وهكذا
اتفقا على الميعاد المنتظر، على ألّا يتحادثا قبل هذه المهلة كراهةَ أن يكون
للعواطف تأثيرٌ في البقاء المحتمل، وعلى ألا يفترقا حتى يخفت بينهما كل شعور.
كان
ذلك في وِصال باردٍ بعد هجرٍ دام شهورًا طوالًا، وهو هجرٌ لم يعهدا مثله، ولم يكن له
سببٌ مُعلن، ولا يجوز لمن يطّلع على أمرهما أن ينحي على أحدهما بكل الملام. فهو
فراقٌ يكفله طول المقام على الشكوك التي هي مع كثرة التقصير كالنار يغذّيها الهشيم.
فقد
كانت تظنّه مال إلى غيرها، وهذا لا يُستبعد منه في تقديرها، فاذا اجتمع إلى ذلك
ضعف الأمان الذي تطلبه كل أنثى من كل ذكر، فهو كفيلٌ بأن يكون الشك أقل القليل في
أمره وأمرها، وكانت تسأله أن يعدها البقاء، فيُجيب بأنّه يخشى إذا حُمّت الأقدار
أن يكون وقع الفراق عليها كبيرًا. وهذا أمرٌ إن كان ينمُّ عن صدق العاطفة والوفاء
إلّا أنه لا يكفل لها الاطمئنان، وكانت قد سألته ذات ليلة: هل يمكن أن يجتمع في
قلب الرجل حبّان؟ فلم تعجبها إجابتُه إذ كيّفها على غير الخيانة. فظنّت أنّه قادرٌ
على تعليل الضمير إن حدث منه شيءٌ من ذلك، فضعف اطمئنانها لما كانت تستريح إليه من
صدقه وعطفه.
فلمّا أحسّت بشيءٍ من الفتور؛ أرادت أن تختبره
بالإهمال لترى هل يُقبل عليها بالعتاب ويستدرّها العطف والحنان بلهفةٍ كاللهفة
التي كان يُقبل بها في أوّل عهدهما بالحب؟، وكانت تعجبها هذه اللهفة ويعجبها هذا
التعلّق وكان لها في هذا التعلّق بعض ما يُشعرها بالأمان إن غاب أمان الوعود..
أمّا
هوَ فقد رأى منها إهمالًا على غير المعهود، مردوفًا بقسوةٍ لا يعرفها من قلبها
الحنون. وكان يصلها فتتمنّع على ما قررته من الاختبار. فطال بهما هذا الحال وكثر
بينهما السخط على توافه الأمور وتبادلا الجفاء، وكثر العتاب، فاستحالت حياتهما إلى
كدرٍ وشقاء.
وظنّ
هو الآخر أنها ملّته أو مالت إلى غيره، فتمثّل في حقّها قول الشاعر:
إذا
الخلُّ لم يهجرك إلّا ملالةً
فليس
له إلى الفراقَ عتابُ
وأمضى
عزمه على الفراق على كرهٍ ومضض، وقطع بينهما كل فجٍ، ليستوثق من شأنها، فإن طلبته
على انقطاع السبل فهي على عهده، وإلّا فلا خير في ذلك من الفراق..
وطال
بينهما الهجر، وعلمت هي نتيجة الامتحان، فلم تطلبه وصممت على الفراق. وقاست فيه من
اللواعج ما ليس له حسبان عند الحاسبين، وضاقت بها الدنيا واسودّت في عينيها. وليس
لها إليه سبيل، وإن كان ثمّة فهي لا تريده لأنّها تريد أن يكون الإقدام منه. وهكذا
حكم القضاء على حبهما الطاهر بالموت أو بالاحتضار على أهون الأحوال..
ثم
مضت الأيام والشهور فسلته كل السلوان وفتحت قلبها لحبٍ جديدٍ ينسيها مرارة القديم.
