انقضت شهران أو ما يزيد على الشهرين، والعنوان الذي يجوز أن نُسمّي به هذين الشهرين فلا نكون قد عدونا الحق، هو: "العيش في الافتراض" وهو عنوانٌ طويل لو أردنا اختزاله لقلنا "الاغتراب"، فهو اغترابٌ عن الواقع نغتربُ فيه عن أنفسنا كذلك، وهو عيشٌ في الافتراض نهربُ به عن مواجهة الأعباء والتبعات..
أقول
ذلك في الشهرين الماضيين اللذين وافقا أحداثًا ملتهبة ألزمتنا الهواتف والشاشات
ساعاتٍ طوال واستحوذت على كل ما لنا من شعور.
والحقُ أنّ العيش في الافتراض هو سمة العصر
كلِّه في كل حدثٍ من أحداثه وفي كلٍ شأن من شؤونه الكبيرة والصغيرة، فلا داعي إذًا
إلى أن نشير إلى الأحداث الجارية إلّا لتكون مدخلًا للوصف دون الحصر والاقتصار على التمثيل..
والعيش
في الافتراض هو سمة الممرورين المشتركة على اختلاف فنون الجنون، وهي سمة هذا العصر
المحموم الذي يسير إلى الجنون سيرًا حثيثًا، وأحرى الناس بهذه الصفة فيه هم
المشاهير الذين يلزمون الكتابة والتصوير، فإنهم أبعدُ الناس عن واقعهم، وقد كان
هذا الاغتراب شأنُ المشاهير في كل عصر، ولكنّه في هذا العصر أشبه بداء الجنون من
كل عصر، لأنّ المشهور في قديم الأزمان كان يخاطب بالكتابة أناسًا لا يراهم أو يقصد بالفعل
إسماع البعيدين ممن هم غائبون عنه، ولكنه لا يشتهر فيهم إلّا ببعض ملابسة الواقع، فالأعلام الذين يكتبون الكتب أو يعلمون العلم
أو يعرفهم الناس بأي فضيلة أو بأي رذيلة إنما كانت تقتضيهم الشهرة أن يخالطوا
الناس ويشتبكون مع الواقع في كثيرٍ من أموره وأحواله، ولكن المشاهير في هذا الزمان
قد يشتهرون من مقام العزلة والمنفى، وقد يصلون إلى الناس وهم يعتزلون الناس.
ومع
ذلك فإن الإنسان في عالم الافتراض مضطرٌ لأن يراعي وجوهًا تراه ولا يراها، وأصواتًا يُسمعها ولا يَسمعها.. وهو مضطرٌ لأن يلبي رغائب الناس على حساب رغائبه الجادة..
فهو مسيرٌ بمختلف الأهواء.. وهذا أمرٌ يلزم منه لزومًا مُلحًا أن يدع هذا المشهور
حياته التي مضى عليها الإنسان قرونًا فسيحة في واقع يحياه بكل التزاماته المقدّرة
ونتائجه المخبورة ليُلاحق حياةً لذيذة المعاش تعطيه شعورًا من الامتلاء والتقدير
والاهتمام لم يكن خبره في حياته الواقعية أو ربما ما عرفه إنسانٌ قديم بالغ ما بلغ
من المكانة وذيوع الصيت، ولكنّ هذا المشهور مع ذلك لا يعرفُ نهاية هذه الحياة
وتبعاتها، بل هو لا يعنيه أن يعرفها لأنّه مستغرقٌ في اللذة الراهنة لا يريد أن
يغادرها بالتفكير في المآلات.. ونحنُ في هذه اللحظة من التاريخ نعيشُ لحظة ارتباكٍ في تعاملنا مع التقنية المتطورة والتواصل السريع، فحياة الافتراض عند كثيرين هي
حياة الواقع، ولا فرق، فما دام أنّ حياة الافتراض جالبةٌ للتقدير ومُدرّة للكسب
فما عليها بعدُ أن تكون حياةً افتراضية؟ ولكنها عند كثيرين غيرهم أو عند هؤلاء
أنفسهم لا تكون هذه الحياة بالحياة المرضية في كل حين، لأنها حياةٌ قائمة على
الاستنزاف من الصحة والأمن والانتباه والخصوصية.. فالمشهور الذي يعرض نفسه على
الناس كأنه ذلك المهرّج في ساحة السيرك العظيم الذي تنتقل معه بقعة الضوء من مكان
إلى مكان أو هو يلهث خلف هذه البقعة وعليه أن يبدّل دومًا من هيئته ووضعه كي يُلهب
الجمهور أو يُبقي على الدهشة الأولى على أقل تقدير، وفي بقعة الضوء يُرى المهرّج
على أوضح المرائي ولكنّه لا يرى من الجمهور أحدًا متشخصًا يعرفه بملامحه الممتازة،
بل إنه في كثيرٍ من الأحايين لا يُحقق وجود الجمهور إلّا بإشارة البدء من مقدّم
المهرجان الذي هو كزر الكَمِرة في حياة المشاهير، وعلى ممثّل السيرك أن يكون على
حالٍ واحدة وملامح جامدة، يقسرها على الضحك والابتسام، ولا يهم بعدُ ماذا يكون من حاله بعد
انقضاء العرض أو قبله أو ماهي أحواله الحقّة في أثنائه.. ليس شيئًا من ذلك يهم
الجمهور أو المنظمين إن كان المهرج يلبّي رغائب الحضور على ما يتوقعون.
