ذكرنا في آخر المقال الماضي شيئًا
مجملًا في العقل الإسرائيلي ومزاجه النفسي، فقلنا فيما قلنا: إن إسرائيل كيانٌ
عنجهي متغطرس طفولي، لا يرضى إلّا أن تكون له الضربة الأخيرة بعد أن تكون له
الضربة الأولى، أو أن يستحيل وحشًا من وحوش الغاب إن فاتته الضربة الأولى فلم
يتوقعها، قلنا ذلك وتوقعنا أن ترد إسرائيل على الرد الإيراني الضعيف مع أنها كانت
مَن بدأت الهجوم ومع أنّها لم تخسر شيئًا من الأنفس والبُنى والعتاد في الرد
الإيراني الذي كان ضعيفًا بالقياس إلى هجمتها الأولى.
ولم تُمهلنا الأيام طويلًا حتى
كان ما توقعناه، ولم يكن ما توقعناه شيئًا يخفى عند النظر والتدقيق ولا شيئًا يَصدُق
معه أن نقول إننا "تنبأنا به" فيكون من جنس النبوءات التي تخفى
مقدماتها، أو من جنس التوقعات التي تحتاج إلى خبرةٍ عريقة وحسابات دقيقة.. ولكنّه
توقّعٌ مسعوفٌ بتكرار العادة واستفاضة التجارب.
فما الذي حدث؟
سُمع دوي انفجارات ضخمة متزامنة
في إيران والعراق وسوريا، وكانت قد شملت مطاراتٍ إيرانية ومنشآت عسكرية وقواعد
أقلعت منها المسيرات الإيرانية بطهران جنوب العاصمة في عمق البلاد.
احتفى الإعلام الإسرائيلي
والمواطئ لإسرائيل بالضربة ونقل عن مسؤولين إسرائيليين أن الضربة كانت إسرائيليةً ردًا على الرد الإيراني بعد إعلام أمريكا.
فقد قالت النيويورك تَيمز نقلًا
عن مسؤولين إسرائليين قولهم: نفذنا ضربات على مواقع في إيران. ونقلت الفوكس نيوز
عن مصدر عسكري أمريكي ما يفيد أن إسرائيل هي من وجهت الضربة. وقال مصدرٌ أمريكي
للـ abc
إن إسرائيل قصفت تسعة مواقع في إيران. وبمثل هذا قالت الـ CNN
ورويترز والواشنطون بوست..
احتفل الإعلام الأمريكي الذي ينطق
عن إسرائيل بالضربة وضخّم من شأنها وكان في كل احتفاله يرسل خطابين، أحدهما موجّه
لإسرائيل والمستوطنين بها، وآخر لإيران.
كان الخطاب الموجّه لإسرائيل
وشعبها على صيغةٍ تضخّم من شأن الضربة وتفخّم من قوّة إسرائيل وصلابتها، وهو خطابٌ
ذو غايتين، فالغاية الأولى هي إرضاء الغرور الإسرائيلي وتمجيد دعاية إسرائيل
الأمنية التي تُطمئن بها شعبها، وأما الغاية الثانية فهي لازمةٌ للأولى أو متفرعةٌ
عنها، وهي إبقاء هيبة الردع في نفوس أعدائها من العرب وأعداء إسرائيل من غير العرب.
أما الخطاب الثاني الموجّه لإيران
فقد كان يقول إن الضربات الإسرائيلية لم تُصب المنشآت النووية الإيرانية، وقد نقلت
ذلك فوكس نيوز عن مصدرٍ أمريكي، ونقلته كذلك الـ CNN
فقالت عن مسؤول أمريكي: "فهمنا من المسؤولين الإسرائيليين أنهم لم يستهدفوا
أي منشآت نووية" وغاية هذا الخطاب هو تهدئة إيران وحثّها على طي الضربة
وتقبّلها لخفض التصعيد الذي ليس هو في مصلحة إيران ولا في مصلحة إسرائيل ولا في
مصلحة الأمريكان.
فكيف كانت استجابة إيران لوقع هذه
الأحداث؟
أعلن الإعلام الإيراني بعد
الضربة عن اجتماعٍ طارئ للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. لكنّ أمانة المجلس
كذّبت الإعلان..
وقالت وكالة تسنيم الإيرانية:
"إن المنشآت النووية الإيرانية في أصفهان آمنة"
وهوّنت وكالة الأنباء الإيرانية
من شأن الضربة فأعلنت عن: "تفعيل المضادات الدفاعية الجوية بمحافظة تبريز
شمال غربي البلاد للتصدي لجسمٍ مشبوه"، وقالت:
"التصدي للمسيرات تم بمضادات
أرضية على ارتفاع منخفض جدا ولم يتم بأنظمة دفاع صاروخية"
وقال التلفزيون الإيراني: "الدفاع
الجوي يستهدف عدة مسيرات صغيرة مجهولة في أجواء محافظة أصفهان وسط البلاد"
وقال قائد الجيش الإيراني -والنقل عن الجزيرة-: "أصوات الانفجارات في أصفهان
نجمت عن إطلاق النار على أجسام طائرة وكنا يقظين"
استجابت إيران للضربة بالتهوين من
شأنها وقالت على لسان مسؤوليها إنها لم تكن ضربةً صاروخية ولم ينجم عنها ضرر وأنها
تصدّت لمسيرات صغيرة جدًا، وظلّ الإعلام الإيراني يحتفل بردّه السابق على قصف
القنصلية، وقال الرئيس الإيراني بعد الانفجارات: "عملية الوعد الصادق كانت
خطوة ضرورية وتعد انتصارا وجلبت مزيدا من التضامن والقوة إلى بلادنا"
هكذا كانت استجابة إيران للضربة،
وهي استجابة نفهم منها إغضاء إيران وقبولها خفض التصعيد، وأن قواعد الاشتباك قد
تغيّرت وأن الوقت الذي كانت تقوم فيه الحروب لمقتل جنديٍ من الجنود قد ولّى، وأنّ
إيران لن تخوض حربًا مع إسرائيل إلّا إن هُددت منشآتها النووية.
