التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسْرَائِيل «اختِلَالُ الهُويّة»


تدّعي إسرائيل أنها دولةٌ قوميّة لليهود.. واليهود يقولون إن اليهودية جامعة عرقيّة لا تتحقق ماهيتها إلّا باعتقادٍ لا بدّ مسبوقٍ بنسب. ولعلّ النسب هو القدر المشترك الذي يتفق عليه دعاة إسرائيل من المتدينين والعلمانيين..

ولقد قامت إسرائيل على دعوتين كانتا الذريعتين التي أقنعت بها العالم الداعم والرعايا المستوطنين كليهما، فأمّا الأولى فهي أن أرض إسرائيل هي أرض العودة التي رضيها الله لشعب إسرائيل الدائنين بدين اليهوديّة، وأمّا الثانية فهي أنّ إسرائيل حاميةُ الشعب اليهودي ودولتهم الوحيدة التي يتحقق لهم بها الأمن والاستقلال بعد النجاة من التهجير وأتون الاضطهاد الذي ابتُلوا به في أوربة في غضون حربها الأخيرة.

والدعوة الأولى دعوةٌ دينيّة، تفترض أنّ العودة لأرض إسرائيل وعدٌ إلهي لابد أن يتحقق، ولكنهم مع ذلك يختلفون في هيئة هذا التحقق، فاليهوديّة الحاخاميّة ترى أنّ العودة يجب ألّا تُستعجل وألا تكون إلا بعد ظهور المسيح المخلّص، وأن استعجال العودة يستجلب غضب الرب، وعلى أي حالٍ كانت هذه الدعوة فإنّه لا يُختلف في كونها دعوةً دينية تشترط اليهوديّة دينًا في الشعب العائد.. وأمّا الدعوة الثانية فهي دعوة صهيونيّة علمانية ترى أنّ إسرائيل دولةٌ قوميّة لليهود من حيث هم عرقٌ وقوم، ولا يهم بعدُ أن يكونوا متدينين أو متحررين من قيود الدين.  

فهل اليهود -الذين تدّعي إسرائيل أنها دولةٌ لهم- تجمعهم وشيجة واحدة من وشائج الدم والنسب؟ هذا سؤالٌ نقدّم بين يدي الإجابة عليه عرضًا نستعرض فيه حقيقة هذا الشعب.

***

ينتمي الشعب المستوطن في فلسطين إلى جماعات متفرقة، لم تجمعها حضارةٌ واحدة، وأهم هذه الجماعات على الإطلاق جماعتان، يجيز اليهود فيهم التقسيم إلى شرقيين وغربيين.. وهم السفارد والإشكناز على الترتيب. فأمّا السفارد أو السفارديم في الأصول العبريّة، فهي الجماعة التي عاشت في ظل الحضارة الإسلاميّة، واستوطنت أسبانيا والبرتغال قبل سقوط الأندلس ثم طُردوا منها بعد عام 1492م مع من طُرد من المسلمين، واستوطنوا المناطق التي انتقل إليها المسلمون، وكذا استوطنوا في حواضر الدول الإسلاميّة القائمة في ذلك الزمان في المغرب والأناضول والقوقاز وغيرها. وكان القسم الأكبر منهم انتقل إلى أراضي الدولة العثمانية في البلقان وشمال أفريقية، وكانوا يرتحلون بين هذه المناطق كما ترتحل رعايا الدولة العثمانية، وقد تفرقت منهم جماعات في غربي أوربا.. وكانت جماعة السفارد تختلط مع الشعوب التي تقاسمها الأرض، وتتولى الوظائف العامة وتشترك في شؤون الحضارة والحياة، فأكسبَ هذا السفارد نوعًا من الانفتاح في طباعهم ولغتهم، فعبريّتهم هي العبريّة الراقية التي تعتمدها إسرائيل لغةً رسمية لها.. وأما الإشكناز، أو الإشكنازيم، وهم أغلب اليهود، فقد كانت لغتهم في الشتات: اليديشية، وهي من اللغات الجرمانية، وقد كانوا يستوطنون أراضي الإمبراطورية الرومانية، ثمّ انتقلوا منها إلى بولندا وفي حدود النصف الثاني من القرن السابع عشر انتقلوا منها لأوكرانيا وروسيا والمجر، وهم اليهود الذين استوطنوا في القرون الثلاثة الماضية في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا ونواحي العالم الجديد، وتحدثوا بلغات هذه الشعوب، ومنهم كذلك تلك الفئات التي سكنت الجيتوهات. وتقلدوا في غالبهم الوظائف الدنيا، فأورثهم هذا ضيقًا في الثقافة بالقياس إلى ثقافة السفارد..

