التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المُوازنةُ بين الكِنديينِ

 

أنشأ امرؤ القيس، فأوقف الشعراء والبلغاء على مطلع قصيدته، ثم أنشأ المتنبي، فملأ الدنيا وشغل الناس..

ولقد كان حقيقًا بمقالةٍ نبتدئها بهذه العبارة أن تكون مقالةً كلها اقتباس من شعر هذين الشاعرين الفحلين، ثم لا تكون إلّا في التنغّم والتطريب بما جادت به قرائحهما، ولكننا نعدِل عن هذا اللون من المقالات لأنّ الذي أوقف الناس هذه الأيام لم يكن امرأ القيس ولم يكن المتنبي شاغلهم، لكنه كان مؤسس مجمع اللغة الافتراضي الأستاذ الدكتور عبدالرزاق الصاعدي، وكان ذلك بالآراء التي أرسلها واستمر في بثها طيلة شهر رمضان المبارك، وهي أراء مضطربة اضطرابًا شديدًا، ومنطوية على أغاليط وأباطيل في النقد والمنهج، وكان فحواها وحاصلها: الاستهانة بشعر العرب الجاهليين وتقديم المتنبي على امرئ القيس وشعراءِ الجاهلية والإسلام كافة وتقديم جملة الشعر المحدث على الشعر الجاهلي وشعر الإسلاميين، وقد تعجبنا مما طلع به الدكتور من الآراء ومناط هذا التعجب إنما كان من جهة المقدمات التي تأدى بها إلى هذه النتائج وإلا فهي آراءٌ قديمة والدكتور فيها مرددٌ مقلّد. فقد كان الدكتور في أول كلامه يخلط أراءه بآراء أئمة التاريخ واللغة ثم أخذ يخلطها بآراء المستشرقين فيحكي اختلافهم في النقد دون أن يرجح رأيًا على رأي، ثم أخذ يستشهد ببعض أقوالهم في سياق التحكيم وسياق تفضيل المتنبي على امرئ القيس، وقد اشتبكنا مع بعض هذه الأقوال وهي أقل القليل مما نشره الدكتور، وفي هذه المقالة ذاك الخبر. وسأضع هنا الأقوال مؤرخةً بتاريخ نشرها، دون أن أخللها تعقيبًا فيما بين الأقواس، وهي مرتبة على حسب ما سيتلوها من ردٍ بعد سوقها، وقد استبدلت علامات التنصيص بالأقواس المنحنية وحذفت بعض هذه الأقواس من كلام الدكتور كي لا يختلط الكلام.

‏1- قال دكتورنا الفاضل:

 (يمتاز ديوان امرئ القيس عن غيره بمتانة اللغة وجودة الوصف، والابتكار في التشبيه والاستعارة واستئناس المكان والبكاء على الأطلال، ويتخلل شعره -على الرغم من ذلك- نفسٌ لاهية طائشة، مع فقر ظاهر في الأمثال والحكمة.

‏وأما شعر المتنبي فيتدفّق حماسة وفخرا، بلغة يفهمها الناس، وتسري فيه روح الحكمة والتجربة فهو بارع في الغوص إلى أعماق النفس البشرية، ولا تكاد تطلب معنى في ديوانه إلا وتجده حاضرا مسعفا، مع جودة المطالع ووفرة الأمثال.

‏ووجدت رأيا للمستشرق الإنقليزي نيكلسون Nicholson يحسن بي أن أطلعكم عليه، قال هذا المستشرق: "يمكننا تسمية المتنبي فيكتور هوغو الشرق.... إننا من خلال فحولة شعره، وتوثّب بيانه وروعته، وشطحات خياله اللامبالي، نقف على الصفات التي حملتنا على عده فنانا عبقريا".

