قلنا
فيما سبق وما زلنا نقول قولًا تصدّقه الوقائع والأحداث كما يصدقه التاريخ في كل
طورٍ من أطواره الماضية، قلنا إن الصهيونيّة منطقٌ هدّام يحمل في طيّاته بذور
تقوّضه كأي منطق هدّام.. وكذا دولة الصهاينة "إسرائيل".
فهي
النموذج العملي لهذه الفكرة النظريّة، فأحرى أن يسري إليها التقوّض والانهدام قبل
منطقها النظري؛ فإن العيوب أظهر في التطبيقات منها في الأفكار.
ونحنُ
نقول إن إسرائيل دولةٌ متناقضة تحمل بذور انهدامها فيها لأنها:
«قائمةٌ
على عداء العرب والمسلمين! ولا سبيل إلى بقائها إلّا بالسلام مع العرب والمسلمين»!
وهذا
تناقضٌ صراح ليس أبين منه في كل مكان وزمان!
وإسرائيل
الآن دويلةٌ لا تستقر على أقدامها، وهي تعتاش على دعم القوى الكبرى، ولا تطيق أي
دولة مهما بلغت قوتها أن تعيل دولةً أخرى منفصلةً عن محيطها وعن محيط الدولة
الراعية على الدوام، فلا سبيل إذًا إلّا أن تعقد السلام بينها وبين جيرانها..
إذًا
شرطُ وجود إسرائيل هو دعم القوى الكبرى.
وشرط
بقائها هو السلام مع جيرانها..
ومتى
ما انتفى شرط البقاء فإن شرط الوجود مهددٌ في كل حين.
إسرائيل
ليست دولةً طبيعيّة لا في نشأتها ولا في ظروفها، ولابدّ لها -للاستقرار- من أن تقوى
صناعتها وتجارتها قوةً فارقة، وإذا استمرّت المقاطعة العربيّة فإن إسرائيل مضطرّة
أن تجلب المواد الخام من أقاصي الأرض، وهذا يزيد في تكلفة المنتجات على زيادتها
المعروفة بسبب زيادة أجور العاملين التي فرضتها عليها ظروفها المرتبكة، ولا حاجة
للمستهلكين أن يشتروا المنتج الإسرائيلي بأبهظ الأثمان وهو متاحٌ لهم أن يشتروه في
كل وقت بأقل من هذا الثمن.. وأمرٌ آخر يهدد تجارة إسرائيل وصناعتها وهو أنّها ليس
لها سوقٌ قريب تبيع فيه منتجاتها فلا بد إذًا من تكاليف الشحن الباهظة فوق ما
قدمنا من تكاليف.
فإسرائيل
مهددةٌ في أصل بقائها بمقاطعة العرب! وهي تسعى لاستسلامهم -الذي تسميه تطبيعًا-
لتبقى، لكن حتّى هذا التطبيع المزعوم إنما تريده على شروطها، فهي تُريد ويُراد
منها أن تكون قوةً اقتصاديّة وصناعية لا تُضاهى في محيطها فوق قوتها العسكريّة،
وهي لا يكفيها أن تكون أقوى من كل دولةٍ على انفراد بل تريد أن تكون بمفردها أقوى
من جميع دول المنطقة مجتمعةً، مع أن تساويها في القوّة مع مجموع دول المنطقة يعني
تفوقها، لأن القوة التي تستأثر بها دولةٌ واحدة ليست كالقوّة الموزعة بين الدول..
ومع ذلك فالغرب في خطابه للشرق الإسلامي يجعل العرب في جملته مقابلًا لإسرائيل،
فإذا امتازت السعودية بالطاقة فلا بدّ في ميزان العدل الغربي أن تُؤمّن إسرائيل
بالطاقة وإذا امتازت الجزائر بالقوة البحرية فلا بد أن تكافئها إسرائيل وإذا امتاز
أي قُطر من الأقطار العربيّة بالمال أو الإعلام فلا بد من قبيل العدل والمساواة
عند الغرب أن تكافئها إسرائيل..
