وإن من الأدواء النفسية ما قد لا يستبين كل البيان إذا أخضعته للتشخيص في نفوس الأفراد منعزلين في الملاحظة والدراسة، وهو مع ذلك واضحٌ كل الوضوح في جملة الأفراد والجماعات..
والمجتمعات تعتل في روحها ومخيالها، وليس
هذا بغريبٍ في الملاحظة عن المجتمعات الناشئة عبر التاريخ ولا هو بالغريب في
دراسات النفس الحديثة، فالجماعات لها نصيبها من الأدواء النفسية كالأفراد تمامًا، لا نضار في رؤية هذه العلل متى ما تمثّلناها على التجريد فردًا نلخّص فيه أطوار الفعل والانفعال..
ظلّت
اليهوديّة قرونًا وهي مصابة بما قد نسميه في اصطلاح الأعراض النفسيّة بالـ
بارانويا Paranoia))
وهو عرضٌ يصيب العقول والنفوس فيجعلها تتوهم العظمة على نحوٍ لا يستقيم في الطبائع
الصحيحة، ليقضي بها إلى أن تتخيّل مؤامراتٍ تُحاك ومكائد تُنصب وأشباحًا تترصّد
دون دليلٍ غير دليل الشك والارتياب..
وهذا
العرض نراه في عقيدةٍ من عقائد اليهود يتفقون عليها على اختلاف نحلهم، وهي أنّ
اليهود شعبٌ نقي، وهم شعبُ الله المختار الذين اصطفاهم بمحبّته واختصّهم برحمته
وقضى لهم بالتفضيل منذ القدم إلى الآباد البعيدة..
وهذا
عَرَضٌ كما نرى يتصفُ صاحبه بالاضطراب من جهة مجاوزة الحد في السلوك والتقدير، ومن
جهة كون العرض مضطربًا في أصل تكوّنه وتركيبه، فالبرانويا، قائمةٌ على الشعور
بالعظمة، ثم هي بعد ذلك تقرنه بالشعور بالاضطهاد..
وهذا
الشعور على تركيبه واضطرابه لازمٌ لليهود في كل دورٍ من أدوار التاريخ المدوّن
والتاريخ المروي، وهو شعورٌ كان لا بدّ منه للحفاظ على الهويّة اليهوديّة.. وفي
تاريخ اليهود ما يحفز هذه الشعور ويبقيه متصلًا جيلًا بعد جيل.. فمن جهةٍ نجدُ أنّ
بني إسرائيل هم أكثر الشعوب من الشعوب التي نعرفها قد تواترت عليها رسالات
الأنبياء، وهم كذلك أكثر الشعوب التي حفظ لنا التاريخ اتصال التنكيل والتعذيب
بهم.. ولليهود ولعٌ برواية هذه الأخبار وتنشئة الأجيال عليها ولهم قدرة على
التوفيق بينها لتكون إرثًا يعتزون به، ووقودًا يدفعهم للعمل..
والناشئ
اليهودي يروي لك أحداث السبي البابلي والتنكيل القبطي والاضطهاد الروماني والمحرقة
النازية ثم هو يروي لك من المزامير ومن قصص التوراة وفصول التلمود وسطور الأسفار ما
يوحي بأنّ هذا الاضطهاد مقصودٌ كالاضطهاد الذي يعاني منه النابهون في كل عصر.
والحقُ
أنّ كل اضطهادٍ لحق باليهود إنما كان بسبب دناءة أنفسهم ووضاعة أخلاقهم وغلظة
طباعهم، وهي سمات لزمت اليهود لأنهم يحتقرون غيرهم من الشعوب التي تحيط بهم ولأنهم
يجيزون الغش إذا كان مع الأغيار بل هم يجيزون جميع الموبقات التي يحرمونها بين
اليهودي واليهودي.. وهم مع ذلك عاجزون على أن يقوموا بشأنهم أو ينهضوا بحضارة مستقلّة أو يوطدوا حكمًا يطول بقاؤه وتتسع رقعته، فجلب هذا عليهم اضطهاد الدول التي تكنفهم وترعاهم، ثمّ زاد هذا الاضطهاد من
شعور الاستعلاء ولكنّه استعلاءٌ يكون من جهة إسباغ عوارض الحسد والغيرة على دوافع المضطهِدين.
