التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أدُونِيس ومَرْبُوبُوهُ والسَّنَونَو

 

الدكتور علي أحمد سعيد ناقدٌ له قدره المحفوظ عند النقّاد، وله صيتٌ ذائع عند مثقفي فرنسة وأوربة وجنابٌ مرهوب عند مثقفي الحداثة العربيّة في أول شأنها، وكان قد نال أعلى الدرجات الأكاديمية في الأدب العربي، ومع ذلك فهو لا يتكلّف عناءً في إخفاء ازدرائه بآداب العرب وثقافتهم، وله قناعةٌ راسخة لا تعبث بها رياح العروبة والديانة في احتقار الموروث، وله كذلك قناعةٌ راسخة يحتقر بها بعض الأنظمة العربيّة المحافظة، على رأسها نظام الدولة السعودية وكذا يحتقر منها تديّنها وثقافتها ويُعلي بهذه القناعة من شأن "الحداثة المتنوّرة" التي هي في وهمه لا تُناقض مذهبه مِن تنظيم سوريا الأسد ولا تناقض رأيه في تديّن النظام الإيراني المتنوّر بقمع الشعوب وسلب إرادتها.

وليس في كل هذا شيءٌ يُثير الحفاظ أو يحمي الأنوف عند مثقفينا الحداثيين، غير أن من بعضهم من ينزع نزعةً وطنيّة لا يسكت معها عن أقل القليل الذي يمس الوطن، ولا تخمد له ثورة ولا تهدأ له سورة في الدفاع والرد عن أدنى مساس إن كان من غير الدكتور. وأعجب من ذلك أنّه لم يزل الدكتور علي العلوي يُعرض عن الحداثيين السعوديين ولا يعبأ بهم ولا يُلقي لهم بالًا ولا يأبه بهم (وزد ما شئت من ألفاظ الجفاء والإهمال) وهم على كل موقفٍ وقفه في وجه التحديث، ما زالوا يرونه إله الحداثة العربيّة، يسبحون بحمده ويتقرّبون إليه زُلفى ويبتغون إليه سبيلا..

حتّى أنهم -بعد طول السنين وإشراف إلههم على الخرَف وتجاوز الحداثة إياه- استضافوه واحتفوا بمقدمِهِ واحتفلوا بتواضعه الجميل.. وعقدوا له الأماسي والجولات في الطائف وغيرها، وهم تأخذهم عاطفةٌ جيّاشة تصحبها نظرة الإجلال المغرورقة بدموع الاغتباط والإعجاب أن كيف رضي بنا وقبِل؟ وكيف ساقَ لنا بعفوه الفُرص بعد الفُرص ليغفر لنا ما قدّمنا وأذنبنا وليشيد بحداثتنا وثقافتنا.. وإنّه عندهم بهذا لكريم..

ثمَ كان ماذا؟ ذهب الدكتور علي العلوي إلى المغرب وحين سُئل عن مظاهر الحداثة في السعوديّة قال: "وفُجئت.. ليس هناك حجاب" وأنه لم يرَ من المتحجبات إلّا ما يُحصيهم عد الأصابع، ولم يفتهُ أن يكذب على السفِارة ويذكّرهم بماضيهم الذي يزعمه أسودَ..

وقد خيّب الدكتور عليٌّ بهذا -دون غيره- آمالَ الحداثيين.. فلم يرَ رمزهم الخالد منهم شيئا يرضيه من الآداب ولا الفنون ولا العلوم ولا شيئًا من حياة "الفكر والإبداع" وكان مبلغهم عنده من الحداثة ونصيبهم الأوفى أن تنزع النساء الحجاب.

هي قصّةٌ عجيبةٌ كما ترى..

بل إن مذهب الدكتور علي من الحداثيين السعوديين كله مما ذكرنا وما لم نذكر لهو مما يُثير العجب..

وإنه لمن دواعي الضحك والبكاء معًا، أن يحاول النقّاد الحداثيون أن يلتزموا ما يسمونه "الموضوعيّة" أو "الحياد الشخصي" فلا يعرضون لطباعه ومواقفه.. ثمّ هم إذا أرادوا أن ينتقدوا أدبه وأعماله لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا لأنهم مشتركون معه في الأصول والغايات..