‏ولكن المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير لا يوافقه، فكأنّ النزاع في شأن المتنبي في المشرق انتقل إلى المستشرقين، فهم في شأنه اثنان، مادح وقادح)[منصة إكس، بتاريخ:25/3/2024]

2- وقال مستشهدًا في سياق تقديم المتنبي على امرئ القيس:

(‏قال غوته في إحدى محادثاته مع إكرمان: "لا عبقرية دون أثر وافر يظهر بعد موت العبقري، ويستمرّ أزمانا". وعلّق عليه ريجيس بلاشير: "وإذا ما اعتبرنا في هذا المعنى السيرورة التي نعمت بها أعمال المتنبي الشعرية، والأدب الواسع الذي أوجدته بعده، أمكن أن ترى في هذا الشاعر المدّاح نوعا من أنواع العبقرية". ينظر: أبو الطيب المتنبي: دراسة في التاريخ الأدبي 37 واقتبست هذه العبارة في بحثي الموسّع عن المتنبي وأنا طالب في المرحلة الجامعية عام 1407هـ) [منصة إكس، بتاريخ:26/3/2024]

3- ثم خطا خطوةً جريئة فقال:

(من النادر أن تخرج من الديوان أي ديوان جاهلي أو إسلامي بخمس قصائد من عيون الشعر، ثم من النادر أن تخرج من كل قصيدة بخمسة أبيات مستجادة يمكن أن تغري الذاكرة بحفظها وتذكرها. ومن هنا قلت إنّ ثلاثة أرباع الشعر القديم نظم بارد وأنه ليس فيه إلا اللغة والأخبار. ولا نعجب فهذه طبيعة الفن) [منصة إكس، بتاريخ:29/3/2024]

فلما سأله أحد متابعيه عن علة هذا القول وهل هو لأن شعر الجاهلية منحول، قال الدكتور: (ربما ربما)

4- وقال الدكتور طالبًا تعليق قرائه:

(وجّه الباقلاني نقدا لأبيات من معلقة امرئ القيس منها "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"

‏يقول: كيف يستوقف من يبكي معه لذكرى حبيبه؟ ثم هل تقتضي ذكراه بكاء الخليّ؟ ومن السخف ألا يغار الشاعر على حبيبه فيدعو غيره إلى مغازلته والتواجد معه فيه والبكاء عليه) [منصة إكس، بتاريخ:5/4/2024]

5- وقال الدكتور منتهيًا إلى خلاصة قاطعة مهّد إليها طويلًا:

(الخلاصة: امرؤ القيس: يتفوّق في اللغة والوصف والتشبيه.

‏المتنبي: يتفوّق في الفخر والمديح والهجاء والعتاب والحكمة والأمثال وسيرورة الشعر.

‏المتنبي شاعر العربية.) [منصة إكس، بتاريخ:2/4/2024]‏

هذه جملة الأقوال التي ناقشتُ الدكتور فيها، بقي منها مقالةٌ ستأتي عن قريب في موضعها، وقد أجلتها إلى موضعها لأنها كانت ردًا على بعض تعقّبي.

***

قلتُ: هذا القول الأول الذي سقته للدكتور كله عجب، وفي نَفَسه ومساقه ورصه على هذا النحو من المضايق الموحشة والمزالق المهلكة ما نرجو ألا يكون الدكتور قد عناها، ومع أنّا لا نتهم الدكتور في أغراضه إلّا أننا مضطرون لكشف هذه الأغاليط والمحاذير لأننا وجدنا كثيرًا من الأساتذة يغفلون عن خطرها فيستمرئون القول دون ضبط وتحرير، ويستسهلون الخوض في البيان، ويجدون فيه ما لا يجدونه في غيره من الراحة في التزيّد والإهمال، فمن طلب منهم الاشتهار والانتباه فأيسر طريق له هو طريقُ الترسّل بالأقوال في هذا الباب..

وبعض هذه المزالق الخفية التي نجدها في كلمة الدكتور الأولى هي تحكيمُ المستشرقين في بيان العرب، ثم ذِكرُ اختلافهم في شأن المتنبي -الذي يُعلي من قدره الدكتور ويرفعه فوق كل شعراء العربية- فيكون غاية ما لشاعر العرب في سوق الدكتور لكلام المستشرقين هو أن يكون كفيكتور هوغو!، لا بل ثم لا تكون هذه (المرتبة العالية!) على جهة القطع واليقين، بل تكون مما يحتمل الشك والارتياب على رأي بلاشير!

