في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم -على
التقريب- بدأ الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري إخراج مشروعه "نقد العقل
العربي" وقد ظل المشروع منذ العام الذي نشر فيه جزأه الأول يحظى باهتمام
المثقفين العرب حتّى تصرّم العقد الأول من هذا القرن وما زال، غير أن جذوته الأولى
كانت قد استمرت ثلاثين عامًا -فيما نقدّر- وهي تستهوي المصطلين من النقّاد
والمثقفين في المغرب والمشرق، وقد كان لمشروعه عند طليعة الحداثيين في جزيرة العرب
بريقٌ ساحر تملّك أفكارهم وأساليبهم.. والحق أن مشروع الجابري مشروعٌ يُخبرك عند
النظرة الأولى والثانية أنه مشروع كلّف صاحبه عناءً من البحث والجمع والدراسة، وهو
بحثٌ يقع في أربعة أجزاء كلّ جزء منه في مجلّدٍ من القطع المتوسط، وحق المشروع من
جهة ما هو به من المكتوب، أن يكون في أكثر من هذه المجلدات لولا ضيق الصفحات
بالسطور وضيق السطور بالكلمات.
ونحنُ نحبُ أن نعرض لمشروعه بالدراسة
التي يستحقّها في غير هذا الموضع، أو أن نستوعب مشروعه في بحثٍ نحاول فيه أن نجيب
على أسئلة النهضة والتجديد، لكننا هنا نريد أن نُجمل الكلام في المشروع إجمالًا
حسب ما يقتضيه المقام، بل ونقصر هذا الإجمال على ما رأينا أنه ألصق الأجزاء بأصل
المشروع، وهما الجزآن الأولان.. "تكوين العقل العربي وبنية العقل
العربي" وهما أحفلُ أجزاء الكتاب بالدراسة والدوران.. وقد أخرج جزأه الأول في
منتصف العقد التاسع من القرن الماضي ثم أردفه بالجزء الثاني بعد ذلك بعامين، ثم
اعترى مشروعه بعض الفتور حتّى أنهى جزأه الرابع بعد ما يقارب عشرين عامًا، ولم يكن
ذلك لأمرٍ يستلزمه البحث، فإنّه لم يكن في نيّة الجابري في أول الكتابة أن يستطيل
المشروعُ، بل اقتصر في البدء على جزئيه، وهما أهم موضوعًا من باقي الأجزاء والكلام
فيهما أخطر. وربما لحظ القارئ بعض التغيّر في منهج الدراسة حين يقرأ المشروع بعد
جزأيه الأولين، وهو تغيّرٌ يفرضه الواقع والموضوع، وقد صرّح الجابري بهذا الاختلاف
في بعض تقديمه للجزء الثالث، فبنا إلى الجزئين..
***
عنون الجابري كتابه الأول في المشروع
بـ: "تكوين العقل العربي" وقد أكثر فيه من التحليل الذي لا تسبقه مقدماتٌ
وافيه، وهذه الكثرة هي كثرة بالنسبة لنصيب الجزء الثاني من المشروع. ونحنُ نرى في
هذا الجزء الأول مخاضًا، وليس هو من المخاض المنتظم الذي يُناسب مرحلة التكوين،
وإنما هو نوعٌ من المخاض نلمح فيه رغبة الجابري في الوقوف بالمشروع عند هذا
الجزء.. فقد بدأه الجابري بعرض منهجه الحداثي من أول الكتاب ثم شرع في بيان بعض
المصطلحات التي نوى بها أن يضبط الدراسة أو أن يحلل العقل العربي على اعتمادٍ عليها..
ثمّ شرع في تقسيم الأنماط المعرفية العربية إلى أنماط ثلاث:
⁃ العرفان: ويعني به المنهج القائم على الذوق مما ينتهجه المتصوفة
وبعض مذاهب الشيعة والفلاسفة الإشراقيين.
⁃ البيان: ويعني به النظام الذي يقوم على اللفظ ويدور عليه، والذي
ينتهجه الفقهاء والنحاة والمتكلمون.
⁃ البرهان: ويعني به النظام القائم على التجربة والتحقيق.