آمن
اليهود بالإله حين آمنوا فكان إلههم "يهوه" إلهًا من جنسهم.. ولم يعرف
اليهود بهذا الإيمان عقيدة التوحيد النقيّة، فافترضوا تعدد الآلهة وآمنوا بيهوه
وأسبغوا عليه نظرتهم لأنفسهم، فكان إلهًا غليظًا يصارع فيغلب ويُغلب، وكان إلهًا غيورًا
حاقدًا على الأمم من غير شعبه، وكان إلهًا موصوفًا بكل نقصٍ يراه اليهود كمالًا
لأنهم ما عرفوا عقيدة التنزيه ولا استوعبوها.. ومع ذلك فقد كانوا شعبًا هو إلى
شعوب الهمج في جفائها أقرب من شعوب الحضارة، فقتلوا الأنبياء والرسل، حتى وصفوا
على لسان ربّهم بأنهم "غليظو الرقبة".. وقعد اليهود بالعقائد الحقّة،
ولم يبشروا بالديانة اليهوديّة لأنها عندهم دينٌ لا يكون إلّا لمن هو يهوديٌ بالدم
والنسب.. وبذلك لم تكن لليهود حضارةٌ على انفساح التاريخ مع كون ديانتهم أسبق
الديانات السماوية الباقية، ومع كون ديانتهم ديانة تشريع وقانون..
وكان
من نتائج ذلك أن أحدث اليهود فكرةً في العمران المنعزل يسمّى "الجيتو" وأقاموا
بينهم وبين أبناء جلدتهم العوازل والحدود، ولم يعرفوا آداب المواطنة ولا الجيرة
الحسنة، ولا ترقّوا في كل ما يلزم في ترقّيه شيءٌ من الانفتاح على الشعوب
والأعراق، فاستحكم الداء واستحال داءً مزمنًا يصابون به جيلًا بعد جيل..
ونترك
التاريخ القديم بالتشخيص الذي قررناه لننظر لدولة إسرائيل وهي دولةٌ من الدول
الحديثة فلا نجد أن شيئًا من هذه العلل قد غاب. فإسرائيل دولةٌ قامت حين قامت على
دعاوى الاضطهاد وقد طوّقت أوربة بقوانين "معادة السامية" فاستدرّت العطف
الأوربي بقضيّة "الهولوكوست" وهي تزامنًا مع ذلك تنشر الدعاية إثر
الدعاية على أحقيّة الشعب المختار بأرض الأجداد ولو كانت هذه الأحقيّة تقوم من
طريق القتل والنهب والتهجير..
قامت
إسرائيل على ابتزاز الألمان بالترغيب والاستعطاف وبالترهيب الذي يكون باستعطاف
أمريكة وبقيّة الدول الأوربيّة، فعاشت على هذا التناقض وقامت عليه حين قامت، وكذا
عاشت إسرائيل على تناقضٍ آخر مع الدول المحيطة بها من العرب، فهي ترغّب العرب
بالسلام وهي أبدًا في وضع الحرب والاستزادة من القوّة والطغيان.
***
قامت
دولة إسرائيل على تناقضٍ في أصل بنيتها وتناقضٍ في أصل دعايتها، ثمّ إنها قامت على
دعوى متناقضة في المكان وعلى هيئةٍ كان الزمان الذي قامت فيه جديرًا بأن ينقضها لو
صدق أهل الزمان في دعوتهم إلى نبذ الاستعمار ودعوتهم إلى حقوق الإنسان. ثم كان التناقض
في كل أدوار النشوء والترقي هو القصد الماضي إلى الغاية وهو القوت المُعاش به في
المسير، ولولا هذا التناقض ما استمرّت إسرائيل ولا كانت، وبهذا التناقض يبشّر
المبشرّون بزوالها فلا يخالفون في التبشير سنن الكون والتاريخ..