ثم تضاء أنوار المسرح أو يُغلق "المؤثر" كَمِرته أو يطوي الكاتب صحيفته، ويتفرّق الجمع أو يختفي الجمهور المُتخيّل، ليعود المهرّج إلى معالجة الواقع الكئيب.
وبين
أهل الافتراض وأهل الواقعٌ فئامٌ من الناس ما أخذوا فضل التركيز على الواقع ولا
مزيّة العيش في الافتراض، هم القرّاء المغتربون.. فالقرّاء المغتربون أبدًا في انفصالٍ
عن الواقع يصَلون عذاب الاغتراب ولكنهم مع ذلك لا يجنون منافع الافتراض من الشهرة
والكسب، فهو اغترابٌ وخمول..
والقارئ -على كل تصنيف- مغتربٌ عن واقعه لأنه مأخوذٌ بتطلّب الكمال فيه، وذلك من طول مجالسته للنابهين وطول قراءته لآرائهم بعد الرويّة والتنقيح، ولأنه يجالس في الغالب أُناسًا لا تجمعه بهم أبعاد الزمان والمكان، وهم أناسٌ يجوّدون الفكرة ما وسعهم ويهذّبون الكلمة ما استطاعوا، ويناقشون الأحداث في أسبابها الخافية وغاياتها المظنونة، ويتناولون الواقع على التجريد..
والواقع المجرّد والواقع المهذّب
والمجوّد لا وجود له إلّا في الأذهان..
والقراءة
فعلٌ لا بدّ في مزاولته من الانفصال عن الواقع، فهي تعلّم صاحبها الانزواء وتطبعه
على العزلة وتغريه بالابتعاد، وتقتضي الهدوء في الإلمام بها والوجوم بعد
مغادرتها..
فهي
اغترابٌ يبدأ عند فتح الكتاب ولا ينتهي عند إغلاقه..
وإذا
أراد القارئ المغتربُ الاشتهارَ أو اكتساب العيش بقراءته فإنما يكون ذلك باتصاله
بالناس ورضاه بالمخالطة والتدريج وتركه بعض ما هو به وإليه، وليس هذا في أول الأمر
عن رضًى واختيار ثم يكون مختارًا لهذا عن رضى بعد الاضطرار والسأم، أو بعد أن
يُغالط نفسه أو بعد أن يدع عالمه المتخيّل المشكوك في تحققه أو في جدواه ليقين
الناس في آرائهم كي يُقبل على نحوٍ من الأنحاء..
والإنسان
يعيش حياةً كاملةً موفورة ملتذًا بوميضها ونبضها وهو لا يُصيب من القراءة إلّا أقل
القليل الذي يضمن له أداء المهام وتقلّد المناصب، ولكنه لا بد له من الزيادة فيها
إذا ما طلب النماء لنوعه والترقي لذاته وروحه وأراد إصابة اللذة العقلية التي هي
أسمى الملذات.. ولكنه لا يزيد في القراءة إلّا وهو يزيد في الانفصال، بسببٍ من كل
ما تقدّم ولأنّ القراءة تزيد في التقدير والحساب والمحاسبة، وهذه الزيادة كثيرًا
ما تُقعد عن العمل والمخالطة والإنجاز..
يُدرك
هذا القارئ الممتاز المستغرق في القراءة، فيضع وكده ويستفرغ جهده في حربٍ لتطويع
الواقع على ما يريد وفي حربِ لرفع التهمة التي يجابه بها بين حينٍ وحين..
تعليقات
إرسال تعليق