قال
الإيرانيون في تضخيم هجمتهم: إنها أكبر هجمة بالطائرات المسيّرة في العالم منذ عرف
العالم الطائرات المسيرة..
وقال
شانئوهم: ليكن ذلك صحيحًا، فما جدوى أن يكون هجومها بأكبر سربٍ من الطائرات أو
بأكبر سربٍ الصواريخ إن كان هذا الهجوم بدأ بعد الإعلام والاتفاق.
ولقد
كان هذا صحيحًا إذ صحّ القول الأول، فالضربة الإيرانية ضربةٌ لم تكن منها جدوى بالغة في
ميزان من الموازين العسكرية وإن كان منها جدوى في ميزان من موازين الهيبة والسمعة عند غير المفتونين بها على كل حال، فإسرائيل التي
نكّلت بإيران وسحقت قنصليتها في سوريا وقتلت خيرة ضبّاطها وقادتها بعد أن قتلت
خيرة علمائها، لم يُقتل لها جنديٌ واحد ولا مدنيٌّ واحد بعد الرد الإيراني، وقد
سقطت جل المقذوفات الإيرانيّة قبل أن تصيب أهدافها كأنها ما أُطلقت إلّا لتُصطاد.
ولم
يخب بها أملٌ للمؤملين كما خاب بعد هجمتها، ولا قام لشانئيها حفلٌ للتندّر
بسيادتها كما قام بعد هجمتها، وقد ذهبت الفكرة والنظرة بمشايعيها وشانئيها على
السواء إلى أنّ هذه الضربة لم تكن سوى مسرحيةٍ تُمثّل على شهود المسرح بعد الاتفاق
والاستعداد، والتلقين والتخطيط.
قالوا إنها مسرحية، والمسرحية تكون بين المتفقين
الذين يكون اتفاقهم في السبل والغايات. وأمّا السياسة ومشاهدات الواقع فتقول إنّ
بين إيران وإسرائيل عداوةً فهل يتسع المسرح للمتعادين؟
إنه
قولٌ قد قيل وجرت به الألسن ولم يخلُ منه نقاشٌ خاض في شأن هذه المعركة، ولكننا
نجدُ أنّه لمن العجب أن يقول ذلك من يسوّغ لنفسه التطبيع مع إسرائيل بحجّة العداء
لإيران، ويروج أنّ الاصطفاف مع إسرائيل حتمٌ لكيلا يكون الخضوع منصرفًا للدولة التي احتلت "أربع عواصم عربيّة" إذ كان التقدير السليم في موازين الحساب والأرقام يقتضي أن يكون الخضوع مصروفًا للدولة التي احتلت عاصمةً واحدة!
نعم
إن بين إسرائيل وإيران عداوةً، أو مشاحة يصعب إنكارها إلّا بالانغماس في نظريات
المؤامرة، ولكنها ليست العداوة المُقصية للوجود، أو هي عداوة مؤجّلة، فهي في هذا
التوقيت من العدوات التي يبعثها التنافس والاستباق ونظر الأنداد للأنداد، وقد كانت هذه المعركة قضاءً مبرمًا لم يكن يسع إسرائيل ألا تبدأها ولم يكن في وسع إيران أن تغضي عنها، فهي معركة فرضتها طبيعة الأحداث ودفعت إليها وقائع السابع من أكتوبر، وقالت سنن التاريخ إنّ أشباهها من المعارك لابد أن يكون لها ما بعدها من الاحتدام والتغيّر في الأحلاف، بل والتغير في النظام العالمي الجديد..
وإنه
ليس يخفى على الناظر أنّ على الواقع والمرسم مشروعين يستبقان لاقتضام أراضي العرب
ويتفقان في الغاية التي لا سبيل لتحقيقها إلّا بإضعاف العرب وإخضاعهم. هما المشروع
الإيراني والمشروع الصهيوني وبغير استحضارٍ لهذه الحقيقة الواضحة فإن التفسير يجنح
بنا إلى كلامٍ غير مفهوم، فهي إذن عداوة منضبطة مرنة يجوز أن تتحول في طورٍ من
أطوارها إلى تهادن واتفاق إذا ضُمنت فيهما المصالح ولم تتعارض فيها الغايات.
ضربت
إسرائيل إيران لأنها تريد أن تقول للعرب إني كفيلةٌ بحمايتكم من إيران في ظروف
الحرب كما أنا كفيلةٌ بحمايتكم في ظروف المهادنة، وتقول لأصدقاء إيران إني قادرة
على ضربكم في كل وقت إذ ضربت راعيكم في أحرج وقت.
وقد
عقبت هذه الضربة اهتياج الشعب الأردني الذي أغرى إيران وأقلق إسرائيل، وقد عقبت كذلك
احتجاج المستوطنين داخلها، وكانت الضربة في العشر الأواخر من رمضان، وهي الليالي
التي لا تهدأ فيها إسرائيل في أيام المهادنة والهدوء. ولقد تمّ لإسرائيل بضربتها
بعض ما أرادت، فأُجّلت أمور وهدأت أمور.
ثمّ
ردّت إيران بعد التحذير الأمريكي والتحذير الأوربي لأنه لم يكن لها عن الرد مناص
ولا مندوحة..