وللجابري ولعٌ خاص بالتثليث في دراساته
غير ذلك الولع بالتثنية الذي يُولعُ به كما يولع به بقيّة الحداثيين، وكذلك فعل في
الجزء الثالث الذي جعل البحث فيه عن العقل السياسي فقسم المحددات إلى: العقيدة
والقبيلة والغنيمة.. وهذا التثليث الذي في الجزء الأول، أعني: العرفان والبيان
والبرهان. وإن كان محددًا للمناحي المعرفية في الثقافة الإسلامية، وسائغًا للضبط
والافتراض، إلّا أنه يُوقع الباحث في كثيرٍ من الاختزال والتقصير، فهو عادةً يغريه
بالحكم الناجز المحدد، الذي قد يجدُ الباحث عنه مناصًا لو أنّه أخذ يضبط المذاهب
التي ينتظمها كل نمطٍ من الأنماط..
ثم تجد الجابري بعد التقسيم قد أرجع كل
نمطٍ إلى أصوله التي تأثرها، وعرض إلى أبرز أعلامه بالدراسة التي قد كان حقها أن
تكون في الجزء الثاني من المشروع، وقد أعاد القول فيها في الجزء الثاني ببعض التكرار
الذي يقتضيه التفصيل. ثم تجده قد قال في الجزء الأول كلمتَه من التحليل في كل نمط،
فتظن أنّ الجابري فرغ مما يريد، وهذا بعض المخاض الذي أشرنا إليه..
ومن ذلك المخاض المضطرب أنك تجد الجابري
في الجزء الأول أسرع تقريرًا وأوضح حكمًا على العقل العربي في أنماطه الثلاث منه
في الجزء الثاني الذي كان نَفَسُه فيه ممتدًا منتظمًا ودراسته فيه أشمل وأوسع،
وعبارته فيه أهدأ، وحكمه فيه أضبط وأكثر اتزانًا.. فنحنُ نراه في بداية الجزء
الأول يدعو إلى "قطيعة معرفيّة" مع "الزمن الثقافي" الممتد من
العصر الجاهلي إلى العصر الحديث، وهو يدعو إلى ذلك بعد أن يرمي جل ما في هذا الزمن
بـ "الاجترار الثقافي" نجده يفعل ذلك دون أن يبني المقدمات التي تستوجب
منه هذا الحكم، وقد دعا إلى مثل هذا في الجزء الثاني غير أنه جعل هذه الدعوة في
آخر الجزء بعد أن قدم بمقدماتٍ طويلة يعرف بها الناقد كيف تأدّى إلى هذا الحكم..
ومن ذلك المخاض أنّ الجابري بعد أن قسم
قسمته المثلثة، شرع في الكلام عن العرفان وأرجعه رأسًا إلى المذاهب الهرمسيّة قبل
الإسلام، ولعل هذا مما تأثر فيه الجابري بطه حسين إذ كان طه يحيل كثيرًا إلى
اليونان في دراساته، وفي هذا اختزالٌ لم ينجُ منه الجابري في جزئه الثاني الذي
استوعب فيه القراءة واتسع فيه اطلاعه؛ لأنه كان قد توسّع في هذا القول وأورده مورد
القطع وبنى عليه دراسته وأرجع جل ما للمتصوفة والشيعة والفلاسفة الباطنيين من
العقائد إلى الهرمسية اليونانية، وتكلّف كثيرًا في التشبيه والمماثله.
ولعلّ مما تأثر به الجابري بطه حسين، هو
تكلّفه في إرجاع البواعث النفسية وكل ما يحرك التاريخ لأسبابٍ سياسية.. فكذلك نراه
يفعل حين يحكم على أكثر تواليف الغزالي بأنها كانت لأسباب سياسية (1/285) بل وكذلك
يُرجع محرك التدوين العلمي الأول في أول عصره إلى النزاع السياسي بين السنة
والشيعة(1/67)، بل هو يُرجع تعظيم السلف إلى مثل هذه الأسباب (2/135)
***
نمضي مع الجابري في الجزء الأول فنجده
يمضي في الحديث عن العرفان، فبعد أن يرجع الجابري "العرفان" إلى الأصول
الهرمسية، يسمي النظام القائم عليه، بـ "العقل المستقيل" وفي هذا حكم
على هذا العقل العرفاني يقضي بكونه قد استقال من وظيفته، ونحنُ إن كنا نختلف مع
الجابري في البحث عن أصول التصوّف إلّا أننا ننتهي إلى ما انتهى إليه من هذا الحكم
وإلى ما انتهى إليه من النتيجة التي تقضي بضرورة ترك هذا العقل، ورفض أن تؤسس عليه
نظرية المعرفة الإسلامية.
