التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صِرَاعُ السُّودَان.. مِحْنَةُ الحَالِ والتَّوقِيت

 



المطّلع على الصراع الدائر في السودان، يعلم أن جنس هذا الصراع لا يحقق مطلبًا من مطالب الأوطان ولا مطلبًا من مطالب الشعوب، فليست الحرب في طرد محتلٍ غاصب ولا في رد معتدٍ باغٍ، وليست هي كذلك في تحقيق غايةٍ في سبيل كرامة الشعب وسيادته ونفاذ إرادته.

وليست الحرب مما يصبر عليها المواطن السوداني في سبيل عيشةٍ يرجوها، ولا هي مما يصبر عليها السودان في حالته الراهنة، فهي حربٌ خاسرة على أي نتيجةٍ تتقلّب إليها، وهي خاسرةٌ خائبة لأنّ ليس لها مقصود إلا السعي وراء السلطة بأي ثمنٍ ولأي غرضٍ تكون هذه السلطة.

هي حربٌ أهون خسائرها -إن قصر أمدها-: إزهاق الأرواح وتدمير المساكن والأموال وتعطّل المصالح والغايات، وليس أعظم نتائجها إن طالت أن تُضاعف الخسائر الماضية وأن تجمع إليها خسارة الوطن وانقسامه وتشرذم أبنائه وضياع مقدّراته.

وفي كلٍ حرب من الحروب العادلة أو المفهومةِ بواعثُها من التي يُشارك فيها الجيش أو تشارك فيها قوةٌ من قوّاته المحشودة أو المسلحة_ لا تكون مصلحة الوطن إلّا في انتصار عسكره وفي سبيل ذلك تهون الخسائر وتُرخص الأرواح.

ولكن في حالة السودان يحتربُ الوطن ويتقاتل العسكران، فلا تُقدر في هذا الصراع مصلحةٌ إلّا والمفسدة غالبةٌ على كل مصلحة مرجوّة للوطن والمواطن..

‏وقد تتصارع قوّتان مُخلصتان كلٌ منها يفهم مصلحة الوطن على شكلين متعارضين لا يلتقيان؛ فيكون في انتصار أحدهما مصلحةٌ تتحقق للوطن بانتهاء الحرب.

ولكن حتى لو فُرض ذلك في قوى السودان المتناحرة فليس السودان في هذا التوقيت يحتمل هذا الخلاف، لأنّ أي شيءٍ يُطيل أمد الصراع يقضي بتغليب مصلحة القوى الخارجية التي تترّصد للسودان وشعب السودان. كما يقضي بسير السودان نحو مخطط برنارد لويس في تقسيم المقسّم كما يؤمن لإثيوبيا ما أرادته بسد النهضة ويفتح على مصر جبهةً جنوبيّة لا تقل احتدامًا عن جبهتيها الغربيّة على حدود ليبيا، والشرقيّة في سيناء.

هذا تقدير الأخطار فما السبيل إلى اجتنابها؟

يستخف بالموقف من يظن الحل سهلًا في أزمة السودان فالأمور فيه مشتبكة متداخلة يعزز من اشتباكها ما يدور في السودان في المرحلة التي يبحث فيها السودان عن نظام جديد، ويعزز اشتباكها ما يدور في هذه اللحظة، لحظة تشكّل عالم جديد وتحالفات جديدة.. ولكنّه على كل حال منوطٌ بوصول أهل الأمر والقرار إلى قناعة راسخة في شأن المتناحرين، وهي أنّ قيادة الجيش قيادةٌ مراوغة تسعى للسلطة وتلتف على القانون وتقوّض إرادة الأمة بكل وسيلة تقدر عليها، وإن تعذّرت في إطالة الفترة الانتقاليّة بكل عذر فليست أعذارها بالأعذار المقبولة.

