وقد
اطّرد هذا الأمر في كل شؤون الاجتماع والاقتصاد اطراده في شؤون الفنون والآداب،
فصار معيار الحقّ في كل تشريع وقانون هو ضمان حريّة الفرد، وصارت تهمة المساس
بحريّة الفرد هي أخطر ما يهدد إسقاط أي مبدأ ومشروع.. وكذا الأمرُ في الفنون
والآداب فليسا هما جديرين بأن يُدرجا في ترشيح الجوائز الكبرى إن هما لم يُلمحا
إلى شيء مما يضمن هذه الحريّة، وهما حقيقان بكل إزراء وإهمال إن هما أهملاها..
وثمّة جمعٌ من علماء الاجتماع يرون التاريخ في نمو متصاعد مطّرد ونهاية نموه عند أقصى غاية من استقلال الفرد وأدنى التزام منه بتبعات الاجتماع.. والذين يسعون في إعلاء قيمة الفرد على قيمة الاجتماع تحلو لهم قراءة التاريخ من هذا المنظور، إذ إنّ كل سعي منهم في ذلك لا يجاوز أن يكون حتمًا من تحتيم الطبيعة والتاريخ، فهم معذورون في كل خطأ ومبرؤون من كل عيب ينفردون به عن عيوب الطبيعة التي لا عيب فيها في كل دورٍ من أدوارها!
وغير
أولئك من علماء الاجتماع من يرى أن التاريخ دائرٌ دوّار يُعيد نفسه وأنّ نتائج كل
تجربة إنسانيّة من تجارب الاجتماع مزبورةٌ على إحدى الطرق في كتاب التاريخ، يحفظها
من يحفظها وينساها من ينساها، ويزعم هؤلاء أنّ كلَّ غاية يصل إليها الإنسان إن هي
في الحقيقة إلّا مبتدأ لغاية أخرى وهكذا يدور التاريخ في حلقة مُفرغه بدايتها
نهاية ونهايتها بداية، وهذه نظرةٌ تُزعج أولئك.. والذي نراه حقًا من كل منظور هو
أنّ الانتباه للفرد شرعةٌ سامية ومذهب قويم، وأنً الأمم تتفاضل في مقياس الحضارة
على قدر حظوظ أفرادها من الكرامة والاهتمام، ولكنّا نرى على غير ما يرون أنّه يجب
أن يكون الاستقلال بقدر المسؤولية، فلا ينال الفرد نصيبه من الحريّة إلّا وقد أدّى
ما عليه من التبعة، هكذا سواءً بسواء، وأنّ قدرًا وافرًا من نصيب الفرد في الكرامة
والسعادة لا يكون إلّا من حيثُ هو جزءٌ من مجتمع، يحفظ له المجتمع تقديره ويحفظ هو
للمجتمع صلته.. والذي نراه أيضًا هذه الأيّام أنّ التعصب لكل حقٍ من حقوق الفرد
على حساب حقوق المجتمع مضرٌّ بالفرد ذاته ويقضي بالفرد للتحلّل والانشطار كما أنّ
التعصّب لكل مصلحة للمجتمع تضر المجتمع في اجتماعه.
ونحن لا نُرجع تقدير المصالح للفرد ولا للمجتمع حتّى لا نضطّر إلى القول بتغليب مصلحة أحدهما دائمًا وأبدًا، فالحقّ أقدم منهما ومستقلٌ عنهما، ولذا نرى أنّ كتمان الحقّ وسلب إرادته وقطع صوته هو أضرّ ما يلجأ إليه فردٌ من الأفراد أو مجتمعٌ من المجتمعات، ولذا يجب ابتداءً أن يُكفل هذا للجميع.. ووسائل المجتمع في إخراس أصوات أفراده معلومةٌ في كل زمان، ولِما قدّمنا من الحديث عن مكانة الفرد في هذا الدور من أدوار التاريخ وظهورها على مكانة الاجتماع؛ فإننا نظنُّ أن ليس بنا حاجةٌ لأن نطرق هذا الحديث، غير أنّ لونًا آخرَ من ألوان هذا الإخراس هو أجدرُ بالحديث، وهو وسيلة للفرد في إخراس المجتمع.. وقد قُدّر لهذه الوسيلة من الذيوع والانتشار ما أتاح لها أن تُسبغ معنى جديدًا على مفردةٍ من مفردات اللغة فيُنسى للمفردة كل معنى لا يتصل للجديد بسبب.