ثم بعد ذلك يتناول الجابري نظام
"البيان" النظام المعرفي القائم على سُلطة اللفظ، ويكاد يجعل مناقشته في
الجزء الأول مناقشةً لفظية تتناول اللغة دون ما أنتجته من أفكار، ويسمي الجابري
المنتسبين إلى هذا النظام فيجعله ينتظم النحاة والمذاهب الكلاميّة والمذاهب
الفقهية..
ثم يسير إلى تناول البرهان، وهو لا
يُطيل التفصيل فيه كما يُطيل التفصيل في النظامين السابقين، غير أنّه يُرجعه إلى
أرسطو بالطريقة التي قرأه بها الغربيون أو بالطريقة التي رضيها الغرب من الفلاسفة
الإسلاميين في حضارته الحديثة، ولا يكاد يخلص عند الجابري إلى هذا النظام من
الحضارة الإسلامية، سوى بعض المشتغلين بالعلوم التجريبية من الطبيعيين كابن الهيثم
والبطروجي وسوى ابن رشد من الفلاسفة.. ثم يخلص الجابري إلى نتيجة يقضي فيها بأن
تأسيس البيان على العرفان هو سبب الانحدار وهو أول عصر الانحطاط، وأن ما ينبغي
للنهوض بالعقل العربي هو أن يؤسس البيان على البرهان، فهذه إذن نتيجةٌ وصل إليها
الجابري بعد عرضٍ هو أقل في النسبة من التحليل إذا ما قارناه بما في الجزء الثاني
الذي توصل فيه إلى ذات النتيجة بعد عرضٍ مسهب وتحليلٍ أقصر نَفَسًا من سابقه أو هو
إذا قارناه بطول العرض وجدناه أقصر مما كان يُظن بالجابري لو سار على طريقته
الأولى في الجزء الأول.
***
ربما حين وصل الجابري إلى هذه النتيجة
كان قد لَحِظ أنّ البيان وسطٌ بين طرفين، وأنّ البيان هو جوهر الثقافة العربيّة..
وهذا لحاظٌ لم يغب عنه في بداية البحث لكنّه لحاظٌ كان له حضورٌ أجلى في النتيجة وكان
من بعض شأن هذا الاستحضار أن ألزمه حين أراد أن يبتدئ الجزء الثاني أن يبدأ في
عرضه بالبيان..
والذي نلحظه في الجزء الثاني أنّ
الجابري كان قد بدأ قراءةً جديدة لم يكن قد قرأها في الجزء الأول، نلحظ ذلك في
هدوء الجابري في تقرير الأحكام كما نلحظه في ارتقاء لغته وأسلوبه في بعض المواطن،
ذاك الارتقاء المؤقت الذي يتأثره الكاتب من طول القراءة في كتب التراث، فالحق أن
الجابري على سعة اطّلاعه ووضوح فكرته لمن تمثّل أساليب الحداثة، إلّا أنّ بلغته
ركاكةً لزمته مما تمثّله من مناهج الحداثيين الذين يترسّمون طرق الباحثين
التجريبين ومناهجهم واصطلاحاتهم في الكتابة والتحليل، فالجابري -كغيره من
الحداثيين- يُكثر من استعارة قاموس العلوم التجريبية وهو يحوم طويلًا على المعنى
بهذه المصطلحات العلميّة التي تفخّم المعاني الهزيلة، ولو اطّرحنا هذه المصطلحات
لكان كثيرٌ من القرّاء الحداثيين يقنعون بأن يجعلوا هذه الدراسة من قبيل دراسة
التاريخ بمنهج الوصف والمقارنة، أو قد يجدون أن للجابري سلفًا يتأثره.