فهل يكون الحق والواجب في مواجهة المراوغين المنقلبين على القانون وفي الاصطفاف مع أعدائهم؟

إن خصومهم -من قوّة الدعم السريع- متمردون على جيش البلاد وحاميها، يمارسون العصيان العسكري وهو بغيٌ وخروج.. وقادتها من رموز النظام القديم ولا يعني انقلابهم عليه إلّا إمعانهم في الاحتيال والروغان فليس لهم عهد يُحفظ ولا ذمّة تصان. وهم في النظامين باقون على قمعهم وتنكيلهم بالشعب فجرائمهم في دارفور معروفة، وما قمعهم للعزّل في أعقاب ثورة ديسمبر وفي فض الاعتصام عنّا ببعيد، فهل يستأمن على مصير الوطن من يسوم شعبه خسفًا ويورد أبناءه موارد الهلاك؟

إنّ هذا الذي يُقال لا يُقصد به تذكير القوى الشعبية والأحزاب المدنيّة فهم منه على ذُكر ولكنّهم منقسمون في هذه الحرب بين هؤلاء وهؤلاء كعادة أحزاب السودان التي كانت تستعدي الجيش على منافسيهم من الأحزاب المدنيّة، فهم في جملتهم بوضعهم الراهن عاجزون عن أي حراكٍ يُصلح أو يُفيد، وليس مصيرُ الأمر إليهم بمقبولٍ عند جميع القوى الخارجيّة التي لها تأثيرٌ على قرار السودان أو يُرجى منها أن توقف الصراع.

إن من الخير أن يُترك السودان وشأنه في هذه الحرب إلًا من وساطةٍ للتقريب بين الأطراف كما أنّ الخير كل الخير في أن يُحسم الصراع سريعًا -إن تعذّر الإصلاح- وأن تدمج القوة المتمردة في القوات المسلحة، وهذا ما عوّل عليه مندوب السودان في الجامعة العربيّة حين شدّد على رفض أي تدخل أجنبي في شؤون الصراع، ولكنّ يبدو أن لحظة الحسم قد تتأخر وقد يُصبح طلب الجيش المعونة الأجنبيّة أمرًا واردًا. والجيش رغم رفضه عبر مؤسسات الدولة لأي تدخلٍ إلّا أنه محتاج لبعض المعونة أو مضطرٌ لقبولها. وكذا طلبت قوات الدعم السريع ذات الطلب الذي طلبه الجيش للحد من التدخلات الأجنبية إلّا أنّ القول بأن تمرّد قوات الدعم السريع كان بريئًا من أي شكلٍ من أشكال التدخل الأجنبي لا يخلو من غفلة وسذاجة يسلم منها من يعرف أحوال المنطقة وقواها.. ولكن هذه التحالفات متداخلةٌ أيضًا وهذا من لعنة الأزمة السودانيّة.. فالبرهان رئيس المجلس السيادي الذي يأتمر الجيش بأمره هو حليفٌ للقوى الإقليميّة المجاورة للسودان كمصر وهو من قد تنحاز له القوى الغربيّة إذ علمت أن محمد حمدان دقلو (حميدتي) -قائد قوات الدعم السريع- قد يتلقى بعض الدعم من الروس، ومع ذلك فحميدتي حليفٌ لبعض الدول التي تشترك مع السودان في الإقليم وتتحالف مع الأمريكان في الوجهة والمصير. وإن كان الجيش قد يتلقى بعض الدعم من الغرب لأن حميدتي يشترك مع قوات فاغنر الروسيّة في حماية مناجم الذهب ولديه نفوذ أو شراكة مع بعض الدول الحليفة لروسيا في إفريقيا، فإنّ حميدتي بدهائه وضراوته على التقلّب استطاع أن يتحالف مع قوى الحريّة والتغيير المرعيّة من الجانب الغربي وقدّم نفسه للقوى المدنيّة وللغرب حاميًا لمصالحهما..

إنّ كل طرفٍ من أطراف النزاع يماذق الشعب حين ينادي بالديموقراطيّة ولكنّ هذا النداء الزائف يُتيح للقوى المدنيّة أن تستعيد موقفها بعد أن اشترك الطرفان في الانقلاب عليها بعد الثورة، ويُتيح أن يكون لها أوفر الحظ في ضبط الأمور، وإنّ أوجب ما يجب على  القوى المدنيّة هو أن تستفيق من غفلتها وتستفيد من تجربتها حين استعانت بالعسكر في سالف التجارب السياسية فكانت لهم بمثابة القناع المؤقت الذي لا يلبث العسكر أن يُزيلوه متى ما استقرّ لهم قرار، وإن كل حل يعود للاتفاق الإطاري ليس بالحل الدائم الموفّق وإن كل حل لا يُزيل رؤوس الطرفين المتنازعين ليس بالحل الذي يُعوّض الشعب ما قد فقد ويضمن للمدنيين الحياة السياسية التي يرتضون ويأمّلون.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...