‏وقد كان ينبغي للدكتور أن يعلم -وهو يعلم!- وأن يستيقن من لم يكن مستيقنًا أنه ليس للمستشرقين الأعاجم ولا لفروخ المستشرقين من العرب رأيٌ يُعتد به في مسائل الذوق والموازنة والترجيح، اللهم إلّا أن يكون تابعًا لقولٍ قد قيل، وقصارى ما لهم في هذه العلوم هو "الحديث عن العلوم" والبحث في التاريخ والمذاهب والجمع والفهرسة، وليس لهم أن يتقحموا شؤون الموازنة والمفاضلة بين امرئ القيس والمتنبي ولا بين غيرهم من شعراء العرب من أصحاب اللغة العالية..

‏ولقد كان امرؤ القيس رب العصر الذي انتهت إليه البلاغة وكان حامل لواء الجيل الذي قهره الله بالإعجاز وأرغم أنفه بالتحدي فكان قهرهم حجةً على العالمين وكان في قهرهم دليلٌ على أن القرآن كلام الله المُعجز.. فمن أراد بعد ذلك أن يستدل على الإعجاز والغلبة، دلل على ذلك بقياس الأولى حتى صار قياسًا جائزًا في كل العصور، لا يخرج من مقدماته بليغٌ متأخر بالغ ما بلغ في البلاغة.

ولكن يبدو أنّ للدكتور إعجابًا قديمًا واعتدادًا بعيدًا بأقوال المستشرقين في التحكيم، كما نرى في الكلمة الثانية وفي جملة كلام الدكتور مما ذكرنا وما لم نذكر.

والإعجاب الباعث على الاعتداد بأقوال المستشرقين في جملة هذا الإعجاب الذي يكون من الباحثين العرب، لا نعرف له موجبًا من علوم المستشرقين وأقوالهم وإن كان له في الغالب موجبٌ من بواعث النفوس، ولسنا نعرف له موجبًا من علومهم لأن المستشرقين من أولي الأغراض ومن غير أولي الأغراض بعيدون كل البعد عن تذوق بيان اللغة العربية، وليس لهم من المنهج والتحقيق إلّا: "يبدو، ولعل، وربما، ويمكن أن نقول" وهي بعدُ ليست كلماتٍ تقال بغرض الاحتراز والهيبة والاحترام، الذي يكون بعد استفراغ الوسع والاجتهاد، ولكنها تقال بغرض القفز والوثب والهجوم على الدعاوى العريضة من المقدمات الواطئة القصيرة أو الحيلة العاجزة الكليلة، إن بغرضٍ أو بجهل.

ونحنُ نحفظ لبعض المستشرقين جهودهم في إخراج النشرات والمخطوطات وإعداد الفهارس، ونشكر لهم اجتهادهم في إعداد دراسات الوصف والترتيب، وقد نسمع لشيء من آرائهم في بعض الفنون، ولكن المستشرقين وإن كانوا يتفاوتون في أغراضهم ومقادير علومهم واجتهادهم، فإنه ينبغي ألا يُحكّموا في شيء من قضايا اللغة القائمة على الذوق والاستبصار التي تكون السليقة فيها شرطًا تنتفي بانتفائها الملكة ويسقط بسقوطها الاعتبار.

و‏بعد أن بينّا أن ليس للمستشرقين قول ولا حكومة ولا موازنة يعتد بها في شأن شعراء العربية وبيان العرب، حان أن نبيّن غاية ما يبني عليه المستشرقون أقوالهم في المفاضلة، وأن نبين علة تقديمهم للمتنبي.