سعت
إسرائيل في دعايتها الموجهة إلى الغرب إلى أن تقول إنها واحة الحريّة
والديموقراطيّة في الشرق الأوسط، وبذلت في سبيل هذه الدعاية طائل الأموال وجهد
المخلصين، وجعلت إسرائيل من تل أبيب واحة الخنى والفجور، ومركز الشذّاذ
والمتهتكين.. وأقامت إسرائيل الكنيست وجعلت السلطة دولًا بينهم، وروّجت في العالم
خطاب السلام وأطبقت جفنيها وقوّست حاجبيها وأبدت وجه الحريّة البريء الذي تحاصره
قوى الظلام وتتناهشه بمخالبٍ من حديد، وجعلت من نفسها ضامنًا لمصالح قوى الخير
والتنوير.. كسبت إسرائيل بدعاية الديموقراطيّة تأييد أولي الأغراض وأصحاب السذاجة
من منادي الحريّة والسلام..
ولكن كيف تكون الدولة ديموقراطيةً تدعو إلى الحريّة والسلام والإخاء، وهي دولة تمثّل آخر مظاهر الاستعمار بوجهه الكالح؟
ثمّ كيف تكون إسرائيل دولةً من الدول الحديثة التي تحفظ لمواطنيها حق المواطنة وهي تقيم الفصل العنصري على أوضح أشكاله؟
ثمّ كيف تكون دولة سلمٍ وسلام وهي لا تعيّن حدودها وترفض كل مبادرات السلام؟
هو تناقضٌ لا
يُعرف له نظير في غير الكيان الإسرائيلي، وقد كتبنا عن بعض هذا التناقض، فما بنا
من حاجة للحديث عنه ولا للتفصيل في أمثلته، ولكن ما يعنينا منه هو أن نمثّل بهذا التناقض
على علّةٍ من علل النفوس أو علة من علل الأفكار التي تصيب الأفراد والمجتمعات على
السواء، فالتناقض أو الاختلاف الذي هو ضد الاتساق دليلٌ من أدلة العلّة النفسيّة
ليس من دليلٍ أدلّ منه وليس من سمةٍ أوضح منها في العلل النفسيّة على اختلاف
أشكالها وصورها.
والعلل
النفسية الكامنة في نفوس الأفراد تستثار بالصدمات كما تستثار بالمحفزات التي تؤثر
على العقول الواعية.. وكذا الشأن في إسرائيل فإنه لو جاز أن تكمن عللها النفسية
لسببٍ من أسباب التفوّق أو لسببٍ من أسباب الضمان، فإنها عللٌ تستثار بالصدمات
والمفاجآت.. وإن العبور الذي حدث في السابع من أكتوبر هو أجدر المفاجآت التي
تستثير العلل الكامنة في المجتمعات والحكومات.. لأن إسرائيل قبل السابع من أكتوبر
كانت تعيش بشعورٍ عارم من التفوّق والاستعلاء، وكانت أجهزة مخابراتها الداخلية
والخارجية في أحكم أوضاعها، وكانت إسرائيل تخنق العالم بتصديرها لأحدث تقنيات
التجسس، فلمّا ضُربت هذه النرجسيّة المستعلية في صميم دعايتها الأمنيّة، تحفزت
الأدواء النفسيّة للظهور، وقد استبان من هذه العلل القدر الصالح للرواية على لسان
كل وزير من وزراء حكومة الاحتلال.. فهذا يُطالب بإغراق غزة وهذا يدعو إلى ضربها
بالقنبلة الذرية، وهذا يقول إن العرب كائنات دون البشر وغير هذا من التصريحات..
والجيش الإسرائيلي يمثّل صادقًا هذه العلل فمرةً بالقصف العشوائي أو باستهداف
المدارس والمشافي ودور العبادة ومقرات الحقوق ومخيمات اللاجئين، ومرةً بخطط
التهجير ومرةً بتعرية المدنيين من لباسهم، وكذا باقتحام ملاعب الأطفال وتدمير
الدمى والألعاب أو بالاحتفال بميلاد الأبناء على هيئةٍ يكون الاحتفال فيها هو نسف
المباني والطرقات.. وقد رأينا من أمثلة هذه الأفعال قدرًا صالحًا لا يصدّق صدوره
من البشر إلّا أن يكون تمثيلًا على العلل والأمراض البشريّة.
وإنّا
نطلب هذا التمثيل في الكيان الصهيوني فنجده في قطعان مستوطنيه وفي مؤسساته المدنية
وفي جيشه على السواء، ليس واحدًا منها بأحق من الآخر بالتمثيل على أمراض النفوس
أو أمراض العقول، وما هذا إلّا لأن الكيان في نشأته كان ورمًا خبيثًا والأورام
الخبيثة لا تنمو إلّا نموًا منحرفًا حتّى تقضي على الأبدان ثمّ تقضي بذلك على
أسباب نموّها وعيشها..