فإذن لن يكون انتقادٌ أبدًا، وستستحيل الحداثة إلى جمودٍ واستبداد..

 قلتُ على سبيل الافتراض عن نقادنا الحداثيين إنهم: إذا أرادوا أن ينتقدوا أدبه فلن يجدوا سبيلًا، لكنّ أساتذتنا قبلُ لا يريدون ولن يُريدوا..

فليكن بعض ذلك إلينا إذن! حفظًا للذوق وصونًا لآداب العرب وتمهيدًا لجدول التحديث. والعدلُ عندنا في ذلك أن تكون ديانة الرجل ومنازعه السياسيّة بمعزلٍ عن "أدبه" فليس على النّاقد بما كان ناقدًا أن يجرمنّه فصال الأدباء على ألّا يتجرّد للنقد بالقسطاس المستقيم.

وأنا حديثي هنا حديثٌ في الأدب لا في السياسة وإن لم يكن مما قدمنا بدُّ لنعلم مبلغ سطوة الدكتور على أساتذتنا. ولستُ أعني بعرض هذا التقديم المتقدّم أن أستثير همةً أو أن أستفز حميةً، فليس ذاك إلي، وإنما أردت أن أوجز بالتقديم تاريخًا لعلّ أن يُفهم منه السكوت وجمود النقد عند الحداثيين إن تعذّر علينا بإيجازه بسطُ أسباب السكوت والجمود.

فإذا كان حديثي مقتصرًا على الأدب فهل يكون ذلك مما يجعلني أكفي أساتذتنا الأدباء مؤونة النقد؟ ربما.. فأساتذتنا لا يفهمون الشعر ولن يُحسنوا النقد إلا بغمغمة وجمجمة بعد طول اعتذار وروغان؛ لأنهم مأخوذون بطريقة الدكتور ويعجبهم شعره أو ترهبهم سطوته.. وإذا أرادوا نقد الشعر "الحداثي" على طريقتهم فهو نقدٌ نهايةُ غايتِهِ وغايةُ مُنتهاه في ميدان الذوق والأدب أن يُرجع الكتف المخلوع إلى مكانه من الجسد الكسيح أو أن يضيف أي لونٍ من الألوان إلى لوحةٍ ملطخةٍ على غير نظام، يستوي فيها التلوين وتركهِ..

ومع ذلك فإنّي أجدني إذا -أردت النقد الأدبي- حائرًا لا أعلم من أي المبدأ وإلى أين المنتهى، فليس في أعمال الدكتور شيءٌ يستحق صادق النظر والتمحيص ولا عناء الفكر وكد التحليل، فهي وصلة واحدة أو أوصال متفرقات على طابع واحد ليس بعضها بأولى من بعض بالنقد.. يعلم ذلك من فهم الشعر العربي، بل يعلم ذلك من سلمت فطرته وصحّ عقله.. ولنعرض لشيءٍ من ديوان الدكتور لنرى هل يسلم له شيءٌ من الشعر إذ لم يسلم له شيءٌ من المذاهب والمواقف..

وأرجو ألا يحسبني القارئ الكريم أنّي بصدد عملٍ من أعمال النقد والتذوّق التي أرتضيها، فلستُ إليها الآن، وأنا في ذلك معذور أوفى العذر وأجزله، لأنّي لا أرى أن شيئًا مما أعرضه يجوز أن يُسلك في أذواق العرب ليجوز له بعدُ أن يُنقد على قانون العرب.. ولا يظنن القارئ أنّي أتخيّرُ فيما أعرضه مساوئ الديوان ومعايبه التي حقّها الإعراض والإغضاء في سبيل المحاسن والمحامد الطاغية، فالذي أختاره إنما هو صورةٌ صادقة للديوان ولو طلبتَ من الدكتور أن ينتخب لك من عواليه لما ظننتُه ينتخبُ أجود مما عرضت، ومع ذلك فالحق أقول أنّي لم أجد في الديوان شيئًا يمتاز، فكل ما فيه صورٌ أعجميّة وقد اضطرني ذلك إلى أن أختار من صفحة "الديوان" ما يتفق لي عرضًا بلا ضابط في الاختيار وبلا تكلّف في إظهار المساوئ. فلنرَ..