ونحن لا نُرجع تقدير المصالح للفرد ولا للمجتمع حتّى لا نضطّر إلى القول بتغليب مصلحة أحدهما دائمًا وأبدًا، فالحقّ أقدم منهما ومستقلٌ عنهما، ولذا نرى أنّ كتمان الحقّ وسلب إرادته وقطع صوته هو أضرّ ما يلجأ إليه فردٌ من الأفراد أو مجتمعٌ من المجتمعات، ولذا يجب ابتداءً أن يُكفل هذا للجميع.. ووسائل المجتمع في إخراس أصوات أفراده معلومةٌ في كل زمان، ولِما قدّمنا من الحديث عن مكانة الفرد في هذا الدور من أدوار التاريخ وظهورها على مكانة الاجتماع؛ فإننا نظنُّ أن ليس بنا حاجةٌ لأن نطرق هذا الحديث، غير أنّ لونًا آخرَ من ألوان هذا الإخراس هو أجدرُ بالحديث، وهو وسيلة للفرد في إخراس المجتمع.. وقد قُدّر لهذه الوسيلة من الذيوع والانتشار ما أتاح لها أن تُسبغ معنى جديدًا على مفردةٍ من مفردات اللغة فيُنسى للمفردة كل معنى لا يتصل للجديد بسبب.
***
والاستشراف استفعالٌ من شرُف أي تظاهر بالشرف، وهي صفةٌ يصم بها الذي لا يقبل النصح كلَّ ناصحٍ.. ومعنى ذلك عندهم أنّ الناصح مدعٍ للشرف بنصحه وهو على غير ذلك.. وهذه حيلة الفرد في إخراس صوت الحق، فلا يقبل النصيحة لأنّه يطلب في الناصح الكمال، وليس هو في الحقيقة يطلبه أو يؤمن بوجوده بل هو يطلب بذلك ردَّ النصيحة في كل أمر وفي كل حين..
ويروجُ عند من يرد النصيحة ويأبى الانتصاح نوعٌ من الفنون والآداب رسمُه أنّه كل فنٍّ وأدب يقطع علاقة الفرد بالمجتمع وعاداته ويطلب للأفراد الاختيار بلا شرط وإن كان الاختيار منحرفًا عن الجادة غير آبهٍ بفنون اللياقة ولا عابئٍ بالآداب المرعيّة، وهذا نوعٌ من الأدب كما أسلفنا يروج سوقه في هذه الأيام، ولكنّ أصحابه يغالون في طلبه من الماضي ومن أصحاب الاعتدال، فيسبغون على الآداب القديمة معانٍ مستحدثة كما أسبغوا على الاستشراف غير معناه الأصيل، ولذا يروق لهم أن يستشهدوا بأبياتٍ من مثل:
لا تنهَ عن خلقٍ وتأتي مثلَه
عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ
إذَا
لَمْ يَعِظِ النَّاسَ مَنْ هُوَ مُذْنِبٌ
فَمَنْ
يَعِظُ الْعَاصِينَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ
ثمّ إن هذه الحيلة لطالما استتبعت حيلةً أخرى وداءً آخر غير داء ممانعة الصلاح وصد الاستصلاح، وهو داء حب الظهور على سنن الاجتماع ولو كان الظهور باطلًا من الأباطيل، وتزيّن هذه الحيلة في نفس صاحبها أن يكون ثائرًا فردًا في وجه التيار، وإن كان التيار تيار الحق والجمال أو تيار الطبيعة والقانون، وتروج عند أمثال هذا كلماتٌ منثورة وأمثال مشهورة وأبياتٌ مأثورة في معنى قولهم: "الناجح محارب" و "لا يُرمى بالحجارة إلا الشجر المثمر" وهم يقرأون سير النابهين وأصحاب النبوغ قراءةً ساذجة مشتهاه فيجدون أنّها لا تكاد تنفكّ من ظهور على المجتمع بعد منافرة وشقاق، ولكنّهم يُغفلون الحجّة والبرهان لداعٍ من دواعي الكسل والخمول أو لداعٍ من دواعي الشذوذ في الطبع والتربية، فيتعلّقون بالثورة على نظام الاجتماع ويشتهون مكانة النابغ الثائر بأي شيءٍ ولأي شيءٍ تكون هذه الثورة..