إنّا نجدُ أن المستشرقين ودارسي الأدب يُعجبون بشعر المتنبي لأن شعر المتنبي قابلٌ للترجمة إلى كل لغة مع بقاء قدرٍ عالٍ من الجمال ينقل الدهشة من لغة إلى لغة أو من عقلٍ إلى عقل، وهذا القَبول الذي في شعر المتنبي إنما هو ناشئٌ من إجادته في البيان عن الأغراض التي تشترك في استيعابها النفوس الإنسانيّة على اختلاف قدرتها على الاستبانة، وتشترك في استيعابها اللغات بخصائصها الدارجة وأدواتها المُستعملة وتؤدي الترجمةُ هذه المعاني بيسر في لغاتها دون تكرير وحشو وإطالة تجوز بالشعر عن طرافته المقصودة.. وعلى هذا المعنى فالمتنبي شاعر العرب الذي تُفاخر به الأممَ على نحوٍ يقبلونه.. لا بل هو شاعرٌ من شعراء الدنيا المعدودين.

‏أما امرؤ القيس، فهو شاعر العربيّة في أدق خصائصها وأخص مزاياها وأحكم نظمها وهو شاعرها في مزيّتها التي تفترق بها عن اللغات، ويعجز عن إحاطتها وتذوقها المستشرقون، ولذا كانت طبقة امرئ القيس هي الطبقة المقصودة بالتحدي والإعجاز، فهي الطبقة العليا من البيان العربي الذي ليس فوقه إلا بيان الوحي الكريم.

وكان هذا الكلام هو ما رددنا به على الدكتور حين استعان بكلام المستشرقين، لكن الحديث بعد ذلك قد خطا خطوةً أخرى وانتقل إلى معانٍ أخر، فقد كشف الدكتور عن رأيه صراحةً، حين قال ما قال في كلمته الثالثة وهي كلمة مجازفة مستهترة لو أردنا تعقب أصولها لطال بنا الحديث وضاق عنّا المقام، ولسنا هنا معنيين بكل ما يقوله الدكتور ولا بكل ما يقوله الدكاترة، ولكنا معنيّون بهذا المنهج المضطرب وهذه الوسائل المرتضاة التي إن أسقطناها سقطت من بعدها الأقوال.

فقد أخذ الدكتور بعد هذا في سوق آراء شديدة الاضطراب يرسلها بغير سياق وبسياق بعيد على ما قد تقتضيه طبيعة المنبر الذي يتحدث منه، وقد نهج الدكتور في تقديم المتنبي كل منهج وطرق كل أسلوب، فأتى بالتقرير والسؤال، والقطع بعد الظن، والاطمئنان بعد الشك، واستقطع لذلك أقوال المستشرقين والمتكلمين، ومن ذلك ما أورده في كلمته الرابعة حين ساق كلام أبي بكرٍ الباقلاني.

وقد بينت في غير هذا الموضع رأيي في مقالة أبي بكر الباقلاني، وموجز هذا الرأي هو أنّ الباقلاني قد ذكر هذا وغير هذا في كتابه إعجاز القرآن في سياق التدليل على أن القرآن أعلى من عوالي الشعر العربي، والباقلاني قاضٍ مالكي فقيه ومتكلم أشعري بارع، وهو كذلك أديب جيد العبارة ولكنه ليس له في النقد وتمييز الشعر يد ولا نصيب، وجملة ما أورده في كتابه من المآخذ على امرئ القيس والبحتري ضعيف ومردود، لا بل إن منهجه في بيان إعجاز القرآن بإسقاط كلام الشعراء منهجٌ فاسد يضر بما أراده من بيان الإعجاز، ولقد كان النهج الصحيح في بيان علو القرآن يقتضي أن يرفع الباقلاني من كلام البلغاء ويعلي من شأنه ثم يأتي بالنص القرآني الكريم ويدلل على أنه فوق كلام البلغاء العالي البالغ نهاية الوسع والقدرة البشرية فهذا أخلقُ بكلام الله.

