التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الْبَيْنُ المُحْتَار (1)


واصطلحا على الفراق.. وإنه لفراق ليس ككل فراق، ونحنُ لا نسميه فراقًا إلا إذا بسّطنا الأمور على غير ما تحتمل ولم نقبل فيها التعقيد والتركيب.. وليس التبسيط مطلوبًا في كل أمر فإن من الأمور ما لا يقبل التفسير إلّا على نحوٍ معقّد ليس فيه حدّان فحسب وإنما حدود، أو إن كان فيهما حدّان فإنّ الحلَّ لا يكون في هذين الحدين.. فليس إذا اختير في مثل هذه الأمور أحدُ المتقابلين؛ يُرفع الآخر بإطلاق بل هما متقابلان بينهما عرصات فسيحات فيها يجتمع الليل بالنهار والنور بالظلام والصمت بالكلام..

فلو أردنا تقريب الأمور؛ شبهنا الأمر بضربٍ من ضروب المسير مما لا يجوز فيه الحكم إمّا بالمضي مطلقًا وإمّا بالتوقف مطلقًا.. بل هو سعيٌ!! إن جاز أن نقول هو سعيٌّ ليس إلى وجهةٍ مقصودة أو هو تثاقلٌ أعرج إلى وجهةٍ واضحة مبينة!!

وكان صاحبنا يحاول أن يقول ذلك بكل ما أوتي من قدرةٍ على البيان غير أن صاحبته لم تكن تفهم إلا لغةً واحدة هي لغة الوضوح والبساطة، وحُق لها أن تفهم على ما تريد وأن تطلب منه ما تشاء، فهي أنثى ككل أنثى تطلب القرار والأمان، ونحنُ لم نطّلع على شيءٍ من أحوالها لكننا مما نعرفه في مثل هذه الظروف نقول إنها قد حزنت وساءها هذا ولا شكّ ولكنّه حزنٌ لن يثنيها عما قررت من الفراق لأنها وإن خبرت من شدة حبِّ صاحبها شيئًا إلّا أنها بحكم العقل تقول إن الحب لا يكفي في مثل هذه الظروف..

قلنا إنهما "اصطلحا" وهذا نقوله على التجوّز والمجاز والحقُ أنه اصطلاحٌ بحكم المآل وما انتهى إليه الحال، ولكنهما في الحقيقة لم يصطلحا على شيء، ولم يكن الأمر والقرار إليهما وإن كانا سببين في هذه النتيجة..

وهذه الظروف الملتبسة المضطربة استوجبت أن يأتي لكل واحدٍ منهما خبرُ الفراق من غير صاحبه..

أما صاحبنا فحين نُمي الخبرُ إليه كان في أعين مُخاطبيه بليدًا ليس له اكتراث، فشكّوا في أمره واستيقنوا.. أمّا الشك فقد شكّوا في أنه لم يسمع الخبر، وأمّا اليقين فقد تيقنوا مِن أنّه مَن سعى إلى الفراق ومَن طلبه طلبًا حثيثًا وإلّا فلمَ هذا الجمود؟ لقد اضطربوا في أمر صاحبنا بين الشك واليقين، وأمّا صاحبنا فقد وقع عليه الخبر ثقيلًا حدّ أنّه أصمّ أذنيه وأعمى عينيه، فقد كان له من داخل نفسه ما يشغلهُ عن كل صوت، وكان له من خياله ما يشغله عن كل مرأى..

ثم بعد هذه الجلبة المدويّة وهذا الامتزاج المتعسّف في المشاهد والألوان؛ أغمض صاحبُنا عينيه، وانسحب إلى عالمٍ مجهول في متاهةٍ ليست إلى غايةٍ تُرجى، وذهبت نفسُه إلى عالمٍ مُظلمٍ قفرٍ لا رائد به وليست تُعرف فيه الاتجاهات وقد خلا هذا العالم من حركة الزمان فلم يعد يرى فيه إلّا نفسَه من مسقطٍ علوي على كثيبٍ ممتد مهجور.. لقد كان يزعجه الهدوء! ويعييه الحديث. إذن لم يضطرب صاحبنا في أعين مُخبريه لا لأنه لم يضطرب على الحقيقة ولكن لأن هذا الاضطراب أراد أن يضربه في صميم كيانه دون أن يحرّك أركانه! وأقسى الحزن هو ذاك الذي لا يرضى بسلب مهجة المحزون فحسب، بل يجاوز ذلك إلى سلب كل انفعالٍ يستحق به المحزون الشفقة والمعونة. أو لعلّ هذا من خصال بعض النفوس التي يستوفي فيها الحزنُ مقاصدَه دون أن يصدر منها انفعالٌ يوجبُ لها التعزية والمواساة..

***

لقد وعِي صاحبنا وإذ الجمع قد تفرّق.. وقد تفرّق الجمع وهم يمحضونه الاحتقار كما محضه كل من علم الخبر، وإن كان من شفقة فهي الشفقة التي تتلوا الاحتقار لا الشفقة التي تبعثها العاطفة الصادقة المنطوية على فهم واقع الأمور المستوعبة لمآلات الأحوال. ولم يكن من شأن صاحبنا أن يكترث بما يُظن أو يقال، وما بهِ إلّا ما هو فيه من الذهول..