ثمّ
نطلبُ تجريد الكيان الصهيوني في شخصٍ لنقيس أمراض المجتمعات في فردٍ من أفرادها،
فنرى المثال تامًا مستوفيًا أسباب البحث والتحليل في شخصية رئيس وزرائه بنيامين
نتنياهو..
***
ليس
من قبيل المصادفة أن يكون بنيامين هو أطول من جلس على كرسي رئاسة الوزراء في
إسرائيل فهو أشبه شيءٍ بإسرائيل في كل صفاتها.. وليس من قبيل المصادفة أن تكون
ولادة نتنياهو مقارِنةً لولادة الكيان..
ولد
نتنياهو في عام 1949 في العام الذي تلا إعلان قيام الدولة الإسرائيلية، فكبر
نتنياهو وكبرت إسرائيل بكل تناقضاتها في صدره، فكان يُلاحظها وتلاحظه ملاحظة
اللدات والأقران.. لقد كان نتنياهو أول رئيس لإسرائيل يُولدُ فيها..
ننظر
في سيرة "بيبي" كما تناديه أمه، فنجدها سيرةً متناقضة في كل ما يُستشهد
به على الاعتلال وما يستأنس به..
ولد
الأعسر اليميني لعائلة يهوديّة يمينية، فأبوه بن صهيون ولد في وارسو البولندية وهي
من أراضي روسية في ذلك الحين، وهو مؤرخ عمل في تحرير الموسوعات وكتابة التاريخ،
وقد كتب التاريخ كما يُحب أن يتمثّله بعد أن أعياه أن يكون فاعلًا في التاريخ الذي
يريد أن يحياه.. وكان جدّه حاخامًا متدينًا، وكان بيبي علمانيًا على نحوٍ غريب
وكان متأمركًا كأنه واحدٌ من الأمريكان وكانت الأمريكية من جنسياته والإنجليزية من
لغاته التي يتقنها، والاستهلاكية حياته التي تعوّدها فلم يستطع تركها في لحظةٍ من
لحظات العمل ولا في لحظةٍ من لحظات البطالة..
تزوج
بيبي ثلاث مرّات.. خان الأولى بالثانية وهي تتهيأ لإنجاب مولوده البكر، وكانت
الأولى اليهوديّة ميريام وايزمان، ولم تكن الثانية يهوديةً ولكنّها تهوّدت، ثم
فشلت هذه الزيجة وهو على مشارف الكهولة، ولم يترك بيبي المخادنة ولم يخلُ من
العشيقات في زواجٍ ولا في فراق، ثمّ تزوّج الثالثة سارة بن آرتزي وهي يهوديّة تدرس
علم النفس فأنجبت له بقيّة أبنائه وكان حملها بالبكر قبل الزواج، وطال زواجه بها
واستمرّ رغم مغامراته المفضوحة، التي ابتُز ببعضها في إحدى ترشيحاته لرئاسة الليكود،
وكانت هذه الأخيرة مكروهةً في إسرائيل
تمامًا كزوجها، وكانت أشبه الناس به ولعلّ هذا مع كونها مختصةً بعلم النفس
مما قد نرتاح إليه في تعليل اتصال هذه الزيجة.
هذا
طرفٌ من حياة نتنياهو في النسب والعائلة والبيت، أمّا حياته العملية، فقد تخرّج
الرجل في قسم العمارة بمعهد ماساتشوستس الأمريكي، لكنه سرعان ما ترك هذا الاختصاص
لاختصاص يليق به وهو إدارة الأعمال والتسويق.. وخدم الرجل في العسكرية الإسرائيلية
في وحدة الاستطلاع العامة "سايريت ماتكال" وهي وحدة سريّة أمنية من
الوحدات التي يمتزج فيها العمل بين المخابرات العسكرية والمخابرات السياسية، وظلّت
هذه الوحدة في الظل طويلًا قبل أن يعلن عنها الجيش الإسرائيلي.. كان نتنياهو
لائقًا بهذه الوحدة وهي أنسب الاشغال العسكرية بمواهبه وامتيازاته، وقد كان ناجحًا
فيها كما نجح في بقيّة أعماله ومناصبه حتّى بلغ رئاسة الوزراء، وكان طريقه للرئاسة
متوجًا بالنجاح كما يفهمه اليهود، فقد وزر الخدمات الدينية وتقلّد وزارة المالية وناب في الوزارة
الخارجية وقبل ذلك دخل الكنيست عضوًا بعد أن كان مندوبًا دائمًا لإسرائيل لدى
الأمم المتحدة.