يقول "أدونيس" فيما يسميه قصيدة "العهد الجديد":

"يجهلُ أن يتكلّم هذا الكلامْ، يجهل صوتَ البراري، إنه كاهِنٌ حجريُّ النعاسْ، إنه مُثْقَلٌ باللغات البعيدهْ. هوذا يتقدّم تحت الركامْ، في مناخ الحروف الجديدهْ، مانحًا شعره للرياح الكئيبهْ، خشِنًا ساحرًا كالنحاسْ. إنه لغةٌ تتموّج بين الصواري، إنه فارس الكلمات الغريبهْ."

 

قل لي يا عزيزي القارئ هل ترى شيئًا من الشعر؟

أسألتُك عن الشعر؟

أستغفر الله! فهل ترى شيئًا من النثر أو شيئًا من الكلام!

انظر إلى قوله "حجريُّ النعاس" وقوله "مثقلٌ باللغات البعيدة" فلا أشكُّ أنه ومربوبيه يحسبونها من ملائك الحُسن التي أتى بها بعد مخاض مقدّس! نعم لا تعجب! فهذا الكلام الذي يشكو فيه النحو من غربة الاستقامة؛ تُخلع عليه مدائحُ التحليل ويسجد له كبار النقّاد في مجالسَ الجنون.

وهاك قطعةً أخرى من الديوان، أجعلها في عمودٍ كعمود الشعر كي يعرف القارئ أننا في حديثٍ عن الشعر والأدب ولسنا نقصّ حكايا المجذوبين، يقول أدونيس:

 

"في بيتنا عَباءةٌ

فصّلها عُمرُ أبي

خيّطها بالتّعبِ.

تقولُ لي: كنتَ على حصيرِه

كالغُصنِ المنجردِ

وكنتَ في ضميرِه غدَ الغدِ.

في بيتنا عباءةٌ

مرميّةٌ، مبعثره

تشدّني لسقفهِ

لطينهِ للحجرة

ألمح في ثقوبها

ذراعه المحتضنه

وقلبه ولهفةً في قلبه مستوطنه

تحرسني تلفّني تملأ دربي أدعيه

تتركني شَبَابةً وغابةً وأغنيه"

 

لا أريد أن أُكلف القارئ عنتًا في الشرح، ولكنّي أطلبُ إليه أن يمرّن عقله الذي إن لم يفهم ما قيل فهو عند الحداثيين رجعيٌ جامد، أقول أطلبُ إليه أن يحاول أن يعرف موضوع هذه القطعة أو أن يُحس العاطفة التي كُتبت بها.. هذا حسبي منه فإنّه إن عرف عجزه عن ذلك علمَ أنّ هذه حفنةٌ من الكلمات لو أُلقيت على الصبيان لحسبوها أحجيةً من أحاجي الجمل المتقطعة التي تحتاج إلى نظام.

 

وأسوق لكم "قصيدة" أخرى لعلّها من المعلقات عند أصحاب أدونيس وأنا هذه المرّة أجعل النص مشكولًا على ذمّة صفحة "الديوان" لعلّها بهذا الشكل تكون من القارئ بالمكان الذي يتكلّف له الجد، ويستجمع له الانتباه، يقول أدونيس:

" (1)

لم تكن الأرض جرحًا كانت جسدًا

كيف يمكن السفر بين الجرح والجسد

كيف تمكن الإقامة؟

(2)