نعود إلى الجزء الثاني الذي بدأه
الجابري بالحديث عن البيان، لنجده يجعل هذا النظام جامعًا للمذاهب الفقهية بمدرستي
الحديث والرأي بلا تفريق، ويجعله كذلك جامعًا لفرق متكلمي أهل السنة في معنى السنة
الذي يقابل الشيعة لا البدعة وهو معنًى فسيح! ومع أنّه يعني المنهج العقدي السني
باختلاف مناحيه إلّا أنّنا نلحظ أنّ قراءته مقتصرةٌ على مذهب الأشاعرة ومذهب
المعتزلة، على غير أحكامه التي يجعلها أحكامًا تعم من ينتظمهم -عنده- نمطُ البيان
بكل فِرقه التي حددها.. وكذلك يسلك في "البيان" النحاةَ بمذهبيهم، مذهب الكوفيين
ومذهب البصريين وهما مذهبان يفترقان في التقعيد والقياس، وكذلك يسلك في هذا النمط
البلاغيين على اختلاف دوافعهم العقديّة وآرائهم في قضايا الإعجاز وقضايا البلاغة
الكبرى.
وهو يبدأ بالنحاة من البيانيين، فيدرسهم
من خلال ثنائيةٍ يعقدها بين اللفظ والمعنى ليخلص إلى أنّ البيانيين رجّحوا سُلطة
اللفظ على سلطة المعنى، وفي تضاعيف ذلك يذكر منهج النحاة في القياس ويضعّفه وهو في
ذلك يُلاحظ مذهب البصريين الذي أكثروا فيه من التقعيد والقياس، لكنّه يشمل مذهب
الكوفيين في الحكم الذي بناه على أصول أهل البصرة، وكثيرًا ما يفعل الجابري ذلك.
وهو يذكر الجدال الذي كان بين النحاة
والمناطقة ويتوسّع فيه ويشرحه شرحًا جيدًا ثم يعرض إلى أصول النحو ثمّ أصول
البلاغة وتطورها من الجرجاني حتى استوائها في مرحلة التقعيد عند السكاكي، وهو لا يعزو
الجمود الذي طرأ على الدروس البلاغيّة إلى منهج الكتّاب الذي تُكتب فيه المتون على
نحوٍ من الإلغاز ثم يُدار العلم حولها شرحًا وتحشية وتعليقًا، بل هو يعتذر للسكاكي
بأنّ هذا الجمود كان منطقيًا متوقعًا إذ إن الجمود عنده عائدٌ إلى مخزون العلوم
البيانيّة الذي هو عنده قد آل إلى النفاد. فالجابري يرى أن العلوم البيانيّة علوم
قاصرة، وأن الجمود الذي كان قد لزم البيانيين ليس هو من الجمود الذي تفرضه
المؤثرات الخارجية، بل هو جمود متأصلٌ في بنية تلك العلوم، فهو إذن جمودٌ حتميٌّ مقضيٌ
به لا محالة!
ثم ينتقل الجابري إلى الفقه ليدرسه على
ما عقده من مقابلةٍ ثنائيةٍ بين الأصل والفرع، مستحضرًا "الثنائية"
الأولى ببن اللفظ والمعنى، ليعمد بها إلى عرض أصول الفقه كما نظمها الشافعي، ثم
يناقش مصادر التشريع الأربعة ليأتي عليها بالنقض والتضعيف أصلًا بعد أصل، وهي
نتيجةٌ بدت في العرض المسهب هادئةً تظهر على استحياءٍ ثم تخفت، إلّا أنها تجلّت
واضحةً صريحة الملامح في آخر الكتاب لا يسترها حجاب، فالجابري في آخر الكتاب يدعو
إلى زعزعة أصول الفقه الأربعة: الوحيين الذي يعبر عنهما باللفظ، والإجماع الذي يسميه
سلفًا، والقياس الذي ينقمُ منه ارتهانه للعلل الفقهية[569]
والجابري بعد ذلك وقبله يدعو إلى إتاحة
النص لكل تفسير وهو يُلمح إلى ذلك حين يستفهم استفهامًا إنكاريًا عما إذا كان
القرآن سجينًا لمفاهيم العرب أم أنّه قد جاء ليتجاوز بهم جاهليتهم، وهو استفهام لا
يلزم -كما يُرى- من إجابتيه كلتيهما أن يُسلّم له ما أراد.