هذا
تلخيص المحطات الكبرى في حياته العملية، وإن كنّا لا نستغني عن المحطات الصغرى في
تحليل شخصيته إلّا أننا نستطيع أن نقول إن نتنياهو كان رجلًا ذكيًا ولا شك، وكان
رجلًا مُجدًا نشيطًا في عمله، وكان قبل ذلك وبعده مخلصًا كل الإخلاص للدولة التي
كبرت وكبر معها، وظلّ يتمثّلها بكل تناقضاتها في كل مرحلةٍ من مراحلها الباكرة
والمتأخرة..
وإذا
أردنا أن نحدد ملامح هذه النفس المعقّدة، فلا بدّ لنا من مدخلٍ نلجُ به إليها، ولكن
المداخل إلى شخصيته كثيرة وليس بعضها بأحق من بعضها في الولوج وما دام أنها تنتهي
بنا إلى ذات النتيجة فلا علينا إن دخلنا من أي المداخل شئنا..
إننا
نترك حياته البيتيّة التي قد توسم بالفشل من جهة كما توسم بالنجاح من جهة أخرى،
وندخل إليه من نجاحٍ لا يماري فيه أحد.. ندخل إلى شخصيته من المناصب التي تقلّدها،
ونختار من هذه المناصب رئاسة الوزراء لأنه المنصب الذي يتيح للرجل إطلاق التصرّف
والعمل، ونستبين به أهواء الرجل واتجاهاته..
ننظر
إلى إسرائيل في فترة رئاسته، فنجدها قد تطرّفت تطرًفا شديدًا في تقدير الأمن وأنها
فاقت الدول في مجال التجسس والاستطلاع حتّى صارت تصدّر تقنية بيجاسوس لدولة
أوربيّة كبرى مثل فرنسة، وننظر في وضع إسرائيل فنجدها انقلبت على اتفاق أوسلو الذي
سبق رئاسة نتنياهو بقليل، وأنّ إسرائيل توسعت في بناء المستوطنات في الضفة وغلاف
غزة اتساعًا كبيرًا، وأنها سعت لتوسيع القوّة الحربيّة سعيًا محمومًا، وليس هذا
السعي بالسعي الغريب أو الجديد الذي تختص به إدارة نتنياهو، ولكنّ الفريد في هذا
السعي هو أنّه سعيٌ في خطّين متوازيين، خط التسلّح والتدجيج، وخط السلام والتطبيع،
ففي دورة نتنياهو الأخيرة وقبلها، هندس المسوّق لصفقة القرن مع صهر ترامب جاريد
كوشنر مسار التطبيع، فنجح فيه نجاحًا باهرًا..
وفي
فترة نتنياهو علا صوتُ اليمين أو لنقل يمين اليمين، وفي عهده ثارت قطعان
المستوطنين ثورةً مخبولة ليس لها مثيل..
وفي
عهده لا نسمع في إسرائيل إلّا صوتا واحدًا ولا نعرف للقرارات إلّا مدبرًا واحدًا
وفي عهده جُمعت الدولة فتمثّلت في شخصه حدّ الحلول والاتحاد..
لقد
كان الرجل يرى أنّه هو الليكود وأنّ رأيه هو رأي إسرائيل وقد روي عنه كثيرٌ من هذا.
وفي
دراسة أجراها شاؤول قمخي وهو أستاذ في علم النفس بجامعة تل أبيب، خلصت الدراسة
لبعض السمات التي يمتاز بها نتنياهو في حياة العمل والإدارة، ذُكر فيها أنه ميّال
إلى إنكار نقاط ضعفه وإلى الإنحاء على غيره بالملام عند الفشل، وأنّه يرتاح إلى
العمل على انفراد وأنه لا يستشير أصحاب المشورة والخبرة والرأي.