وإذا لم يجز لنا القطع من هذه الإلمامة السريعة باستحالة أنّ يكون لهاتين الجماعتين أصل مشترك يلتقي بسلالة بني إسرائيل الأقدمين، فإننا نقطع بأنّ إثبات هذا الأصل متعذّر. ثمّ نخطو خطوةً أخرى تقبل التدليل وتقام عليها البراهين، وهي أنّ هاتين الجماعتين -التي تمثّل الأغلبية من اليهود- لم يكن لهما تاريخٌ مشترك ولا حضارةٌ متصلة ولا لغةٌ واحدة..

وأنّ اتصال إحداهما بالبيئة التي كانت تحيطها هو أقرب من اتصالها بالجماعة الأخرى التي تشترك معها في اصطلاح "اليهود".. لا بل إن الإشكناز أنفسهم الذين انكفأوا على أنفسهم في كل أرضٍ سكنوها، لم يكونوا على اتصال ببقيَة الإشكناز الذين استوطنوا غير ديارهم، ولم تكن تجمعهم جامعة الحضارة واللسان..

ثمّ نضيفُ إلى هذه الهويات والتواريخ المختلفة، جماعاتٍ أخرى تستوطن إسرائيل ويعترف بها الإسرائيليون بالحقيقة مرةً وبالمداهنة مرة.. من هذه الجماعات يهود الهند ويهود الصين ويهود اليمن، ومنها جماعة العبرانيين السود، وهم يهود شيكاغو في أمريكا. ويلتزم هؤلاء بشعائر يهوديّة على نحوٍ يفوقون فيه التزام بقيّة الجماعات، ويزعم هؤلاء أنهم هم -ولا غيرهم- من ينحدرون من سلالة بني إسرائيل، ويزعمون أنبياء بني إسرائيل سودًا.. ومن جماعات السود التي تستوطن إسرائيل جماعة الفلاشاه، وهم من يهود إثيوبيا وهم كذلك يدّعون إلى سليمان بن داود عليهما السلام، وعددهم في إسرائيل يقارب المئة ألف نسمة.. وهذه الجماعات اليهودية المتفرقة تعاني تمييزًا عنصريًا في إسرائيل وتتقلد الوظائف الصغيرة والأشغال الحقيرة، وتقطن الكثرة الغالبة منهم الأحياء الفقيرة والمناطق النائية كمدينتي العفولة والخضيرة وما يليهما، ويسكن بعضهم ديمونة، المنطقة التي بها المفاعل النووي، ومازالوا يحتجون على أحوال المعيشة من حينٍ إلى حين.

ومن يهود إسرائيل جماعات متفرقة ومن يهود العالم طوائف وأعراق يشملها قانون "حق العودة" الإسرائيلي على اختلافها _لا تحتمل حصرها هذه الإلمامة.

 

هذا اختلاف الأعراق في الشعب النقي المختار الذي قامت إسرائيل لحماية قوميّته الموحّدة! فما خبر اختلاف الهويات الدينيّة؟

إنّ هذا الاختلاف العرقي لا بد مورثٌ بعض الاختلاف في الفهم والتفسير، بل إن من اختلاف الفهم ما قد يصل بهم إلى تكفير بعضهم بعضًا، وإلى الطعن في أصل العرق والنسب كما تقدّم معنا في حكاية بعض الهويات..