وهو يقرر أن القرآن لا يؤسس لطريقةٍ في
الاستدلال وكل ما فيه تنبيه وتوجيه وأنّ البيانيين هم من حمّلوه فوق ما يحتمل بأن
جعلوا من وسائل التنبيه قواعدَ للاستدلال أسسوها على "مرجعية" هي عالم
الأعرابي. وبهذا يريد أن يزعزع النص، وهي محاولة حداثيّة لا يكلّف نفسه فيها بالتزام
منهجٍ من مناهج التراث، ولكنّه حين يريد أن يزعزع الإجماع، نجده يحاول ذلك من داخل
التراث بالاستشهاد بغير واحدٍ من العلماء، وفي هذا السياق يذكر ما أسلفناه من أنّه
يجعل تعظيم السلف "حالةً" من المقاومة كانت هذه الحالة ردًا على طغيان
الساسة.
وفي محاولة زعزعة القياس تجده يضعّف
قياس التمثيل الفقهي ويتطلب فيه أن يفيد اليقين ليسلم عنده من استحقاق الزعزعة، وهو
يقارنه بالقياس المنطقي المبني على المقدمات التي يلزم من ثبوتها ثبوت النتيجة،
غافلًا عن ظروف الموضوع وروح التشريع.
ثم ينتقل الجابري لعرض العقل البياني في
العقائد، وهو يدرسه على مقابلةٍ يجريها بين مفهومي الجوهر والعرض، ولعلّه من
الواضح منذ أن بدأ عرضه بهذه المقارنة؛ أنّه قد أغفل مذهب أهل الحديث والأثر لأنهم
لا يعنيهم النقاش الكلامي في الجواهر والأعراض ولا يثبتون الصفات ولا حدوث العالم
تأسيسًا على هذه النظريّة، قلتُ هذا بيّن ولكن الجابري يُصر على أن يشملهم في
العقل البياني وأن يجر حكمه على الأشاعرة والمعتزلة ليشمل به مذهب السلف، وقد
يتناول الجابري القاضي أبا يعلى الحنبلي طلبًا في توسيع دراسته، لكنّ الحقيقة أنّ
القاضي في كثيرٍ من آرائه الأولى يوافق المعتزلة وهو لا يمثّل في ذلك مذهب
الحنابلة، فلا يجوز أن يكون مثالًا عليهم.
يمضي الجابري في عرض منهج المتكلمين
فيُحسن العرض إجمالًا غير أنه قد يحدثُ منه ألا يحكي مذاهب القوم بوجهها المبين
على طول عرضه وإسهابه، والحق أنه أحسن الشرح والتبسيط والتقريب لغير القراء
المختصين وهم مقصودوه بهذا الكتاب، فقد حكى أصول المتكلمين في مفهوم الجوهر الفرد
والخلاء وفي الحركة والسكون كما حكى أحوال الجبائي وكسب الأشعري وعقيدة الأشاعرة
في العَرَض ثمّ في الطبائع. وفي الحديث عن الطبائع ألزم عامّة أهل السنة بإنكار
السببيّة مستشهدًا بالأشاعرة وأبي يعلى. وهو يستدل بذلك وبمبدأ التجويز وغيره على
ضعف التعقّل البياني، ثم يرجع هذا إلى سلطة "اللغة" وسلطة الأعرابي
الأول، إذ النص لا يُفسّر إلّا بـ: "قالت العرب"
وبعد هذه النتيجة "القاطعة"
يذهب الجابري للبحث عن أصل مبدأ التجويز والانفصال وإنكار الأسباب وعن أصل القياس "الواهي"
في طبيعة الأعرابي الأول، وهو في ذلك يمضي على سنّة المستشرقين في ضروبٍ من
التكلّف والرمز والقياس بأدنى مشابهة وأقرب خاطر، فيُرجع قياس التمثيل إلى التشبيه
في الشعر العربي، ويرجع مبدأ التجويز إلى الانفصال "كما تكرسه البيئة
الصحراوية". ثم هو يرى أن ليس في علوم الجاهليين مكانٌ للسببية ويُرجع إلى
ذاك إنكارُ العقل الأشعري إياها، وفي هذا تجويزٌ كبير نستطيع على منهاجه أن نستدل
بسرعة الزمان وكثرة الشواغل وقرب المكان في العصر الحديث على ما اضطرّه إلى هذا
الرأي القائم على التجوّز والاجتزاء، ثم يكون ما حكمنا به عليه أقرب في حكم العقل
مما ذهب إليه من التكلف، ولا نكون قد أغربنا كما أغرب.. فالجابري يقع فيما ألزم
البيانيين به ويقتفي ما نعى به عليهم، بل هو يسلك في نقدهم ما يستحسنه العرفانيّون
الجدد أصحاب "العقل المستقيل" في الحداثة.