وقد
قدّمنا القول بأننا نفهم إسرائيل فهمًا صادقًا إذا فهمنا الرجل وقد قدمنا وصفنا
لليهود، فقريبٌ من القارئ أن يقيس هذه السمات بسمات الاستعلاء التي لزمت اليهود
على امتداد التاريخ..
وقد
بقي لنا نقيض هذه السمة وهي الشعور بالاضطهاد، فإذا بحثنا عنها في حياة الرجل
فإننا لا نُجهد في البحث والتنقيب..
كان
نتنياهو لا يستعين بشيء في كل جانبٍ من جوانب مسيرته استعانته بالدعاية والتسويق
التي اهتمّ بها اهتمامًا بالغًا فأتقنها كل الإتقان.
كان
شقيقه الذي يكبره بثلاث سنوات يوناثان نتنياهو ضابطًا في قوات الدفاع
الإسرائيليّة، شارك في كل حروبها من ولادته_ كما يخبرنا بنيامين، حتّى كانت عمليّة
عنتيبي في عام 1974 التي هدفت لاستخلاص الرهائن الإسرائيليين في أوغندة، شارك
يوناثان في هذه العمليّة وكان قتيلها الوحيد..
فكان
مقتل يوناثان عند أخيه بنيامين بداية حياة سياسية مليئةٍ بالانتهاز النائح
والانتهاز المبتز على السواء..
على
إثر وفاة أخيه أصدر بنيامين كتابًا بالاشتراك مع عائلته ذكر فيه أحداث عمليّة
عنتيبي، ويقول الصحفيون المحققون إنهم زوّروا في أهم حدثٍ من أحداث القصّة، إذ
أنهم جعلوا القاتل ألمانيًا في حين أنّ الشهود يقولون إنّه كان أوغنديًا.. وليس
هذا بالخطأ العارض، فدعوى مناهضة السامية لا يُتكسّب فيها من البيض كما يتكسّب من
السود، وخيرٌ للمبتزّ أن يبتز الغني لا الفقير، وأجدى له أن يذكّر الألمان
بالمحرقة من أن يقاضي الأوغنديين. حمل بنيامين قصّة أخيه في كل خطابٍ ومؤتمر وحمله
معه في كل حملةٍ من حملات الترشّح والانتخاب.. ثمّ أسس بعد مقتل أخيه بأربعة أعوام
معهدًا لدراسات الإرهاب أسماه باسم أخيه، فقدّم بذلك نفسه مكافحًا للإرهاب
الإسلامي يهوّل خطره للغرب ويرسم خطط المكافحة لهم وينادي إلى نفسه حاميًا لأوربة
والعالم من خطر المسلمين.. وهكذا كان نتنياهو يسوّق لنفسه بالمأساة، فلا يتقنها
أحدٌ إتقانه، ولقد كان الرجل حاذقًا في هذا الفن ذكيًا لمّاحًا بارعًا، ونحنُ لا
نتعجّب من الدعاية الكاذبة الصلعاء التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر ولا نتعجّب
من المبالغة في النواح والصياح بكل صوت، كما لا نتعجّب من كذبة الأطفال المقطوعي
الرؤوس التي أذاعتها إسرائيل وصدقتها أمريكة. نحنُ لا نتعجّب من هذا ولا من غيره من
أمثلة الظهور في مظهر الضحية التي صاحبت إسرائيل منذ نشأتها وشهدناها في فترة
رئاسة بنيامين، لأننا نقرأ سيرة الرجل فنعرف من أحوالها ما يخفف الذهول والتعجّب
من هذا المكر، وشبيهٌ بالمسرحيات التي عقدت بعد السابع من أكتوبر تلك المسرحيات
التي أتقنها بنيامين في ماضيه، ففي حرب الخليج حين توعّد صدّام بقصف تل أبيب،
أرادت محطة CNN
إلغاء لقاءٍ كان مرتقبًا مع بنيامين لظروف الحرب، لكن بنيامين أصر على انعقاد
اللقاء وانتهز هذه الفرصة لينشر دعايةً لم تكن لتُنشر بغير هذه الفرصة، لقد أصر
بنيامين على المذيعة أن تجري اللقاء وهما متقنّعان بالأقنعة التي تقي من الغاز! فكانت هذه الحيلة أحذق من كل دعاية وأبين من كل نواح..