وصاحبها إذ ذاك لا يزال يقاسي تباريح الهجر ويطلب أن تأتيه من السماء إذ سدّ عليها
طُرق الأرض! فلما تمطّى ليلُ الخيبات ولجّ
به داعي الشكوك، قرر أن يعود إليها، ليكون من أمرها ما يكون فهو على كل حال أهون
من أدنى وصبٍ من أوصاب البين والفراق.. وعلى خيبة أمله من إقبالها، إلّا أن آماله
فزعت به إلى حفاوةٍ منتظرةٍ في استقبالها إن هو عاد. وكما كذبت عليه الآمال في
الإقبال؛ كرّت عليه بالكذب في الاستقبال، ولم يرَ منها غير الإعراض الجافي
والإغلاظ القاسي، فهالهُ ما رأى، ونأى بنفسه عن المهانة، وقدّرت له آماله الكاذبة
أيامًا يصرمها فيها، لتعود للاعتذار، فلم تعتذر.. وهكذا تعلّق بكاذب الآمال في كل
شيء، وظلَّ يقدّر الأمور على غير ما يقتضيه الواقع، ونكص عقله بقدر تعلّقه وحبه،
فظل يحمل كلامها على وجوهٍ لا تحتملها لغةٌ من اللغات إلّا لغة الخائب المفجوع في
حبّه..! فدخل في صراعٍ بين العقل والهوى، يعقله الأول عن الإسفاف ويحمله الثاني
حملًا على الردى. وصمم العزم على أن يطلب إليها الراحة على ظن الأول:
أَماوِيَّ،
هَل لي عِندَكُم مِن مُعَرَّسِ؟
أَمِ
الصَرمَ تَختارينَ بِالوَصلِ نَيأَسِ!
أَبيني
لَنا، إنَّ الصَريمَةَ راحَةٌ
مِنَ
الشَكِّ ذي المَخلوجَةِ المُتَلَبِّسِ
وليس
في كلا الأمرين عند المحبين راحة، فإن وصلته فهو وصال متكلّف لا يُعتمد عليه ولا
يُستراح به، وإن فارقته فأنّى له الارتياح!
وبعد
إلحاحٍ في الطلب، سألته "مهلة اليومين" لتنظر في شأنها وشأنه، ولما
انتهت المهلة وحان الميعاد المنتظر، تركت له رسالةً تقول فيها بنبرةٍ متهدّجة
صادقة بعد أن أبانت له عمّا استجدّ من أمرها: سامحني سامحني! لقد حاولت أن أعود
لكنّي لم أستطع، سامحني والسلام. ولم تنتظر منه ردًا، بل سدّت قبل أن تقرأ ردَّه
مسالكَ الأرضين ودروب السماوات، وضربت بينهما بسورٍ ليس له باب، وليس لباطنه وظاهره إلّا النقمة والعذاب..
قرأ
رسالتها وهو لا يدري أيأسى على التمنّع أم على ما بان من أمرها؟ فكتب لها رسالةً
ولمّا لم تجبه أردفها برسالتين يقول فيها:
((
الرسالة
الأولى:
"قد
استعجلتِ والله بنقض الوعود، ولو تركتِ الأمر إلي لانتهيتُ إلى ذات النتيجة من غير
أن تبوئي بإثم الخيانة! فإني لمّا كنتُ أنتظر منك الردَّ في "الميعاد المنتظر"
راجعتُ نفسي فإذا بي أحدّثها وأقرّعها: مالك يا رجل إنّ الفتاة كارهةٌ مُبغضة
كأشدّ ما يكون عليه الكره والبغض، إنّها قد جعلت منك عدوًا تتقزّزُ من اسمه
وتُشيحُ عن رسمه.. نعم يا رجل إن الفتاة قد لمّحت لك قبل الفراق، وكتبت رسالة
الفراق قبل حينه، فهل سألت نفسك عن هذا؟؟ هل يكتب المحبُّ في غمرات الحب رسالة
فراق؟ لا!! اللهم إلّا أن يكون قد كرهك ملالةً أو يكون التفت لغيرك وهذا أغلب
الظن.. قلت لنفسي قد وعدتها بكل أمان وطلبت منها أن تقرر كيف يكون الأمان، لكنها
رفضت رفضًا غريبًا على عادتها."
قلتُ
كل ذلك لنفسي
ثمّ لما أقنعتُ نفسي باستحكام الكره منك، كدتُ
أن أقطع مهلة اليومين -التي طلبتِها لاتخاذ القرار- لأقول: أنتِ كارهة فارحلي من
غير تفكير ولا قرار.. لكنّي انتظرت لأقيم عليك الحجّة، وأستوثق من الظنون.. ثم
قرأت رسالتك بعد اليومين وكتبت إليكِ، لكن يبدو أنّكِ أقمتِ الحوائل دون قراءتها،
وهذا أمرٌ قبيحٌ بك فعله، وأنتِ كنتِ أكبر عندي من هذا الصنيع، لكنّي ما زلتُ أقول
لنفسي: قد رأت منك عيوبًا لا تُستر أو أحبت بعدك فأرادت أن تمحوك من الوجود، فليس
لك عليها من سبيل..
الرسالة
الثانية:
أكتب
اليوم بعد أيامٍ من الفراق الأخير، هي على قلب الصب المستهام سنينٌ من الأسقام..