ونحن إذا أردنا أن نذكر الاختلافات بين الفرق على مدار التاريخ فإنّ المقال سيتشعّب بنا إلى طرائق من الكلام ليس لتشعبها من آخر.

ولكننا نشير لبعض الاختلاف الذي كان بين أكبر جماعتين من الجماعات اليهوديّة المختلفة، وهما السفارد والإشكناز..

***

لكل جماعةٍ من الجماعتين مستويات من التديّن يصحُّ لنا أن نقسمها إلى: اليهوديّة الإصلاحيّة "البروتستانتية" واليهوديّة المحافظة واليهوديّة الحاخامية "الأرثوذكسية" وهذا التقسيم داخل الجماعة الواحدة، أي إنه داخل السفارديم على حدة والإشكنازيم على حدة، وبين طرفي هذه المستويات داخل الجماعة الواحدة من الاختلاف كما يكون بين البروتستانتية والأرثوذكسية أو بين المجددين والمحافظين.

ولكننا لا مناص لنا في المقارنة من توحيد هذه الأطياف في طيفٍ واحد لتسهل لنا المقارنة بين السفارد في الجملة والإشكناز في الجملة، وهو إجمال تقتضيه هذه العجالة وعلى القارئ قياس الاختلافات في الجملة على الاختلافات عند التفصيل والتدقيق..

إن القضيّة الصهيونيّة التي قامت عليها إسرائيل هي قضيّة إشكنازيّة في الأصل والأساس، والإشكناز هم من تبتز بهم الصهيونيةُ الحضارةَ الغربيّة لأنهم هم الجماعة البيضاء التي عانت من الحضارة البيضاء، وهم الجماعة التي اصطلت بجحيم الهولوكوست النازي، وعليه فإننا نرى أنّ التاريخ الحديث كذلك بين الإشكناز والسفارد ليس بالتاريخ الواحد، وفي اختلاف التاريخ والمعاناة والوضع الاجتماعي ما يبعث على اختلاف الهويات. فقد تقدم في موضعه من الكلام أنّ الإشكناز لم يكونوا يندمجون اندماجًا تامًا في المجتمعات الأوربيّة على عكس ما كان من السفارد مع الشعوب التي خالطوها، وهذا أورث الإشكناز شعورًا بنقاء العرق يخوّلهم فيما يظنون جدارة التمسّك بالأصل القديم، مع أنهم لم تنشأ لديهم حركةٌ علميّة في الجمع والتأصيل والتنقيح كتلك التي كانت عند السفارد، لتأثّر السفارد بالحركة العلمية في الحضارة الإسلاميّة.

وقد بلغ من الاختلاف بين السفارد والإشكناز إلى حدٍ لا يقبل فيه السفارد الصلاة في معابد الإشكناز ولا يقبل فيه الإشكناز الصلاة في معابد السفارد ولا يؤدي الأفراد في الجيش الواحد ذات الصيغة في الصلاة الواحدة. وفي إسرائيل حاخامٌ مختصٌ بكل جماعةٍ من الجماعتين تتلقى منه كل جماعة الفتوى والإجازة والتوجيه.

ولا يسلّم السفارد بنقاء الإشكناز، ولذا لا يبيحون الزواج منهم ومن يغامر بمثل هذا الزواج فإنّه يُنفى من الجماعة حيًا وميتًا فلا يُدفن في مقابرهم. وكذا كان الشأن أيضًا في الجماعة الإشكنازية. وقد شمل هذا الاختلاف اختلافاتٍ أخرى في شعائر الصلاة والذبح والأعياد.