قلنا
إن إسرائيل تحمل في أصلها تناقضًا كفيلًا بأن يقوّضها، فإسرائيل تسعى للأمن وتريد
من العرب أن يبذلوه لها ليزدهر اقتصادها وتزدهر صناعتها لتكون نتيجة هذا الازدهار
هيمنةً اقتصادية وحربيّةً مطلقةً تشل التجارة والصناعة العربيّة لتبقى الدول العربية
عالةً على إسرائيل في أمنها ونموّها، أو لتبقى هذه الدول كياناتٍ اقتصاديّة مهمّشة
ليس لها دورٌ إلّا الاستهلاك بكل ما يحمله الاستهلاك من الضعف والخمول.
والذي
نراه أنّ العرب ليسوا في حاجةٍ إلى إسرائيل حتى في ظروفهم الحالّة بهم، وليسوا هم
بمحتاجين إليها في مستقبلهم القريب ولا البعيد.. هذا مع أنّ الحق والالتزام
يقتضيهم ألّا يدعوا المقاطعة حتّى في شدّة الاحتياج أو في ضرورة العيش.. ولقد
قاطعت دولُ أفريقية الفقيرة دولة َجنوب أفريقية حين كان لها نظامٌ قائمٌ على
الفصل العنصري، قاطعتها الدول الأفريقيّة على شدة احتياجها لجنوب أفريقيّة واستغناء
جنوب أفريقيّة عنها..
قلنا
إن الحقّ والالتزام يقتضي العرب ألّا يدعوا المقاطعة، وهذا هو الاتساق الطبيعي
الذي يسلّمه كل عاقل بل يسلّمه المعتدي الذي يقاطعونه، وقد قال بن غوريون -أول
رئيس وزراء للكيان للصهيوني-:
"لماذا
يجب على العرب أن يجنحوا للسلام؟ لو كنتُ زعيمًا عربيًا ما تصالحتُ مع إسرائيل..
هذا طبيعي لأننا ببساطة اغتصبنا بلادهم".
نعم
هذا طبيعي وهو الذي تسري به قوانين العدالة، وقد حسبنا أنّا في غناء عن التذكير
به، لولا أنّا رأينا مَن انتكست بهم الطبائع حتى رأوا حسنًا ما ليس بالحسنِ.. ولقد
رأينا مآل هذا التطبيع فلم نجد له امتيازًا يقوّي العرب، بل رأيناه قيدًا زاد في
الإحكام وغُلًا زاد في الإثقال، فقد رأينا من أعلن تطبيعه -تخففًا من الضغوط
الدوليّة أو طلبًا لنوعٍ من الامتياز في التحالف-كيف زادت عليه الضغوط، فمن كان
يُدفع للتطبيع وظنّ أنّ في التطبيع تخفُفَهُ، صار يُضغط عليه للتمويل ولدعم
المواقف الدوليّة وللخدمة في أسواق الطاقة ولبنود السياحة والتنقل وغير ذلك من ضروب
الضغوط. ومع ذلك فلم نرَ أنّ في ترك المقاطعة ما يؤهل هذا الكيان المتوحش أو يرقق
من حدة سُعاره ويهدئ من سورته ويروّضه في بعض ما هو به من التمادي والغطرسة.
إنّ
إسرائيل تطلب "السلام" من العرب لأن به استقرارها، ومع ذلك فهي لم
تتقدّم بمبادرة سلامٍ واحدة منذ أن أُعلن قيامها احتلالًا على الأراضي العربيّة
المقدسة.. وتطلبُ إسرائيل السلام وهي ترفض كل مبادرات السلام العربيّة حتّى مبادرة
الملك عبدالله التي تُسمى "حل الدولتين"، تطلب إسرائيل السلام ويقتضيها
التناقض ألّا تطلبه! فهي الدويلة الوحيدة التي ترفض تعيين حدودها! يعني أنّها تطلب
السلام والاعتراف من الدول المحيطة بها وهي لا تضمن لهم ألا يكون اعترافهم
اعترافًا بدولةٍ قد تمتد إلى أراضيهم..
لا
تريد إسرائيل بذلك من العرب أن يكشفوا صدورهم استقبالًا لطعناتها بل تريد منهم أن
يحملوا معها الخنجر ويطعنوا أنفسهم.. وهذا وإن قبله جيلٌ وجيل فليس هو بالمقبول من
الطبيعة البشريّة ولا هو بالمقدور لها في كل جيل.