ثم بعد ذلك يرجع الكلام إلى
"العرفان" ليدرسه بمقابلاتٍ هي: "الظاهر والباطن"
و"الولاية والنبوة" يشرح بها مذاهب القوم بوضوحٍ وفّق إليه في عرض
المذاهب الغامضة وبعقلانيّة وفّق إليها في عرض المذاهب الشاطحة. غير أنّ الجابري
كان لا يدع التكلّف في القياس ولا يدع ما يأخذ به على العرفانيين من طلب العلّة
لأدنى مشابهة، من ذلك ما فعله حين ساق للقارئ رؤيا هرمس مرتبةً مقسّمة ثمّ رام
إرجاع أصول القوم إلى ما في هذه الرؤيا، ومن ذلك ما تكلّف فيه من محاولة التقريب
بين معنى "الاعتبار" في العرفان ومعنى القياس في البيان.
ولعلّ الجابري قد تنبّه إلى هذا التجوز أخيرًا
وأحس من نفسه مواقعةً للعرفان، إلّا أنه سرعان ما نفى هذا وسوّغه بمناهج
"العلم"، والحق أنّ ما يقع فيه الجابري مما يقع فيه أهل الرمز والباطن
والعرفان ليس لتحتيم العلم ولا لفرض الواقع، ولقد كان له -لو أراد- من العلم في مناقشة
العرفان مؤيدٌ ونصير، وكان له عن تكلّف ما استقبحه من العرفان مستمازٌ ومحول.
ثم يعود الجابري إلى شأنه من قصر البواعث
التاريخية على أسباب السياسة، فيجعل تشنيع الزركشي على الباطنيّة دون الصوفيّة من
ذلك، وفي هذا قلبٌ للنتيجة، فالعداء السياسي كان نتيجةً لعداوة الدين لا سببًا
فيه، والجابري يُخطئ في هذا كثيرًا لأنه يقيس "الشاهد على الغائب"، لأنه
يقيس هذا القياس الذي أطال في تضعيفه، وأمّا الشاهد هنا فهو عصره المضطرب بالسياسة
وحاله المنضوية في الأحزاب، وأمّا الغائب فهو تراثٌ لم يتمثّله حق التمثل، ولم يستوعبه
تمام الاستيعاب..
***
وفي القسم الثالث من هذا الجزء، يعرض
الجابري لـ "البرهان" ليدرسه في خلال "ثنائية" يضعها بين
"المعقولات والألفاظ" وأخرى بين "الواجب والممكن" يعنون بهما
فصليّ هذا القسم.
والجابري يجد في "البرهان"
حلًا لمشكلة العقل العربي، ولكنه إذا تحدّث في هذا الحل لا يُطيل، فقسم البرهان في
الجزئين هو أقصر الأقسام التي يدرس بها العقول الثلاثة.
وأول ما نجده في هذا القسم من الأحكام،
هو إرجاع البرهان إلى "أرسطو"، والجابري بذلك يطلب من العرب أن يحتذوا
حذو الحضارة الغربيّة الحديثة إذ أقامت حضارتها بابتعاث عقول اليونان، ولكن الجابري
لا يصرح بهذا وربما صرح بما قد يظنُّ أنّه ضده، لكن لسان الحال الذي ندرسه على طول
هذا العرض الفسيح غير لسان المقال الذي يُبين بذلك مرةً أو مرتين.