فهل يُقال بعد هذا باتّحاد الهوية الدينيّة عند اليهود؟

وإذا كان لنا أن نقول إنّ إسرائيل لا يصح في حقها أن تكون دولة اليهود بالمعنى الذي يكوّن فيه اليهود وحدةً عرقيّة نقيّة بحيث تكون إسرائيل متسقة الدعوة في إنشاء الدولة القومية الراعية لمصالحهم، أقول إن كان لنا ذلك فهل يصح لنا أن نقول إنها دولة يهوديّة بعد أن نفينا كونها دولة اليهود؟

لقد نشأت إسرائيل حين نشأت بالدعاية الصهيونيّة، وهي حركة قوميّة علمانيّة تزعم أنها ليبرالية، وكانت تقلبت بين الأفكار الاشتراكيّة والرأسمالية ودارت مع المصلحة حيثُ دارت، ولقد كانت الدعوة إلى الوطن القومي دعوةً علمانيّة الفكرة علمانية الدعاة، فلم يكن أصحاب الدعوة متدينين، ولم يؤثر عن تيودور هرتزل التزامه بالشعائر الدينيّة بل إنه كان يحتقرها فيما يروى عنه، وكذا كان موسى هس وبنسكر وماكس نوردو وبن غوريون وهم روّاد الصهيونيّة ومفكروها. وإنه لا يخفى أن الفكرة الصهيونيّة التي تستعجل الرجوع هي فكرةٌ مناقضة لأصلٍ معتبر عند اليهوديّة الحاخامية التي لا تجيز الرجوع دون الإذن الإلهي بإرسال المسيح المخلّص.

وننظر في المجتمع الإسرائيلي في استقراره بعد انقضاء مرحلة الدعوة، لنجده مجتمعًا علمانيًا في كثير من نواحيه. وفي دراسة من دراسات الاستقصاء التي ينشرها مركز بيو للأبحاث، يشير المركز في ورقة نشرها بعد منتصف العقد الماضي (2016) إلى أنّ اليهود العلمانيين تصل نسبتهم إلى 49% من يهود إسرائيل، منهم 20% لا يؤمنون بوجود الله..

وفيما يخص المثلية الجنسية ودعاتها والمنافحين عنها فإن إسرائيل تكفل لهم من الحقوق ما لا تكفله دولةٌ في الشرق الأوسط، بل إنها تُصنّف في عداد أفضل الوجهات التي يقصدها المثليون في آسيا، ففي إسرائيل يسمح بتغيير الجنس وفيها تتاح للمثليين الخدمة العسكرية، وتعترف إسرائيل بزواج المثليين إذا عُقد خارجها، وتضمن لهم حق المساكنة والتبني..

فهل يجوز بعد ذلك أن تكون إسرائيل دولةً يهوديّة على نحوٍ تكون فيه متسقةً مع دعوتها للحق الإلهي؟ إننا نقول: لا، ولكننا حين ننفي ذلك لا يلزم من نفينا أن تكون إسرائيل في وضعها الحاضر دولةً من الدول التي لا اعتبار فيها للدين، لأنها وإن كانت في بدايتها قامت على الدعوة الصهيونية العلمانية المتهودة، وإن كان حزب العمل اليساري قد قارب الانفراد بالسلطة حتى وصول اليمين المتشدد للحكم متمثلًا في حزب الليكود عام 1977 بزعامة المتطرف مناحم بيجن، نقول إنه برغم ذلك إلا أننا نلحظ صعودًا حادًا للجماعات الدينية والتوجهات اليمينية منذ ذلك التاريخ، ففي دراسة أجراها المعهد الإسرائيلي للديموقراطية ونشرته "يديعوت أحرونوت" خلص الباحثون إلى أن نسبة المتدينين في السنوات ما بين عام 2002 إلى 2012 كانت قد ارتفعت من 11% إلى 15% وارتفعت نسبة الحريديم من 5% إلى 7%.

وكذا في استطلاعٍ أجراه الجهاز المركزي للإحصاء بإسرائيل، نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، لتشير نتائجه إلى أن نسبة العلمانيين بعد ستة عقود من قيام إسرائيل قد تناقصت من 82% إلى 42%.