‏والباقلاني في كتابه عن الإعجاز لم يصنع شيئًا سوى التعجّب والانبهار، وليس بشيء أن يقول إن القرآن أعلى من "قفا نبكِ" لأن "قفا نبكِ" منحطّة في الذوق السليم، ولقد قالوا قديمًا:

‏"ألم ترَ أن السيف ينقصُ قدره

‏إذا قيل إن السيف أمضى من العصا"

‏فرحم الله الباقلاني ما كان أضعف مسلكه، وتعالى الله سبحانه وجلّ كلامه وتنزّه عن إعجاز الرديء من القول، فهو الآية الباقية والمعجزة الخالدة القائمة على رؤوس البلغاء أبد الدهر.

ومع ذلك فإن الباقلاني حين سلك هذا المسلك الغريب كان قد سلكه وهو يعترف ضمنًا بأن امرأ القيس رأس الشعراء وأن قصيدتَه معلقةُ الشعر، فجعلها القصيدة التي إن بان ضعفها عُلم علو القرآن عليها. فليس لدكتورنا الفاضل أن يأتي بقول الباقلاني في سبيل الحط من امرئ القيس لإعلاء المتنبي، فلم يكن هذا مقصد الباقلاني ولا سبيله، ثم إن الباقلاني المتوفى في بداية القرن الخامس، كان قد انتقى شاعرًا من المحدثين يرفعه على جميع الشعراء المحدثين ليدلل على سقوطِ قصيدته العليا على افتراق القرآن وإعجازه، فكان هذا الشاعر هو البحتري ولم يكن المتنبي.

***

ثمّ إنه قد أتى بنا الحديث للكلمة الأخيرة من كلمات الدكتور على ترتيبي، وفي كل هذا الحديث الآنف كان الدكتور على حاله التي ارتضاها، وهي أن يرسل الآراء المضطربة ثم يعجب بأقوال موافقيه، ويُعرض عن أقوال معارضيه إلا أن تكون ضعيفةً فيُعمل فيها حيلته ومقدرته، حتى انتهى الدكتور إلى نتيجته التي قررها في كلمته الأخيرة، وظن أنّه يعطف على امرئ القيس حين يقول إنه تفوق في اللغة والوصف والتشبيه، ليقول إن المتنبي يتفوق في الفخر والمديح والهجاء والعتاب والحكمة والأمثال وسريان الشعر فيخلص بذلك إلى أن يقول: المتنبي شاعر العربية.

وهذي نتيجة عجيبة لا نطيل التعجب منها إذا علمنا كيف استنتجها الدكتور، فوسيلة الدكتور إلى تقديم المتنبي هي تفوقه في الأغراض، ومع أننا لا نحقق ما يعنيه باللغة والوصف والتشبيه التي يتفوق بها امرؤ القيس إلا أننا نقول إنما مدار الشعر على الوصف ومدار البيان على اللغة.

والتفاضل في فنون القول لا يكون بالأغراض التي هي أصول المعاني، بل هو بترتيب الألفاظ حسب ما تقتضيها المعاني وهي "توّخّي معاني النحو في الكلام"

‏فإذًا الموازنة بين الشعراء والبلغاء إنما تكون بلحاظ هذا النظم، لا بلحاظ الأغراض الكليّة.

‏فإذا تفوّق امرؤ القيس في اللغة على ما تشمله من النظم، فإنه لا يجوز أن يُقال إن المتنبي تفوّق عليه لأنه متميّزٌ في باب المدح والعتاب والهجاء، فهي أغراضٌ من القول لم يقصد إليها امرؤ القيس لأمورٍ طُبع عليها من وراثة الملك أو لأنه أعرض عنها..

‏وقد يُقال إن المتنبي أشعر الناس في هذه الأغراض، ولكنّها لا يُوازن بها بين الشعراء في ذات الملكة وأصل القريحة.

‏ولذا كان التحدّي بالقرآن تحديًا بالنظم لا تحديًا في أصول معانيه وأخباره وقصصه وغيبياته، فلذا قال تعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود ١٣]

‏ولذا جازت الموازنة بين قصيدتين لكلٍ منهما غرضٌ تنتظم عليه لأنها موازنة في النظم لا موازنة في الغرض..