وفي حدثٍ غريبٍ مشابه من أحداث التلفاز واللقاءات اعتذر نتنياهو عن لقاء كان
مقررًا أن يُعقد للحوار بينه وبين الأكاديمي إدوارد سعيد، وتعلل بكذبة سخيفة إذ قال: إنه يُريد أن
يقتلني! وليس ثمة من طريقة أسهل فهمًا وأوسع رواجًا عند السذّج من هذه الطريقة البسيطة.
وقد
احترف بنيامين هذا اللون من الدعاية مع خصوم إسرائيل كما احترفه مع خصومه السياسيين
الذين يجمعهم جميعًا صدق الإخلاص لإسرائيل. ففي حادثة الابتزاز التي قدّمناها، حين
كان يستعد لتزّعم الليكود، استثمر بنيامين موقف الابتزاز فجعله وقودًا للاستعطاف،
وظهر على الشاشات الإسرائيلية مقرًا بخيانته لزوجه معتذرًا نادمًا ملقيًا بالنائحة
على خصومه المبتزين الذي يريدون أن يقوّضوا أحلامه! ويقصوه من المشهد الذي يحاول به
أن يخدم الحزب في سبيل إسرائيل!.. فكان هذا الظهور من سوابق الاعتراف الغريبة على
الشاشات ولكنها ليست بالغريبة على النبيه "بيبي".. نجح بيبي في رئاسة
الحزب ولم تُعرض الفضيحة فشك الناس في صدقها، ونحنُ لا يهمنا أن نثبتها في
الخيانات الزوجية لنستدل بها على طبع الخيانة المتأصل في نفسه، لأن مثيلاتها كثر
في سيرة بنيامين، ومع ذلك فنحنُ لا نتكلّف في تزييفها لنثبت له ذكاء الدعاية
واستثمار المأساة والشعور بالاضطهاد، ففي ما قدمنا كفاية، ونزيد القارئ من دراسة
شاؤول لنقول إنه ذكر من محددات شخصية بنيامين أنه يروّج للمؤامرة، ويرتاح حين يتعرّض
للهجوم لأنه يجد في الاستضعاف قوةً داخليّة تبعثه على الغلبة والانتصار، وذكر فيما
ذكر أنّه شخصيّةٌ مرتابة تساوره ظنون المكائد والتدبير..
فهل
بعد هذه الأحداث والوقائع يعيينا قياس هذه الصفة من بنيامين على صفة الشعور
بالاضطهاد التي تستكمل به الشخصية الإسرائيلية عقدة التناقض؟ إنه قياسٌ واضحٌ كل
الوضوح تلوح فيه النتائج من المقدمات..
بقي
أن نقول -في التطواف على علل النفوس- إن هذا الامتزاج بين الشعور بالاستعلاء
والشعور بالاضطهاد أورث اليهود صفاتٍ لزمتهم صاروا يعرفون بها أو تُعرف هي بهم..
وأوضح هذه الصفات هي المكر والبخل..
فالشعور
بالاضطهاد يُصاحب المستضعفين، والإنسان المستضعف الجبان إذا أعياه تحقيق الرغائب
والأماني من طريق القوّة احتاج لتحقيقها من طريق المكر والحيلة والتدبير..
وكذا
البخل هو نوعٌ من انقباض الصدر وهو نوعٌ من الجبن المعهود من اليهود، والبخل
اليهودي بخلٌ باعثه الجشع والطمع ومد النظر في أملاك الناس، وقد ضمن الانكفاء على
الذات وتحديث النفس بأوهام الاستعلاء اتصال هذه الصفات في اليهود على تعاقب
الأجيال..