ونفهم من كل هذه الأحداث أنّ
إسرائيل تسترسل على طبيعتها المعروفة التي لم نعيَ في استنتاجها، وأنّها دولة
أمنية يغلب عليها الطابع العسكري. وأنَ الأمن فيها هو رأس المال في دعايتها
ودعوتها للاستيطان، وأنها دولةٌ في طور الهشاشة النفسية التي يغلب عليها الاحتدام
والحنق والسورة، فتلحّ عليها اعتلالاتها بسرعة الرد قبل سكون الغيظ وقبل الحساب
والتقدير، وأنها في عقدها الثامن ما زالت مضطربةً غير مستقرة لا تطمئن لضمان
وجودها، وأنها ما زالت تستشعر خطر الزوال، وتتوهمه يأتيها في كل حين من كل مكان.
ضربت إسرائيل إيران، لأنها لا
تريد أن يفهم أحدٌ أنّ الرد الإيراني كان انتصارًا على أيٍّ شكلٍ من الأشكال أو
على أيّ تأويلٍ من التأويلات. ضربت إسرائيل إيران في عمقها وأراضيها بعد أن قصفت
ضربتها الأولى إيران في غير أراضيها، لأن الرد الإيراني كان لأول مرةٍ يضربها داخل
حدودها من الأراضي الإيرانية.
فهل سترد إيران؟
ربما، ولا نستبعد ذلك، لكننا نصرف
لغة الجزم والقطع إلى أن نقول: إن الرد الإيراني سيكون دون الضربة الإسرائيلية، ونرجّح
أن يكون الرد بين نوعين، فإمّا أن يكون ردًا على إسرائيل عن طريق الوكلاء، أو أن
يكون ضربةً من الأراضي الإيرانية لكنها للمصالح الإسرائيلية في مضائق البحار، أو القواعد
الأمريكية في سوريا والعراق أو في مصالحها في الأردن أو الخليج..
لقد أذلّت إسرائيل إيران بكل
اعتبار. واحتملت إيران الإذلال في سبيل غاياتها..
وإن جاز لنا أن نُسخّف من يقول:
"إن الردود بين إسرائيل وإيران ضربٌ من التمثيل ونوع من المسرحية" فنراه
ساذجًا قد ألجأه لخطل القول: الفشل والكسل، فإنه يجوز لنا أن نقول إنّ مَن يؤمّل مِن
إيران ومحور المقاومة المرتهن لإيران في مصيره وقراره_ نصرًا للقضيّة الفلسطينية
هو كذلك ساذجٌ ألجأه لكواذب الأماني: العجز والخيبة.
وإن كان ساذجًا من ينتظر من إسرائيل
أن تخوض حربًا بالوكالة مع إيران مع ما يراه من انشغالها وضعفها، فإنّه ساذجٌ من يريد
أن يحارب إسرائيل بإيران، مع ما يراه من التدبير الإيراني والحيلة الفارسية التي
تعصمها من حتفها، بل تعصمها من التفريط بمنجزات ثورتها التي ظلت تعمل لأجلها
أربعين عامًا..
إنّ العمليات العسكرية بين
إسرائيل وإيران وإن جاز للناظر أن يقول إنها مما دفعت إليها أحداث السابع من أكتوبر
على نحوٍ من الأنحاء بألطاف خفية، إلّا أنها كذلك عمليات تُفهم بغير سياق السابع
من أكتوبر، وإنه لا يجوز أن يُقال إن عمليات إيران كانت ردًا على ما فعلته إسرائيل
بغزة، فإن المشاهد للأحداث يعلم علم اليقين بلا كد بحث ولا عناء تنقيب أنّ إيران تركت
غزة لمصيرها نصف عام حتى دُكّت دكًا دكا، ولو كانت ملتزمةً بما يُفهم من "وحدة
الساحات" لما كانت تركت حماس تقاتل وحدها..
إن العدل في التوازن والحق في
الاتزان، والخير في أمر العرب ألا يرتهنوا لمشروعٍ من المشروعين وألا يصطفوا مع
معسكرٍ من المعسكرين.. وإننا لا نجدُ غضاضةً ولا حرجًا حين نقف في وجه إسرائيل ونقف
في وجه إيران على السواء، ولا نجدُ حرجًا في المنطق والتحليل حين ننفي أن يكون ما
حدث بين إسرائيل وإيران نوعًا من التمثيل فما المانع من أن نقرر أن بينهما عداوةً وأن
بيننا وبين كلٍ منهما عداوة؟
تعليقات
إرسال تعليق