرحه شحوح

                                  ضايع بهمومي الغبرا بوسط المعمعه

أشتكي لوسادتي دنياي وأسمعها تنوح

                          كنها بعضي وبعضي وين هو؟ من هو معه!

إيه أنا والعالم المغرور والياس اللحوح

                            خايضٍ حرب الرياح اللي تسوق الاشرعه

مختلط في عبرتيحبر الشقى، ودم الجروح

             ومستوي في نظرتي: غرب الوجود، ومطلعه

عودي المبري بقى به من عطايا الوقت روح

                            وفصل خامس حايرٍ بين الفصول الأربعه

راس مالي ذكريات وحلم وآمال و طموح

                                 لا صديق ولا رفيق ولا طريقٍ أتبعه

نوب أسافر في سديد الراي ونوبٍ في جنوح

                     مختفي صوت الحقيقه، كيفويش لون أسمعه؟

سامحيني دام عذري واضح كل الوضوح

                               واسمحي لي بالرحيل بلا تذاكر وامتعه

 

وقد استفزّني عمرُ الشاعر فيمن استفزّ على أنّ آخذ على القصيدة بعض المآخذ.  

فكنتُ وأنا ابن ذلك السن آخذ عليه قوله: 

 

آه يا جود الحزن وياي و بالفرحه شحوح

                                  ضايعٍ بهمومي الغبرا بوسط المعمعه

 

إذ أراه قد بالغ في الطمع بأن يجود الحزن عليه بالفرح، فكيف يجود الشيء بضدّه، وإن لم يجُد فهذا هو الطبيعي في الأمور فلا يُلام الحزن على ذلك.. وأقول: لو جعل الزمن هو الذي يجود عليه بالحزن؟! 

كي يستقيم له أن يلومه بقوله "وبالفرحة شحوح"؟ 

 

وكنتُ آخذُ عليه الشطر الأوّل من البيت الذي يقول فيه: 

راس مالي ذكريات وحلم وآمال و طموح

                                 لا صديق ولا رفيق ولا طريقٍ أتبعه

 

فأقول قد أكثر من راس مالهِ في حين كان المقام يقتضي التقليل، ثمّ لماذا يكرّر! أليست الأحلام هي الآمال وهي الطموح! 

 

أمّا الآن في امتثالي هذا، فلستُ أرى ما كنتُ أراه قبلُ.. بل أجد للشاعر فسحةً وعذرًا في التكثير من رأس المال، فهو عندي مازال -وهو يُنشد البيت- فقيرًا من كل شيء إلّا من الخيالات! فهل يُلام الفقراء على استكثار ما يجدون؟ اللهمّ لا.. ثمّ إنّي لمّا جرّبتُ تطاير الأحلام من يد الشابّ المُقبل عليها، وجدتُ أنّها تستحقُّ أن نكرمها بالحُرقة وأقلّ هذه الحرقة أن يُلَحَّ في تكرارها كما صنع الشاعر. 

 

وقد استجدّ لي في أبياتِ القصيدة نظرٌ ومآخذ كما استجدَّ لي من تعليل الجمال وتخريج الجلال فيها شيءٌ كثير لا تسعه هذه السطور العجِلة.. فلله درّ أسير الشوق! 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...