يعرض الجابري نظريات أرسطو في المحرك
الأول وفي العلم، ثم يعرض مذاهب شرّاحه.. والذي نجده هنا أنّه يحلل البرهان في
نظريته المعرفيّة عن طريق الفارابي وقد كان يجعله في الجزء الأول دليلًا على
العرفان، وكذلك يفعل بابن سينا إذ كان هو في الجزء الأول طريقًا لتحليل العرفان
وهو في الثاني طريقٌ إلى البرهان، والجابري يُحسن العرض في ذلك لأنّ البرهان عنده
قد يمتزج بالعرفان كما هو في بدايته عند المعلم الثاني والشيخ الرئيس، وهو يسوق
هذين المثالين ثم يجاوزهما إلى البرهان الذي يرتضيه..
والبرهان الذي يرتضيه الجابري هو
البرهان كما هو عند أربعة من الأعلام المغاربة، هم ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن
خلدون.. والناظر في هؤلاء الأعلام يجد أنّهم قد جمعوا في اجتماعهم ما يطلبه
الجابري من البرهان، وليس يخلص واحدٌ منهم إلى البرهان المرضي.. فالجابري يرتضي من
ابن حزم ذلك المنهج الذي ثار به على القياس الفقهي، لأنه يجد فيه مساغًا لـ
"فتح باب التفسير" وهو يرتضي من ابن رشد ما وافق به فلاسفة اليونان، وما
ضعّف به عقائد المتكلمين، ثم هو يرتضي من الشاطبي ذلك المنهج الذي يظنه الجابري
أنّه قد خرج به على أصول الفقه وأسس به المقاصد لتحل محل الأصول.. وهو يرتضي من
ابن خلدون ذلك المنهج الذي فسّر به بواعث الأحداث التاريخيّة على قانون الطبائع
والأسباب وهو منهجٌ يخرج به على أشعريته.. وعلى أنّ الجابري قد أشار إلى ابن تيميّة
في غير مرّة حاول فيها أن يوفّق بينه وبين ابن رشد أو بينه وبين ابن حزم إلّا أننا
نحسبُ أن الجابري لم يقرأ ابن تيميّة قراءةً جيّدة وإن كنّا نستيقن أنه لم يدرسه
كمثل دراسته لابن رشد أو لابن خلدون، فقد كان ابن تيمية غائبًا بل إنّ أتباعه
ومتبوعيه من قبلهم قد كانوا غائبين عن هذا المشروع، وأقرب ما نظنّه يجعلهم عليه
-لو كان قد درسهم- أنه يضعهم من مؤسسي البيان على البرهان إن هو رضي بابن حزم، أو
هم على الأقل يسلمون من جل ما نقد به عقائد "البيان" إذ إنهم بلا شك لم
يكونوا من أصحاب "اللحظة الأولى" هذه اللحظة الذي جعلها الجابري لحظة الغزالي
والرازي والإيجي في مقابل لحظة الثائرين على الأشاعرة، فكانت اللحظة الأولى عنده
هي التي استمرّت نحو التدهور والتراجع، على حساب اندثار اللحظة الثانية. ونحنُ لا
نحسب ذلك إذ نحسبه ونحن نتوقع أن يرتضي الجابري "العقل" السلفي،
فالجابري قبل ذلك وبعده حداثيٌ دعا في ختام بحثه إلى زعزعة الأصول وهذا بعض ما لا
يوافقونه عليه ولا يوافقهم به..
لقد ختم الجابري دراسته بعرض هذين
اللحظتين ثمّ نعى على العرب ارتهانهم.. سواءٌ عنده المرتهن للماضي الموروث أو
المرتهن للغرب للحديث وإن كان لم يتطرق لثاني المرتهنين إذ جعل وكده في بحثه هذا لأولهم.