كان لإقامته بين الشجر والزَّرْعِ

شحوبُ القصب وسَكْرَةُ الأجنحة

تآصَرَ مع الموج

أَغْرى بِهدأة الحجر

أَقْنَع اللّغَة أن تؤسِّس حِبْرَ الخشخاش

وكان سُلَّمٌ يقال له الوقت

يتكىء على اسْمِه ويصعد

نبوءةً

نبوءةً

من الأجنحة يخرج الأثير

من المصادفة يخرج الحتْم

لكن

أيتها الشمس الشمس ماذا تريدين

مني؟

وجهٌ يجتمع بُحيرةً يَفْترق بجعًا

صدرٌ يرتعش قبّرةً يهدأ لُوتَسًا

حوضٌ يتفتّح وردةً ينغلق لؤلؤةً

تلك هي أدغال الهجرة وراياتُ القَفْر

وللنهار يدا لعبة

وللفَلكِ نَبرةُ المهرِّج

لكن

أيتها الشمس الشمس ماذا تريدين

مني؟

يلبس الموتُ حالةَ البنفسج

يسكن النّرجس آنيةَ الثلج

يحلم أن الحبّ وجهٌ

وأنَّه مرآته

الحجرُ برعمٌ، الغيمةُ فراشةٌ

وعلى العتبة جسدٌ شرارَةٌ لقراءة الليل

ليس الموتُ عزلةَ الجسد

الموت عزلةُ ما ليس جسدًا

لكن، أيتها الشمس الشمس ماذا تريدين

مني؟

أَبحث عما لا يلاقيني

باسمه أنغرسُ وردةَ رياحٍ

شمالاً جنوبًا شرقًا غربًا

وأضيفُ العلوَّ والعمق

لكن، كيف أتجه؟

لعينيَّ لونُ كسرة الخبز

وجسدي يهبط نحو داءٍ له عذوبةُ

الزّغب

لا الحبّ يطاولني

ولا تَصل إليَّ الكراهية

لكن،

كيف أَتَّجه؟ وماذا تريدين مني

أيتها الشمس الشمس؟

(3)

يمحو وجهه يكتشف وجهه

يتقدَّم الخطف تلبسكِ فتنةٌ بفجرها

الأول

يتقدّم الوقت أين المكان الذي تُزْمِنُ

فيه الحياة؟

تتقدَّم العتمة أيّة رَجَّةٍ أنْ أوزِّعكِ في

كريّات دمي

وأقولَ أنتِ المناخُ والدّورة والكُرَة

أيّة زلزلة؟

يتقدّم الضوء يُلْيِلُ في أنحائي

أنقطع أتَّصل

والوقتُ يأخذ هيئة البشَرة

يخرجُ من الوقت

وسقطَ

غزوكِ

عليّ

وشَهَقَتْ إليكِ أحوالي

لماذا حين دخلتِ أخَذَتِ الحقول

تشتعل وكانت

يداي أوَّل النار،

ولماذا، كلّ ليلةٍ،

كنت أحمل زَغَب نهديكِ لليلةٍ

مقبلة؟

أُدخلي

وعلى ركبتيكِ

ترابٌ وفي الطريق إليك إليّ

الجبالُ

وسَرْوُ المنحدرات

وشرْبينُ الأودية أقول نلتقي نفترق

وأَستجمع أنحائي:

أيها الحَنْظَلُ المتناثر ملحًا على موائد

الإباحة

أنت العذوبة وأمنحكَ طعميَ الأول

جسدكِ التّيه أخرج

وأسفارُ خروجي أنتِ

آخذكِ أرضًا لا أعرفُها

تلالاً وأوديةً تغطّيها نباتاتُ البحث

امتدادات غامضةً

وآخذكِ واقفًا

قاعدًا

راقدًا

ولا أقنع بغيركِ

آخذكِ

في تنهداتي

في اليقظة والنوم

في الحالات الوسيطة

وفي ما يُعدّه لي الوقت

آخذكِ

ثنيّةً ثنيّةً

وأفتتح مسالكي

أتمدَّد فيكِ لا أصل

أتدوّر لا أصل

أتسلَّك أنتسجُ لا أصل

أصلُ من أقاصيكِ لا أصل

ما بعد المسافاتِ أنتِ ما بعد

المفازات

أنتِ أين وهل وماذا وكيف ومتى

وأنتِ

لا أنتِ

انْبسطي على جسدي وانْغرسي

خليّةً في خليَّة

عرْقًا في عِرْق

ولتخرجْ منكِ آلاف الشفاه

آلاف الأسنان

ولتكن غيرَ معروفةٍ لتكونَ على قَدْرِ

حبِّنا

(...)