فأمّا
المكر في نتنياهو فقد تقدّم في موضعه،
وأمّا البخل الذي مبعثه الطمع فإنه في هذه الخصال يذكرنا بسيرة اليهودي كارل
ماركس، لأن هذا الطمع فريدٌ ممتاز، فليس هو بالصفة القائمة بالنفس القادرة الطموحة
المُجدة، وإن ثبت الطموح والجد لبنيامين من غير هذا الطريق وفي غير هذه الخصلة،
ولكنه الطمع القائم بالنفس المتطفّلة الطفيليّة الخالية من العفّة، التي يدفعها
ترك الحياء والاحتشام إلى الاقتيات على كسب الناس، ولم تكن حياة ماركس حافلةً
كحياة بنيامين، ولم يكن موسرًا كإيساره، وعلى أننا نرى أنّ الجشع متركبٌ في طبع
ماركس، إلّا أننا نراه أدخل في طباع بنيامين منه في طباع ماركس، وذلك لأنّ النفس
إذا اتصفت بصفةٍ ما على قلة الدوافع وكثرة الموانع كانت هذه الصفة منها أدخلُ في
طباعها وأقعدُ في مزاجها.. والذي يُطالع في أخبار بنيامين، يجد أنّ من أكثر الأمور
التي تعجّب منها رواة سيرته وأحواله، هي أخبار الجشع والبخل، وكانت زوجته سارة
أشبه الناس به في هذه الصفة، ونحنُ لا نجد أننا محتاجون لسرد هذه الأخبار فهي
مبذولة وقد أغنتنا عنها قضايا الفساد التي اتُهم بها بنيامين، وما زالت بعض هذه
القضايا منظورةً في المحاكم الإسرائيلية.
فهل
يكد المطالع ذهنه ليُلحق هذه الطفيلية الجشعة بصفات إسرائيل منذ نشوئها وبعد
استقرارها؟
***
هذه
صورةٌ لا نزعم أنّها تامة الملامح ولا مستوفية الأغراض، ولكنّها صالحة في المقارنة
والقياس بين شخصية اليهودي في التاريخ وشخصيته في العصر الحديث، وبين اليهوديّة في
جملة أفرادها ومجتمعاتها، وبين اليهوديّة متمثّلةً في فردٍ من أفرادها..
وإننا
نزعمُ أنّ هذا التحليلٌ الذي خصصنا به بنيامين نتنياهو هو في الحقيقة رداءٌ يجوز
إسقاطه على وزرائه، وعلى رؤساء إسرائيل المخلصين لها، فلا ينحسر هذا الرداء عن
شيءٍ من النفوس إلّا بقدر قصور هذه النفس عن تمثّل الدولة الإسرائيلية في أصدق
خصائصها، ولا ينحسر هذا الرداء عن أحد إلّا وهو مظنونٌ في إخلاصه أو متهمٌ في سعيه،
والذي يعيشُ في إسرائيل من أصحاب القرار الحاسم ويتحمّس لها ثمّ ينسى كونه
إسرائيليًا في كل شؤونه_ لا يعيش في إسرائيل، وسيكون مصيره كمصير إسحاق رابين حين
وقّع على أوسلو..
إذن
هذه دولة إسرائيل في جملة أدوارها متجسّدةً في أحد لداتها، وهذا بنيامين نتنياهو
أصدقُ مثالٍ لهذه الدولة.
فلم بعد كل هذه المشاكلة التي تجاوز المشابهة
إلى المطابقة، نجدُ أنّ اليهود يكرهون نتنياهو؟
ألم
يكن نتنياهو ابن إسرائيل المخلص البار؟
ألم
يجلب نتنياهو إلى إسرائيل والإسرائيليين مكاسبَ لم يكونوا يحدثون أنفسهم بها في
أجمح الخيالات المتفائلة؟
بلى لقد كان ذلك وأكثر من ذلك، ولكن هذا
الاعتراض والتذكير ليس صالحًا لإقناع العقليّة اليهوديّة، لأن اليهود لم يكونوا
يومًا أناسًا أسوياء، وإلّا لكان أولى ناس بالسلامة منهم هم الأنبياء.. إنك لتبحثُ
عن إجابة لهذا السؤال فلا تجدُ له تقريبًا يُستساغ إلّا إذا فرضت التناقض في صميم
العقيدة اليهوديّة وفرضت العلّة في أصل الطباع اليهوديّة، ومصداقُ هذا آيةٌ من
القرآن الكريم كانت هذه المقالة من بدايتها تفسيرًا لها، وقد جاء في الآية خصلتان
طلبنا بهما فهم المزاج اليهودي فاستقام لنا الفهمُ على قسطاسه المستقيم، قال
تعالى:
(تَحۡسَبُهُمۡ
جَمِیعࣰا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَ لِكَ
بِأَنَّهُمۡ قَوۡمࣱ لَّا یَعۡقِلُونَ) [الحشر: ١٤]
صدق
الله العظيم..
تعليقات
إرسال تعليق