ونحن نشهد هذه الأيام إطلاقًا لتصرّف قطعان المستوطنين، وصعودًا في تمثيل الحيريديم، وارتفاعًا للأصوات الدينية المتطرفة التي تنادي بدولة الحق الإلهي على ما تقرره شرائع اليهود، وانتهاكاتٍ للمقدسات الإسلامية، وزيادةً في بناء المستوطنات، وأفعالًا همجية من قتل واختطاف وتشغيب، جاوزت الفلسطينيين إلى العلمانيين اليهود، ولم تكن ذروة هذه الأفعال ما حدث من اغتيال رئيس الوزراء إسحاق رابين الذي كان علمانيًا متطرفًا خدم في الهاغاناه، وانتهج سياسة تكسير العظام لقمع انتفاضة الحجارة، فاغتاله أحد المستوطنين الذين يتبعون أحد الأحزاب الدينية المتشددة، وكان الاغتيال احتجاجًا على إبداء المرونة في التفاوض مع الفلسطينيين.. وليس بآخر مظاهر صعود اليمين ما كان من اعتلاء بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء عن حزب الليكود اليميني في أطول مدة قضاها رئيسٌ لمجلس الوزراء..

***

وموجز القول هو أنّ المطالع في هذا العرض يجد اضطرابًا في توصيف الهوية اليهودية، واضطراب التوصيف ناجمٌ عن اختلال الهويّة ذاتها، فإسرائيل حين تعرّف نفسها تجمع بين متناقضات لا تجتمع في دولةٍ من الدول على اختلاف الدول وكثرتها، فهي تقول إنّها دولةٌ يهوديّة وتقول إنها علمانية وتقول إنها قومية وتقول إنها ديموقراطية..

إن هذه الأزمة الوجوديّة حاصلةٌ لأن إسرائيل دولة لم تكن طبيعيةً في نشأتها وليست هي بالطبيعية في وجودها. إن إسرائيل لم تهتدِ حتى الآن إلى تعريفٍ يتفق عليه اليهود ليكون شاملًا لليهود يمنع من دخول غيرهم فيهم.

وإننا لنرى هذا الاضطراب جليًا حين نرى التعريف الذي عدلت فيه محكمة العدل العليا عن تعريف اليهود إلى تعريف من ليس باليهودي، فقالت في بعض قراراتها: إن الشخص يكون غير يهودي إذا غير دينه، وقد اضطربت كذلك تعريفات قانون حق العودة، فجاء فيها أن اليهودي هو من يولد لأم يهودية أو هو من يتهوّد من غير انتماء لدين آخر.. وهي تعريفات مضطربة كما نرى.. ولذا حين أراد فيلسوف الوجودية بول سارتر تعريف اليهودي -وهو من أصول يهودية- قال: إن اليهودي هو من يراه الآخرون كذلك.

فنقل بذلك عبء التعريف إلى "الآخرين" ولعل هذا التعريف على غموضه هو أصدق التعاريف!..

ولئن كان اختلال الهوية اليهودية في أصلها هو مبعث هذه الاضطراب وهو المشكلة التاريخية التي لا تجد لها إسرائيل حلًا حتى الآن، إلا أننا نجدها قد احتالت على هذه المشكلة فوظفتها لحل مشكلةٍ أخرى تلاحقها في أصل وجودها الحاضر، وهي مشكلة الديموغرافيا، فقد كان لزامًا على إسرائيل لحل مشكلات الهجرة والتوازن أن تدع هذا التعريف مضطربًا فضفاضًا بقدرٍ ما؛ لجلب المستوطنين..

 وختامًا نقول: إننا لا نفهم كيف تكون إسرائيل دولة اليهود إلا إذا اعتبرنا أنها جامعة لعُقد اليهود على اختلاف مشاربهم ولا نفهم أن تكون دولةً يهودية إلا إذا اعتبرنا اليهودية دين التناقض والاختلال..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...