أكتب اليوم ولم أقدّر أن أكتب مثل هذه الرسالة في يوم.. وأصدقك القول إذا قلتُ
إنّي لم أُعد لمثل هذا اليوم رسالةً، وأصدقك حين أقول: إن القلم ليجوز الآن على
السطور البالية بلا تقدير ولا حسبان، إنما هو الاسترسال على غير حساب، وليس لهذا
القلم غير الأسى باعثًا ولا غير الخيبة مِدادًا.. لم أكن أتوقع أن تنتهي هذه
العلاقة الطاهرة بمثل هذه النهاية السافرة، بل لم أقدّر في يوم أن تنتهي علاقة
-بالغ ما بلغت من السوء- بهذا الختام الممض.. إنه فراقٌ بلا توقيتٍ ولا ميعاد،
وختامٌ بلا توديعٍ ولا عناق، وكفى بهذين المحددين دلالةً على سوء ما انتهينا إليه.
ولم
يكن هذا هو غاية ما كان في الختام من سوء، فقد كنتُ قبله موعودًا برجعةٍ إن لم
تُسلك في رجعات الأحباب (وأنّى لها!) فهي رجعةٌ تطيّب الخاطر وتُرجئ الفراق إلى
ميقاتٍ معلوم نستجمع فيه قوانا ونُعدُّ له عدّته من القول والفعل وغيرهما من هيئات
الاستعداد.
قد
نبذتي العهد والله!! وكان حريٌّ بك إذ نبذتي أن تنبذي على سواء.. لكن كل ذلك لم
يكن.. وما كان منّي سابق نقضٍ ولا خيانة، ولا أي فعلٍ ولا قولٍ -على التصريح كان
أو على التلميح- يستوجب هذا منك..
ثم
مضت أيّام ووقعت عيني على رسالةٍ لك بعد شهرٍ من أول الفراق قبل المهلة تقولين
فيها "لن أعود أبدًا" فلم آخذها على محمل الجد، لعميق ما بيننا من ودٍّ ووئام، وإنّي لمّا حظرتك([1]) كان
ذلك على سبيل الإدلال فقد كنتُ أريد أن أرى فيك الاهتمام الذي تغالبين به كبرياءك وأطمئن
به على حرارة ودادك، كما كان منك في أيام الحب الأولى، كنتُ أريدُ أي جهدٍ واجتهاد
يطمئنني باستيثاق المحبّة واستحكامها.. لكن لم يكن من هذا شيء وطال الحظر.. ثمّ
بعد أن أتيتك قلتِ لي أنّك لم تكوني لتأتين ولو طال ذلك إلى الوفاة! فزاد ذلك عليّ
وفقدت الثقة في الحب والحبيب، وهي ثقةٌ إن ذهبت لا تعود، إلّا كما تعود الورقة إلى
غصنها بعد السقوط!!
على
كل حال، قد كان ما كان، ولا أحسب أن إصلاح الفساد أمرٌ بالإمكان، فإن كانت هذه
الرسالة ستصل وستُقرأ، فلستُ أطلب منها أكثر من أن تنقل هذا الشعور الذي لا يُنطق
ولا يُطاق، ثم الوداع والسلّام..
))
كتب
صاحبها هذه الرسائل وذيّلها بالإمضاء والتاريخ، لتذروها رياح البين، فلا هو يحقق
وصولها، ولا هي تعلم من أمر الرسائل شيئًا..
ردحذفكنتُ أقرأ مقالك القصصي هذا بغصّةٍ وتحرّق في قلبي لما استقرأته من وراء الكلمات، ثم تأملّتُ حال الكاتب وزادت حُرقتي عليه، وتخيلتُ اعتصار قلبه في "اليومين" اللعينين، وقد قلتُ في نفسي -لأُصدقك القول-: "الحمدلله الذي عافاني مما ابتلاه به"؛ فليس منّا من يتمنى وجع الجفاء والفراق من بعد المحبةِ والصفاء، فأطلتُ التأمل حتى ملّني، وقد أشغلتُ نفسي بشيءٍ آخر، ثم أتتني "الصاعقة": خبر خِطبته على من قضاها الله لهُ، وابتلاني بحبّهِ، فهلّا بشيءٍ غيره ابتلانيا! لكن هذه الحياة وهذه تقاسيم الصمد، والحمدلله رب العالمين.
ولا أنا أعلم سبب تعليقي هذا والله!
لسان حال صاحب الرسالة المتخيّل:
حذفمالنا كلنا جوٍ يارسول؟؟
أنا أهوى وقلبك المتبول!