وأكون علّقتُ صورتكِ بجميع الصور

ويكون جاءني الكشف وقلت:

هذا لقاؤنا الأخير

من أنتِ؟

آخذكَ

حيوانًا

يضع السّمَّ في شفةٍ

والبلسمَ في شفةٍ

وكلّ ليلةٍ، أقول

هذا لقاؤنا الأول

أيها الأحد

ق

م

ر

ش ع ش ا ع

وليس لي معك غيرُ الهواتف

وغيرُ البوارق

وما يطوف

ويهتزّ جسدي بالكُنْهِ اللازمِ له

والملكاتِ الواجبة في أشيائه

وأصرخُ: أنتَ الهباءُ

وأنت القادِر

من أنتَ؟

جسدٌ يكبَرُ في الخَزَام والخالدة

ينحدر يعلو يَسْتشرف

يجمع الضّفاف ويقرأ هذَيان القصب

جَسَسْتُكِ بِعينيَّ

رقصًا يتقدَّم في خطوات الفصول

تنهّدتُ في ناردينٍ

وأخذتْ أشكالٌ تروح وتجيء في

لُججِ الخاصرة يصطدم الغريق بالغريق

أخرج من الخيزران

أَدخل المِدقّة

أتغلغل في أخْبية القاعدة

حيث يكمن البيضُ وينتهي قَلَم

السمَّة

أتجمّع كما يتجمّع اللّقاح

أخلعك أتزيّا بكِ

أنسلخ منكِ أتَّحد بكِ

وأخلق بيني وبينك

خداعًا بعلوّ الشمس

رياءً يكسر الزَّمن غصنًا غصنًا

من أنتِ؟

تحت البَشرة الهويّةُ

في شراييني خَبْطةُ المسّ

أتدحرج بين أنا الجمر وأنا الثلج

وبين

الياء

والألف

أَتدلى

أَخلق في اليوم يومًا آخر

وأَربط بحبل الدقائق أهوائي

تقول المرآة اكسريني

تقول الخطوات قيِّديني

وبين آلة الموت وحيوانِ الألفاظ

أَنْغرسُ أنجذرُ

وأَلعب نَرْدَ الطبيعة."

 

وقد اضطُررت إلى أن أقطع "القصيدةَ" من مقطعٍ ليس هو مقطعها الأخير و"القصيدة" أطول من هذا الذي سُقته بكثير، ولو قطعتها قبل ذلك بسطرين أو بعد ذلك بسطرين لما كان لهذا القطع تأثيرٌ، ولا كان ينقص هذه المعاني شيءٌ ما كان ينقصها في مقطعها المقدّر.. فإن طربتَ لها أيها القارئ -ولا أحسبك- فارجع لها في ديوانه، وعرّج على أشباهها فكلها على هذا المنوال..

ولا أحسبنُي أُعدم أُناسًا يظنوني أشطُّ في شعر الرجل أو أتتبع العثرات أو أعود بالزمن لأتسقّط هذيه بالشعر في أول عهده به، فلذلك أسوق لهم مرثيّةً رثى بها الدكتور علي والده، وللموت مهابة تُنطق الأخرس وتعيي المبين، والشاعر الحقّ إما أن يقولها في الصدمة الأولى فتأتي حارةً صادقة العاطفة وإن ظهرت بها قسمات التفجّع وبانت فيها خلجات الاضطراب، أو أن ينظم قصيدته بعد سكون النفس، فتأتي قصيدته حزينةً في هدوءٍ وانضباط وإن فقدت حرارة الصدمة الأولى، وكل هذا يعلمه المتذوقون غالبًا من نص القصيدة.. أما الدكتور فيقول في مرثيته:

 

"

(مرثيتان إلى أبي)

-1-

أبي غدٌ يخطر في بيتنا

شمسًا وفوق البيت يعلو سحابْ

أحبه سرًّا عصيًا دفينْ

وجبهةً مغمورةً بالترابْ

أحبّه صدرًا رميمًا، وطينْ.

-2-

على بيتنا، كان يشهق صمتٌ ويبكي سكونُ

لأن أبي مات، أجدبَ حقلٌ وماتت سنونو.