فإذا
لم ترد إيران عن سيادتها وتحفظ حقّها وكرامتها في مركزها فمن يضمن الحماية
لفصائلها المتناثرة على الأطراف؟
قالت
إيران لأمريكا ذلك، وأدركت أمريكا هذا الحرج، لكنها أبت أن يكون في الرد الإيراني
ما يستهين بإسرائيل ويغري أعداءها بها، وهو بأن يكون في الرد قتلٌ وتدمير! ولكن
إيران إذا ضربت ضربةً مثل التي ضربتها إسرائيل دون أن يكون في ضربتها قتل وتدمير فإنها
لا تكون بهذه الضربة قد حفظت حقها ولا ردت اعتبارًا ولا ضمنت ثقة المعتمدين
عليها.. فلا بدّ إذن من مخرج! ولا بد من ضربة لا تكون فيها استهانة بإسرائيل ولا إهانة
لإيران.. فكان المخرج في أن تكثّف إيران هجومها بالطائرات والصواريخ لتحفظ
كرامتها، دون أن يكون في الهجوم ما يعوض الضرر اللاحق بها في الأنفس والممتلكات لتحفظ كرامة إسرائيل
كما يفهم الأمريكان من معنى الكرامة، فهي إذن هجمة بعتاد أكبر وبضرر أخف.
ردّت
إيران مع اقتضاء الانضباط والتوازن، فلم يعجب إسرائيل الرد على ضعفه، ولا بدّ هنا للأمريكان أن يُغلظوا في
القول لإسرائيل ويضربوا لها على الطاولة -كما يقال في لغة السياسة- وأن يعركوا إذن صبيّهم المدلل
الذي لا يعرف أين تكون مصلحته= كي لا تمتد الحرب ولا تطول. فإنّه ليس في مصلحة
إسرائيل أن تخوض حربًا مع إيران في هذا الوقت وليس في مصلحة إيران كذلك أن تخوض
حربًا مع إسرائيل، والمصلحة كل المصلحة لكليهما أن يُخضعوا ما استطاعوا من مسرح
الأحداث.
ولكن
هل يبقى لإسرائيل شيءٌ من الهيبة عند أعدائها إذا طوت الرد الإيراني وانصاعت
للأمريكان؟
إن
أكبر مطامع إسرائيل من الضربة لم يتحقق حتّى الآن وهي أن تطوّر تحالفها العسكري مع
الأمريكان والأوربيين والعرب ليشمل هذا التحالف المشاركة في الحرب بغير الإمداد
والتحركات والمعلومات والضربات التي من مثل ضرب الحوثيين بعد إغلاق المضيق! فإسرائيل
كيانٌ مدلل أرعن، جعلته نرجسيته يظّن أن ذلك ممكنٌ مع استعار حرب الروس والأكران، وانشغال
أمريكا بالصين، وانشغال أوربا بنفسها، وظنته ممكنًا مع خرق المعاهدات الدوليّة
بضرب المباني الدبلوماسية. فإذا قد فشل هذا المطمع المتمادي واقتضت طبيعة إسرائيل
الجشعة ألا تكتفي بما حققت من ضربتها، فماذا يضمن لإسرائيل بقاء هيبة الردع الذي
تعتاش عليه ويعيش به مستوطنوها إذا ردّت إيران؟ ما الذي يضمن بقاء هذه الهيبة عند
الفصائل التي تدعمها إيران على أقل تقدير؟
نشرت
"يدعوت أحرنوت" تقريرًا ذكرت فيه أن المجلس الأمني في إسرائيل متفقٌ
على ردع إيران بعد ردها حتّى لا تستمرئ إيران إرسال المسيرات بهذه الكثافة بعد كل عملية
اغتيال! وإن كان هذا الاغتيال بعد الاعتداء على سيادة دولتها! وإن كان هذا
الاغتيال ينتهك المعاهدات الدولية! وإن كان الرد الإيراني بعد الإعلام والتفاهم والاتفاق.
إن
إسرائيل كيان متغطرسٌ عنجهي، سافر العنجهية والغطرسة..
وهو
كيان يسيّره الغرور فلا يكتفي بغير الإذلال والتخضيع..
تريد
إسرائيل أن تكون لها الضربة الأولى فإذا تلقت ردًا فلا بدّ أن يكون الرد دون
ضربتها، وهي مع ذلك لا تسكن إلى الانضباط ولا تجنح للتهدئة حتّى تكون لها الضربة
الأخيرة.
هذا
الكيان يجنّ جنونه حتّى تكون له الضربة الأخيرة بعد أن تكون له الضربة الأولى،
فكيف لو لم تكن له الضربة الأولى كما كان في طوفان الأقصى؟
لا بدّ أنه سيفزع
ويتوحش توحشًا بهيميًا ويتخبّط تخبطًا نرجسيًا حتّى يتم له مثل ما كان في غزّة.
هذا
الكيان الطفوليُّ الجشَعِ الحيواني الثورةِ سيقوده جشعه إلى حتفه، ككل كيان في
التاريخ أعمته الغطرسة، وهذا ما عركت أمريكا لأجله أذن صبيّها.
هجمة إيران لم تكن هزيلة بل كانت أوسع مما ظننت وبها دخل الصراع مرحلة جديدة وبه كأنها تحيّد قضية غزّة " لأن موقفها المباشر كان صغيرًا جدًا منذ ٧/١٠" وترسل رسائل بأن مصالحها فوق كل القضايا؛
ردحذفوبالنظر لردة الفعل الصهيونية أمس عبر الاعلانات القصيرة في خلق حالة رفض إسلامي من خلال التجييش ضد الهجوم " ضد الأقصى" وتصوير مايقال عنها إسرائيل كحامي حماه، هي ردة فعل مبالغ فيها ومن خلاله أرى الضعف وسوء إدارة الموقف، وأجزم بأنها بداية النهاية ..
والمرحلة القادمة ستكون الفاصلة..