وقد قرأ الدكتور هذا الرأي الذي قدمته، ورد عليه، وهذا أوان ذكر ردّه الذي أرجأته، قال الدكتور:

(رأيت من يدّعي أن فحول الشعراء لا يتفاضلون في الأغراض وإنما في النظم والوصف واللغة فحسب، وهذا الزعم ظاهر البطلان، فليس فحلا من لا يحسن النظم والتصرف في اللغة ويوظفها في غرض يبرع فيه، فتراه يرتفع في غرض وينحطّ في آخر، ومن هنا يتباين الفحول في الأغراض، فالنابغة مقدم في الاعتذار، والفرزدق في الفخر، وجرير وكثير عزّة في النسيب، وأبو تمام في الرثاء، والمتنبي في المدح والحكمة، وابن هانئ الأندلسي في الطبيعة.

‏وكان الفرزدق مع براعته في اللغة ليّنا في الرثاء والغزل، لا يجاري جريرا فيهما، فالفرزدق إلى الصنعة أقرب فوصفوه بأنه ينحت من صغر وكان جرير أقرب إلى الطبع، والشعر المطبوع أبلغ وأجود من الشعر المصنوع وإن جادت لغته ونظمه.

‏ونقل ابن قتيبة في الشعر والشعراء قولهم: ذو الرمّة أحسن الناس تشبيها، وإنما وضعه عندهم أنّه ‌لا ‌يجيد ‌المدح ولا الهجاء. ولمّا أنشد بلال بن أبى بردة قوله:

‏رأيت الناس ينتجعون غيثا

‏         فقلت لصيدح انتجعي بلالا

‏قال بلال: يا غلام أعطه حبل قتّ لصيدح!

‏وإنك لترى أن الشعراء يوصفون بأجود ما لديهم من أغراض، فهناك شعراء النسيب والغزل العذري، وهناك شعراء المدح والهجاء، وشعراء الحكمة والأمثال، وشعراء الكرم والفروسية والحمية، وشعراء البلاط والتكسّب، وشعراء البكاء والرثاء، والشعراء الصعاليك) انتهى.

***

 قلتُ: ‏ربما كان الدكتور عبد الرزاق الصاعدي مؤسس مجمع اللغة الافتراضي يعنيني بقوله: "رأيت من يدّعي" لأنّ المقالة التي عرّض بها هي مقالتي ردًا على ذات الكلام الذي يستدعيه الدكتور في رده.

‏ولم أتنبّه لردّه لأن الدكتور لم يُشر إليّ ولم يصرّح، وما رأيت مقالته حتّى نبهني إليها بعض الصحاب.

وعلى كل حال فيبدو أنّ جهة الحديث منفكّة، فأنا لم أقل إن الشعراء لا يمتاز أحدٌ منهم ببابٍ يغلب عليه أو يُبدع فيه، وإنما قلتُ: إذا أردنا الموازنة فالموازنة بين الشعراء لا تكون بالأغراض التي هي أصول المعاني، بل تكون بالنظم الذي هو [بتعبير آخر]: المعنى المتحصّل من ترتيب الألفاظ لتأديةٍ غرضٍ ما. فقد بان إذن أنّ دكتورنا الفاضل قد نحا نحوًا ليس عليه كلامي، وعليه فقوله في آخر الكلام:

‏"وإنك لترى أن الشعراء يوصفون بأجود ما لديهم من أغراض، فهناك شعراء النسيب والغزل العذري، وهناك شعراء المدح والهجاء، وشعراء الحكمة والأمثال، وشعراء الكرم والفروسية والحمية، وشعراء البلاط والتكسّب، وشعراء البكاء والرثاء، والشعراء الصعاليك"

‏قلت وعليه فليس هذا فيما نحنُ فيه من الحديث لأنّي لم أُنكره، أما استشهاد دكتورنا الفاضل بقوله: "ونقل ابن قتيبة في الشعر والشعراء قولهم: ذو الرمّة أحسن الناس تشبيها، وإنما وضعه عندهم أنّه ‌لا ‌يجيد ‌المدح ولا الهجاء"