لقد كان الجابري عروبيًا صادق النزعة ليس
في ذلك شك، لكن هل يعني ذلك أنّه قد سلم من عوارض الحداثة الغربية؟ أو أنه لم
يتأثر الثقافة الغالبة؟ لا بد هنا من لا.. وإنه إذا جاز للباحثين أن يقولوا: إن أعلام
النهضة الغربية قد أجمعوا -أو كادوا- على دعوة الرجوع إلى الثقافة اليونانية،
فإنّه يجوز لهم أن يقولوا إن الجابري قد نحا نحوهم ودعا لذات الثقافة، وهو في ذلك لا
يختلف عن بقيّة الحداثيين ممن دعا إلى مثل هذا، وله في ذلك سلفٌ هم أحمد لطفي
السيد وطه حسين وزكي نجيب محمود وغيرهم من كتاب النصف الأول من القرن الميلادي العشرين
غير أنّه ابتغى إلى هذه النهضة سببًا هو ابن رشد، وقد كان الجابري معظمًا لابن رشد
الحفيد وقد كان هذا الأخير مكبرًا لعلوم اليونان معظمًا لأرسطو، بل كان من وسائط
الغرب الحديث إليه.. فهؤلاء إذن سلف الجابري في التحليل أو في النتائج التي وصل إليها،
أمّا في القراءة فقد سُبق مشروع الجابري بأعمال أحمد أمين التي بدأها بـ "فجر
الإسلام" وختمها بيومِه، وببعض أعمال عبدالرحمن بدوي وشوقي ضيف..
والجابري كذلك لا يفترق عن بقيّة
الحداثيين في دعوتهم إلى بذل الوحي لكل مفسّر وإن لم ينتهج في ذلك طرق التفسير المعهودة،
وإلى هذه الدعوة وسابقتها، دعا حسن حنفي في مشروعه في تحديث التراث ودعا محمد أركون
في نقد العقل، ونصر حامد أبو زيد في نقد الخطاب وعبدالله العروي بـ"التاريخانية"..
ولكن الإنصاف يقتضينا أن نقول كلمةً نقطع
بها هذا الحديث فنقول: إنه وكما سلِم ابن رشد من كثيرٍ مما وقع فيه فلاسفة الإشراق
بشيء مما علق به من الثقافة العربية الإسلامية، فإن الجابري -الذي عظّم ابن رشد-
كان قد سلم من كثيرٍ مما دعا إليه الحداثيون من أقرانه وأهل زمانه، وقد أهدفه هذا
لنقدهم كما فعل جورج طرابيشي وغيره من الحداثيين، فكما نُقد مشروع الجابري من
اليمين فقد نقد من اليسار، أو كما نُقد من أعلاه من المختصين فقد نُقد من أسفله من
المناوئين، والذي يكاد يجتمع عليه النقاد من اليمين واليسار في مشروع الجابري هو
أنّه قد اختزل التراث أو شرّحه، وهو اختزالٌ بعضه من الدواعي التي تفرضها طبيعة
الأبحاث وبعضه من شح مصادر الجابري وباقي أبعاضه هي من قبيل الاختزال المُخل، أو هي
من الاختزال الموجّه. وهو ذلك الاختزال الذي يبعث الباحث على تكلّف البحث وإحكام قياده
وسوقه كرهًا إلى نتيجةٍ كان الباحث قد قررها قبل بحثه الثاني في التراث.
لقد كان الجابري يُعرض شديدًا عن
نقّاده، وكان ضجِرًا بالنقد، ولاشكّ أن هذا الباب من النقاش قد نقصه الإثراء بمثل
هذه الإعراض، فنحنُ نجده يقول في تقديمه للكتاب الثالث -بنفس حداثي- في سياق
الحديث عن "مسألة المنهج": "... ومن هنا أعتقد أن هذا الكتاب هو
حمال أقوال، ولكلٍ أن يفسره كما يشاء. وأعتقد أن كل طرف سيجد فيه ما يريده. وقد حاولت
فعلًا أن أجعله بهذه الطريقة مقبولًا عند جميع التيارات الفكرية بحيث يجد فيه كل
تيار شيئًا يعبر عن مطامحه أو عن إشكالياته، إن هذا يعني أني ألزمتُ نفسي فيه الحياد
التام... ومن هنا أقول إن آراء القراء لا تلزمني مادام الكتاب حمّال أقوال..."
فإن كان الجابري قد سدّ منافذ النقد في حياته، فإن من الواجب الذي نراه يليق
بمشروعه ونرى فيه خيرًا للتراث وللعرب في أزمتهم الراهنة هو أن نفتح القفل أو أن
نرفع المزلاج! للنقد مرةً بعد مرة..
تعليقات
إرسال تعليق