يقول المحذرون إنّ دخوله يخرق معاهدة كامب ديفيد..
وهي
المعاهدة التي آل بعدها الأمر إلى تقسيم سيناء إلى ثلاث مناطق "أ"، ثم
"ب" ثم "ج" بالطول على الترتيب من شرق القناة إلى معبر رفح،
ثمّ تكون المنطقة "د" هي المنطقة المستقرة تحت الاحتلال في ذلك الوقت
على شريط الحدود مما يليه من الشمال إلى الجنوب، الذي يشمل محور صلاح الدين أو هو
في عرف الاحتلال الذي غلب على الإعلام "محور فيلادلفيا" وتنص المعاهدة
على أنّ الحضور الأمني للقوات المصرية يكون منخفضًا على التدريج نحو الحدود، بحيث
تكون القوّة في منطقة "أ" لا تجاوز أن تكون فرقة مشاة مكونة من ثلاثة ألوية مشاة ميكانيكية ولواء مدرع وسبع كتائب مدفعية على الميدان ومثلها من كتائب الدفاع المضاد
للطيران ولا تزيد الدبابات عن مئتين وثلاثين دبابةً مع ما يربو قليلًا عن مثليها من مركبات الأفراد المدرعة، ويقل الوجود الأمني حتى لا
يكون في المنطقة "ج" سوى فِرَقٍ من الشرطة والأمن الداخلي بلا أي عتاد
من عتاد العسكر والمحاربين، وكذلك تنص المعاهدة على ألا يزيد التجهيز الصهيوني في
المنطقة "د" عن أربع كتائب بالسلاح المحمول دون أي دبابة..
وبهذا
التمثيل العسكري لا تستطيع إسرائيل أن تخوض حربًا مع المقاومة على محور فيلادلفيا،
وهي تعلم ذلك تمام العلم وتدركه كامل الإدراك وقد جربت المقاومة بالحشود والدبابات
في خان يونس واستعصت عليها المعركة وهي تشارك بأربعة ألوية مكتملة العدة والعتاد،
مسبوقة بتمهيدٍ جوّي يقصف كل مترٍ قبل تقدّم الألوية، وقبل ذلك جربته في كل توغّل
وفي كل منطقة دخلتها منذ اليوم الأول من بدء المعارك البريّة وقالت إنها سيطرت على
هذه المناطق فتجدد فيها القتال..
إذن
إسرائيل لا تستطيع دخول المحور بهذا التمثيل كما يقول العسكريون، ما لم تخرق
المعاهدة وتنتهك الاتفاق كما يقول الساسة.
وإن
انتهاك إسرائيل للمعاهدات والقوانيين لهو أقرب في المنطق من التزامها عند عارفيها،
وإن الغدر والخيانة لهما أقرب إلى طبائع الصهاينة من الأمانة والوفاء. ولكن
إسرائيل ليست محتاجةً في هذه الظروف إلى خرق المعاهدة عنوةً وهي تستطيع الاحتيال
عليها، وهي لا تقدم على المواجهة في كل حين تستطيع فيه أن تضمن مصالحها بالحيلة
والتدبير.. فإسرائيل قبل الانتهاك تستطيع أن تزيد في التمثيل العسكري بالاتفاق مع
مصر، كما زادت مصر تمثيلها بالتنسيق والاتفاق في حملتها عام 2018 على الجماعات
المسلحة في سيناء.
يقول
الساسة المصريون إن محور فيلادلفيا خطٌ أحمر، ونقول: اسلمي يا مصر..
نقول
اسلمي يا مصر ونحو نرجو أن تكون لمصر بقيّة من هيبة تضع بها الخطوط أو تلوّنها،
نقول ذلك ونحنُ نرجو لمصر السلامة والنماء ونرجو لها -حقًا وحقيقةً- استعادة دورها
المأمول أو دورها المعهود..
فلم
تُرَ مصر في تاريخها الحديث ولا في تاريخها القديم على حالٍ من ضمور الإرادة وهزال
القدرة كما تُرى في هذه الأيام، فمصر التي كانت أراضيها أضعاف أراضيها وأثرها
ممتدٌ إلى أضعاف مما كانت عليه أراضيها غدت اليوم منكفئةً على نفسها مشغولةً بما
فيها عن كل ما حولها..
ولسنا
نرجع كثيرًا في التاريخ للتدليل على ما كانت عليه مصر حين نقول إن سيطرة مصر في
عهد الخديوي إسماعيل كانت تمتدُ إلى سواحل الصومال الكبير، ولكننا مع ذلك ننظر إلى
أقرب الأوقات وأشدها اتصالًا بواقعها المعيش حين ننظر في بداية إعلان الجمهورية وما
قبله بقليل.