‏وهذا النقل الذي ساقه الدكتور هو الخبر رقم (941) من كتاب الشعر والشعراء بتحقيق الشيخ أحمد شاكر، وهو قولٌ أرسله ابن قتيبة دون تعيين قائله أو إسناد خبره تمامًا كما ساقه الدكتور. ونحنُ نقول إنّ هذا الخبر كذلك لا يدلُّ على الموازنة بين الشعراء بما كانوا به شعراءً أي بفنون القول والبيان، فاتضاعه عند الناس يُقصد به خمول ذكره بالقياس إلى معاصريه من مثل جرير والفرزدق، وبينٌ أن خمول الذكر وسريانه ليس مُرّجحًا قائمًا بذاته في ميزان النقد لأنه متأثرٌ بأمور ليست من متعلقات الصنعة الشعرية وإلا لبؤنا بكون أدونيس شاعر العربية في هذا الزمان!..

‏والذي يدل على أن نقل ابن قتيبة الذي يقول فيه: "إنما وضعه عندهم" قد كان المعني به: الخمول، هو أنّه نقلَ بعقبها تعليلهم: "أنّه ‌لا ‌يجيد ‌المدح ولا الهجاء"

‏وذلك لأن المديح متعلقٌ بالأمراء والسادة والخلفاء وعند الأمراء والسادة والخلفاء يكون الاشتهار وذيوع الصيت، وأما الهجاء فإن سُوقَهُ كانت رائجةً في تلك الأيام، وفي هذا نظرٌ إلى ما كان به ذيوع أمر جرير والفرزدق، فهما ربّا هذا الفن وباعجا بطنه عن مكتنز معانيه.

وشيءٌ آخر نحب أن ننبه إليه في معرض الحديث عن الخبر، وهو أننا لا ننكر أن يكون ابن قتيبة المتوفى عام 276هـ ولا أن يكون بعض العلماء المتقدمين قد رأى هذا الرأي، أعني الترجيح بين الشعراء بحسب كثرة الأغراض التي يغلب بها شاعرٌ نظيرَه، ولكنّا يجب أن نتنبّه إلى أن هذا الترجيح هو ترجيح متأخر عن الموازنة بين الشعراء في النظم، أي أنّه مرجّح بعد استواء الشعراء في الملكة والطبع وقوة اللغة وكثرة الماء وجودة النظم، فقد كان هؤلاء العلماء ينظرون إلى من تقدمهم من الشعراء، وما هم إلا شعراء جيل التحدي، وأبناء ذاك الجيل من الشعراء ممن روى لآبائه وحفظ القرآن وقد تقاربت بينهم الملكات. ثم إنّه كان بعد ذلك عصر اتسعت فيه الدولة وقامت قائمة العلم وكثر القول بعد ذلك واختلط الشعراء، فلربما كان من بعض النقاد والرواة ولعٌ باستعمال طريقة المتقدمين في النقد، ولكنها كانت مقصورةً على الموازنة بين أبناء الجيل الواحد المتساوين في النظم، فطبّقوا الطبقات، ووازنوا بين امرئ القيس والنابغة، ووازنوا بين جرير والفرزدق، وبين البحتري وأبي تمام، وبين المتنبي وخصومة. ثم تشعّب الأمر واختلط، وقيل ما قيل وقال من أراد أن يقول، فأصبح الكلامُ إلى أن صار إلى هيئته التي أوجبت علينا هذا الحديث..

***

‏ورجع بنا الحديث إلى كلام الدكتور، وقبل ذلك قال الدكتور في ردّه: "فليس فحلا من لا يحسن النظم والتصرف في اللغة ويوظفها في غرض يبرع فيه، فتراه يرتفع في غرض وينحطّ في آخر"

‏وهذا قولٌ في مطلق الفحولة وهي حاصلةٌ للشاعرين الذينِ كنّا بصدد الحديث عنهما والتفاوت حتمٌ في كل كلام غير كلام الله فلا مدخل للرد على كلامي بهذا.