"

وعلى القارئ بعدُ أن يقرر أكان هذا نطق الأخرس أم خرس المنطيق، ثمّ أكان قد كتبها بعد الصدمة الأولى أم انتظر حتى يموت السنونو..

***

قلتُ إنّ مثقفينا الحداثيين لا يفهمون الشعر؛ لأنّه لا يمكن أن يطرب لهذا من يطرب للمتنبي وأبو تمام والجواهري وأضرابهم من الشعراء، إلّا أن يكون مورد الاستحسان منفكًا كما يستحسن الإنسان قصيدةً ويستحسن فاكهةً ويستحسن تصويرًا، فهو لا يستحسن القصيدة بالذائقة التي يستحسن بها الطعام ولا يستحسن الطعام بالحاسة التي يستحسن بها التصوير، ولكنّ مثقفينا يصرّون أن يكون هذا شعرًا من جنس شعر المتنبي فيصحُ عندهم أن يكون هذا امتدادًا لذاك أو يصحُ عندهم أن يفاضل بين شوقي وبين أدونيس لما لهما من الشعر! ولستُ أقول هذا لأن اللغة التي يكتب بها أدونيس غير اللغة التي يكتب بها هؤلاء فإن الشأن هو الشأن إذا قسناه إلى شيلي وفيكتور هوجو وخيمنيز، فإنّه لا يُقسِّم الطرب بين هذين الجنسين من الكلام إلّا من استحدث لنفسه خلقةً جديدةً لا نعرفها.. وقد غشيت ندوات المثقفين واختلفتُ إلى نواديهم فرأيتهم في كل مرةٍ ينصبون منهم شخصًا يقرأ عليهم كلامًا من صحيفةٍ لأنه لا يمكن أن يحفظه، فالعقل لا يعي إلا الكلام المنضبط، ثمّ رأيتُ هذا المنصّب يقرأ كلامًا لا يفهمه، ورأيت المستمعين يأخذون نفسهم بتكلف إظهار التذوّق والاستحسان وهم لا يفهمون ما قيل، لأنهم يخشون إذا لم يفهموا أن ينحطّ قدرهم عن قدر المثقفين، ولو سألت كل واحدٍ منهم ماذا فهم؟ فسيجيبك بغير ما أجابك صاحبه، ثم هم يعدّون ذلك فضيلة النص الكبرى أو هو حق النقّاد على اختلاف مشاربهم..

 

هذا، وأدعُ الحديث هنا لأني لا أُحبُّ أن أعرض للقرّاء مثل ما عرضت، ولا أُحب لنفسي أن أسلك هذا المسلك من النقد، لكن على حسب المنقود يكون النقد، وقد كان أحب لي أن أعرض للغة والصور والشعور ولا أجاوزها لمثل هذا اللون من النقد، لولا أنّ لهذا الكلام في هذه الأيام جمهورًا يرون أنّهم في حظيرة القدس يُصلّون للكلام رغبةً ورهبة، وينأون بتذوّقه عن أذواق "الطغام". وإنّ في هذه القطع وفي الديوان من فساد اللغة والذوق ما لو وقفنا ننبه إليه لكان بمثابة صيحةٍ في فلاة جرداء خاوية، وقد يُظن أنّ في إيراد هذا الفساد حصرٌ وإحصاء ينقطع به، فلا يجاوزه لغيره مما لم يُورد؛ فمعاذ الله أن نقف.

وكنتُ أُحبُّ أن يكون في النصوص شيءٌ يُميَّز بالذوق ولو كان ينبو عنه أو شيءٌ يُستمسك بالعقل وإن كان يعرف العقل إغرابه؛ لآتي عليه بالتفصيل الذي يجلو ضعفه لكل مرتاب. ولكن! سكت الأساتذة ومات السنونو فكان ما ليس منه بد.

تعليقات

  1. بصراحة لايهمني أدونيس ولا نقده ولا موضوع المقال .. إنما هذه اللغة والتعبير الفريد الأخاذ والذي لم نعهده في مستأدبين هذه الأيام .. الله يبارك لك و يزيدك من فضله .. نحتاجك تستمر

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...