ولذا يحسُن بنا أن نعرف أنّ مدَّ الرذائل مع وجود المصلحين الناصحين أحرى بالجزر، لأنّ المصلحين يُحيون الضمائر ويُوقظون المعالي، وأنّ الفاسد الحيّ الضمير تكون حياةُ ضميرهِ له أرجى في استصلاحه، وأنّ المجتمع أيأس ما يكون في استصلاح فاسديه حين تموت ضمائرهم، وأنّ موت الضمائر المحبّة للخير الباعثة عليه يجرُّ الأفراد والمجتمعات إلّى أوحالٍ من الرذيلة لم تخطر لهم ببال..
وموجزُ القول هو أنّ وصم الواعظين بـ "الاستشراف" إن كان المقصود منه إصلاحهم وإتمام إعدادهم فهو في خير الواعظين وفي خير المجتمع أجمع، وإن كان المقصود منه كفَّ النصيحة -وهو المقصود هذه الأيّام- فإنّ الاستشراف على ما يعنونه من الاستشراف لازمٌ، وهو ألزم ما يكون إذا سرى في الناس هذا المعنى وهو من الأمور الشريفة ومما فيه خير الناس والمجتمعات ومما توصي به الشرائع الحسنة ويفرضه الواقع في كل حين، لأنّه لو سكت عن الخير كل من التبس بالشرِّ لما بقي في الناس من يدعو إلى الخير إطلاقا.
وشرفُ الفرد إنما يُصقل ويُجلى إذ التبس بالمجتمع واتصل به، ولا يُعرف الشرف إلّا بالأخلاق النبيلة والخصال الكريمة والجناب الطاهر والذيل العف والحاشية المحتشمة وموضوع ذلك كلّه ومحلّه الذي يُعرف به ومقياسه الذي يُسبر به إن هو إلّا الاجتماع..
ولا شيء ألزمُ للنفوس العالية والعقول النابهة من ذيوع السمعة الحسنة واشتهار الذكر الرفيع بين الملأ الأعلى والأدنى.. ولعل من أذيع الأدواء النفسية التي بُلي بها هذا العصر دون ما سبقه من العصور هو داء فقدان المعنى والقيمة، يقول فيلسوف الاجتماع الكندي تشارلز تايلور في ذلك: "إنّ الشعور بفقدان الشعور بالمعنى، هو بمثابة تهديد لنا وهو سمة من سمات عصرنا، بخلاف العصور السالفة" وإنّي لأحسب أن من أخصب محاضن الداء في بعض صوره: انبتات الصلة بين الفرد والمجتمع وانكفاء الفرد على نفسه في عزلةٍ مُطبقةٍ وقد قطع عن نفسه وشائج التراحم وأمداد الفضل والامتنان والشعور بالمكانة التي لا يعرفها إلّا حين يعرف موقعه من المجتمع الصغير والكبير.. وليس فقدان الشعور بالمعنى والقيمة بأعظم أدواء الفردانية في هذا العصر أو بأعظم الأدواء التي أعظمت الفردانية من تحكّمها واستشرائها، ولكنّه داء من أدواء الرفاهية والاستغناء المطلق! وهو داء يصعب الانفكاك منه وإن سلم الفرد من باقي الأدواء وتمّ له كل ما أراد..
تعليقات
إرسال تعليق