وذهب صاحبنا يحمل رأسه، وهو رأسٌ مثقلٌ بعقل لجوج لا يكفُّ عن الحساب والتقدير والظن والتخييل، وقد أزعجه هذا كما أزعجه الهدوء فإذن لقد كان يكره الهدوء في الخيال المسترسل كما يكره الصخب في الوعي الحاضر، أو لنقل إنه كان يزعجه الضجيج في هدوء خلوته كما يزعجه الهدوء في ضجيج الناس.. ولقد فزع برأسه إلى أصحابه لعلّهم يقطعون بسمرهم ما هو فيه من اتصال التفكير ودورانه في حلقةٍ لا مخرج منها، فلم تغنه كثرة السُمّار شيئا.

فذهب برأسه يحمله بين يديه إلى خلوةٍ ظنّها بعيدةً عن السمّار ولكنّه فُوجئ بصاحبته جالسةً حيثُ لا أحد إلا إياها والليل البهيم ولم يكن يمنّي في ساعته غير هذا فكيف أكرمته الأقدار؟ وقد ظنّها حربًا عليه؟  

***

ألقى التحيّة كما ألقى جسمه الثقيل على كرسيّه الهزّاز..

فردّت عليه تحيتَهُ وهي مطرقة.

-  ثم قالت: أيرضيك ما صرنا إليه؟

-  فقال واجمًا مجمجمًا: لا! نعم!

فسمعت ما قال لكنّها لم تحقق ماذا أخرّ من الإجابة أقال نعم أم لا؟ ولم تحفل بهذا الشك كثيرًا إذ قطع عليها:

-  وقال: وماذا يعنيك إن علمتِ؟ ألم تختاري هذا الذي صرنا إليه؟

-  قالت: هذا صحيح كما أنه لا يعنيك أن أُجيب على سؤالك.

-  فقال: بل يعنيني! يعنيني! فإن لم تقبلي الفراق فمن هو الذي ناب عنك في القبول؟

-  فقالت: لكنّك لم تطلب الفراق حتى يُقبل أو يُرفض!

-  فقال: آه نعم.. أنا لم أطلب الفراق يا حبيبتي وإذا لم يكن ثمّة طلب فلن يكون قبول كما قلتِ.. فلمَ افترقنا؟

تنهّدت صاحبته وقالت:

-  أنتَ لم تطلبه ولكنّك مضيتَ فيه واخترته ولم تنتظر أن تَطلُب.

أمسك صاحبنُا برأسه وقال:

- يا حبيبتي والله لم أطلبه ولم أختره كما أنّي لم أطلب ودادك ولم أختره.

-  فقالت: إذًا لقد قبلتُ وصالك بلا طلبٍ منك ولا اختيار فما عليّ أن أقبل فراقك بلا طلبٍ منك ولا اختيار؟ إنك أنانيٌ تريدُ لذّة وصالٍ ليس له تبعات وأنّى هذا الوصال؟

-  فقال: لا والله يا حبيبتي ولكنّي في حالٍ لا تُسعف وإني ما زلتُ أؤجلُ هذا الأمر حتّى خشيتُ أن أكون قد ظلمتُك بهذا التأخير، وما زال قلبي يصدّق مقالتك، ويقفُ معك ضدّي، ويُلحُّ عليّ بالتأنيب حتّى ضقتُ به وعزمتُ على الراحة من هواجسه، وارتأيتُ ألّا أضرّك بهذا الوصال المنهك، ولا سبيل إلى ذلك إلّا أن أترك لك القرار فإن شئتِ بقيتِ على وصالٍ لا أضمن اكتماله ولكنّي إن سنحت الظروف أكمّله لا محالة، وإن شئتِ مضيتِ لما ترين فيه صلاحَ أمرك، والعذر لك موفور وليس عليكِ ملام إن حرتي في أمري فأنا في نفسي أشد منك حيرةً.. وأطرق مُسهمًا..

ثمّ استأنف صاحبنا حديثه ملتفتًا إلى صاحبته:

-     ولكنّي والله مع ذلك أُحبك يا… 

ولكنّه لم يجدها حيثُ التفت.. ولم يجدها في أي مكان ولا يدري أكانت هناك حقًا أم لا؟ لكن الذي يحققه من كل هذا هو أنها لا وجود لها الآن على كل حال وأنه قد تاه بمتن قصيدة على بحرٍ لجُّي تغشاه أمواج من ظلام، قد علم مطلعها وقصر عن إدراك مقطعها.. لقد كان صاحبنُا في البحر لكنّه صدئٌ ضمآن وأنّى للغريق أن يرتوي بالماء وفي الماء مهلكه..

غابت.. وكانت في هذه الإلمامة أقتل منها في كل غياب وحضور.. غابت.. وتركته نهبًا لطوارق الأفكار وسلبًا لجحافل الظنون والأوهام.. غابت وفي فمه ماء وما زال في صدره كلامٌ وكلام..


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...