كان
حكمُ مصر في آخر عهد ملوكها يشمل جميع أراضي السودان، فصارت مصر بعد ثورة العسكر
على الملكية بلا سودان، ثمّ رأينا جنوب السودان ينفصل عن السودان، لا بل رأينا أن
عسكر ما تبقى من السودان يقتتلون وتجتمع بهم الدول القريبة والبعيدة، وليس لمصر في
كل ذلك كلمةٌ تقال، وليس لها فعلٌ في الحسم ولا فعلٌ في التهدئة.
وكانت
سورية في عام 1959 في وحدة عربيّة تُحكَم من مصر ورئيسها رئيس مصر، واليوم تُقسّم
سورية على عين الرائي وتذهب الأطراف للمناقشة والمباحثات إلى كل دولة خلا مصر..
وكانت
مصر في حكم جمال عبد الناصر تدعو إلى الجمهوريات والانقلاب على الملكيات وترى أن
من واجبها أن تُعين على ذلك كل متطلّع، فتدخّلت في اليمن وأعانت عبدالله السلال
الذي قوّض مُلك الإمام البدر وأنهى الملكية في اليمن، وكانت مصر ترى أن من مجال
أمنها القومي أن تتدخل في معاهدات الدفاع والتحالف التي تبرمها العراق، وكانت مصر
تُحكم قبضتها على القناة وكانت تقود العرب في كل حربٍ من حروبهم ضد إسرائيل وكانت
لها إرادةٌ نافذة في شرق الأردن وكان لها جنابٌ مرهوب في أوربة وأفريقيا، ولسنا
نشير إلى غياب مصر عن انقسام سورية واليمن والعراق فبينها وبين مصر سهول وهضاب!.
ولكننا
نشير إلى ما هو ألصق من ذلك بمصر على كل اعتبار! ، إذ اليوم نرى أن ليبيا على
الحدود الغربية تُقسم بين شرقٍ وغرب بلا حضور ولا تدبير، لا بل نرى أنّ أثيوبيا
تحبس النيل بسد النهضة وتحاول اليوم أن تجد لها مخرجًا إلى ساحل البحر الأحمر
لتخنق مصر من محبسين، محبس النيل ومحبس القناة، وهو خنقٌ للجسد المخنوق الذي خنقته
الديون وأريد له أن يظل مخنوقًا على اختلاف من يتولّى إنعاشه من الحكومات
والأنظمة.
اسلمي
يا مصر، فليس في أقصى آمال الطامحين الجامحين في الخيال أن تستأنفي الحرب، ولكنّه
لم يكن في أقصى ظنون المتشائمين أن تعجزي عن إدخال الغذاء والدواء إلى غزّة
والحدود بينكما حدودٌ عربيّة ليس لإسرائيل فيها إدارةٌ تفرضها الأرض أو يفرضها
الجوار، وليس في أقصى ظنون المتشائمين أن تقعدي عن محاورات الهدنة وأن يقوم مقامك
فيها من لا تجمعه بغزة حدود ولا يصيبها ما يصيبك من الحرج..
كانت
غزة قبل حرب 1967 تدار من مصر وكان أمن غزة من أمنها، وقبل ذلك كانت رفح مدينة
واحدة قبل أن تصير رفحين، رفح المصرية ورفح الفلسطينية، وكان وما زال أهلها هم
أهلها وإن توزع الأشقاء على أطراف الحدود.. لكن الإدارة المصرية شاءت أن تبني
عوازل الجدران النائفة، ودفنت من تحتها الأنفاق التي كانت تجمع الأشقاء بالأشقاء،
وقالت على لسان إدارتها حين علت أصوات الصهاينة التي تطلب تهجير أهل غزة إلى صحراء
سيناء: إن أردتم تهجير غزة فلمَ لا يكون ذلك إلى النقب.. نعم لمَ لا يكون ذلك
والنقب صحراء كما أن سيناء صحراء!
وبمثل
قول مصر قال أهل التحليل..
ولقد
مضت إسرائيل في خطتها التي لوحت بها في بداية العدوان، فأجلت شمال القطاع إلى
جنوبه، حتى إذا فرغت من الشمال فعلت بالجنوب فعلتها بالشمال، وهي الآن تلوّح
باحتلال الحدود بين مصر وغزة لتكون غزة معزولةً عن العالم من جميع الجهات، فهل
تريد مصر ذلك أو ترضاه؟ وهل إذا رضت ذلك في تقديرها المتعجّل ترضاه في التقدير
البعيد؟ لم يبقَ لمصر من مجد الحرب شيء بعد معاهدة السلام فهل يبقى لها شيء من إرث
السلام إذا احتلت إسرائيل الحدود أو أجلت الفلسطينيين إلى سيناء وانتقلت المقاومة
إلى الأراضي المصرية؟ اسلمي يا مصر..
x
تعليقات
إرسال تعليق