هذا
تناقض واحد خصصنا القول فيه هنا، وإلّا ففي إسرائيل من ألوان التناقض ما يُبشّر بقرب
زوالها متى ما واجهت قوةً لا ترضخ لمنطق الانهدام ولا تعدّه عقلًا صحيحًا.. ومتى
ما وُجدت هذه القوّة فدولة الصهاينة إلى زوال لأنّ منطقها علةٌ لازمةٌ لها، فهم
قومٌ وُصفوا في محكم التنزيل بأنهم: "قومٌ لا يعقلون"، "ضُربت
عليهم الذلة" في نفوسهم وعقولهم..
ونحنُ
حين ننزّل آيات القرآن الكريم على الصهاينة المُحدثين، نعي تمامًا الفرق بين بني
إسرائيل في ذلك الزمان وبين الصهاينة في العصر الحديث، نعي الفروقات وملابسات
الأحداث في كلا التاريخين.
ونحنُ
حين ننزل الآيات فيهم لا نقصد الجبريّة الجينيّة ولا نؤمن بقهرها المتصل منذ الجيل
الأول. ولكننا حين ننزلها؛ ننزلها لأننا نلحظ شدة أسر الثقافة اليهوديّة على
أبنائها، أعني بذلك المرتهنين للتوراة والتلمود والملتزمين بها، وكذا نلحظ اتفاق
الطبائع الصهيونيّة مع اليهوديّة القديمة المتجسدة في بني إسرائيل، وليس هذا
الاتفاق لأمرٍ جيني، وإنما هو لتكرار الانحراف القديم.
وهذا
الانحراف المتكرر في العقيدة والسلوك -الذي نراه في عقائد التجسيد والحلول،
والتكبّر والعلو، وفي الانحلال الخُلقي والإباحية المُفرطة والتقلّب بين النِّحَل المنتكسة والعلمنة المرتكسة- هو
الذي يُوجب في حقهم تلك الذلة التي ضربها الله عليهم.
***
وأمّا
فيما يخص الحرب الراهنة في غزة، فإنّا نرى أنّ على الدول العربيّة أن تُدرك أنّ
نصر غزّة واجبٌ عليها وضرورة استراتيجية كما يُقال، فإن لم يكن لدوافع الدين
والدم، فلتكن نصرتهم لدوافع المنفعة.. نعم للبراغماتيّة السياسيّة.. لتكن غزّة
ذراعًا وظيفيًا يحقق مصالحها في استنزاف الاحتلال كما أنّ إسرائيل كيان وظيفي يضمن
الغرب به مصالحه في المنطقة.
وعلى
العرب بذلك أن يحولوا إسرائيل من عمقٍ استراتيجي للغرب إلى عبء استراتيجي تكاليفُه
أكثر من منافعه، والفرص الآن مواتية، فأروبة مترهلة، والمهاجرون فيها وصلوا لدوائر
القرار، والتعاطف الشعبي مع قضيّة فلسطين في أحسن ظروفه، والغرب يخشى من ملء روسية
والصين لفراغ المنطقة.
إنّا
لا نطلبُ من الدول العربيّة الآن أن تشتبك مع الكيان، إنّ أقصى ما يُطلب -في هذه
الظروف- هو أن تقاطعها مقاطعةً صادقة وتعزلها عن محيطها عزلًا تامًا، وأن تكون لها
مقاومةٌ تُدعم في الداخل. إن أمريكا ليست بحالٍ يسمح لها أن تتخلّى عن حلفائها
العرب ولا أن تنحاز لإيران إن هم أبدوا لها بعض التجهّم، فإذًا لدى الدول العربيّة
متسعٌ من الأفعال الرادعة التي توازن بها الأحداث الجارية، دون أن تخسر الحليف
الأمريكي! ومن الخير للمنطقة أن تتحرّك الدول وفق هذه الموازنات على أقل تقدير،
لأن الهوان يُغري بالإهانة والسكوت يغري بالتمادي، سُنّة الله في خلقه ولن تجد
لسُنّة الله تبديلا..
ماشاءالله تبارك الله، الله يجزاك خير على هذا التحليل الخارج عن الزوايا المنظور منها اليوم وعلى إسقاط الآيات في هذا السياق إسقاطا جميل ♥️ اللهم انصر اخواننا المسلمين في كل وقت وحين
ردحذف