‏فإذا فرغنا من تبيان أنّ الجهة منفكَةٌ بيني وبين دكتورنا الفاضل، فما تعليل قولي حين قلتُ إن الموازنة بين الشعراء عند أهل النظر لا تكون بالأغراض الكلية اللي هي أصول المعاني؟ ثمّ هي أبعد ما يُنظر إليه حين تكون الموازنة فيما يكون بين شاعرٍ مثل امرئ القيس وشاعرٍ مثل المتنبي؟

‏ذاك لأن سكوت شاعرٍ عن غرضٍ من الأغراض ليس هو بمنقصٍ من شاعريته ولا بطاعنٍ في مقدرته، وليس هو بدالٍ على شيء أكثر من كون الشاعر قد سكت عنه أو أعرض عنه ترفعًا، فالشاعر الذي لا يُحب أن يكون مداحًا ليس سكوته عن المدح لأنه لا يجيده ولكن لأنه لا يريده، وكذا الشأنُ في الهجاء.. وغاية ما يُقال في هذا هو أنّ الشاعر لا تُطلب في ديوانه قصائد المدح والهجاء أو قصائد الفخر والرثاء.. فإذا خلا ديوانه من ذلك فقد يكون هذا وصفًا للديوان لا وصفًا لمقدرة الشاعر ولا طبقته. وأما ما زدته من بُعدِ ذلك في خصوص المقارنة بين امرئ القيس والمتنبي، فذلك لأن امرأ القيس شاعرٌ متقدّم قبل عصر التدوين ولم تتوفر على نقل ديوانه الوسائل التي توفرت للمتنبي، فالمقارنة بقولنا: إن المتنبي يتفوّق عليه في باب الفخر ونحوه، هي مقارنة فيها مجازفة وفيها قفزاتٌ وقفزات، لأن خلو الديوان من غرض ما، لا يجيز لنا القطع بأنّ الشاعر لم ينظم عليه ثمّ يكون هذا الظن دليلًا نقطع به قطعًا آخرَ أن الشاعر لم يُجد في هذا الباب!

‏فهذا تعدٍ لحد العدل، والعدل أن يُقال: "إذا طلبت الحكمة فدونك ديوان المتنبي لا ديوان امرئ القيس" وهذه جملةٌ لا تُوازِن بين سلائق الشعراء وطبائعهم. ذلك لأن الشعر فنٌ قولي والفنون القوليّة تكون فيها خصائص القول هي محك النظر عند الموازنة لا أغراضه، لأن الأغراض تكون متعلقة بالعرفان لا بالبيان الذي هو خاصة القول، ولذا قال سبحانه وتعالى حين قرع أنوف البلغاء الأقحاح:

‏﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾[البقرة: ٢٣]

أي من مثله في العلو والبيان ولو كان في غير أغراضه، لأنه لمّا جاز للعرب أن يقولوا: إننا لم نعرف هذه الأغراض ولم نعرف قصص الأنبياء والسابقين فلا اعتبار للتحدي فيما نجهل فتكون جهة العجز متحصلة من الجهل لا من ضعف المقدرة وهذا ليس بعجزٍ مكتمل الأركان وإنما الاعتبار يا محمد فيما نعلمه ولا نقدر عليه_ فلما جاز لهم أن يقولوا ذلك قال سبحانه وتعالى لنبيّه: 

‏﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾[هود ١٣].

‏فقال افتروا في الأغراض والمعاني والقصص والأخبار ما شئتم فهل أنتم قادرون على الإتيان بمثله بلاغةً وعلوا؟

‏فكان في هذا قهر العرب وإبلاسهم.

‏فلو كان يجوز أن يكون الشأن في الموازنة للأغراض دون النظم، لكان قد جاز للملحدة أن يقولوا إن بلاغة المتنبي وأبي العلاء وأبي نواس وشكسبير وإليوت وكولردج فوق بلاغة القرآن لأنّ دواوينهم اشتملت على أغراضٍ من القول بديعةٍ كان القرآنُ خلوًا منها!

‏تعالى الله عن مثل هذا علوًا كبيرًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...