في
بداية العدوان الصهيوني على قطاع غزة، على التحديد في يوم السابع عشر من أكتوبر
عند الساعة السابعة مساءً بتوقيت القدس، قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي المستشفى
المعمداني!
كانت
فاجعة الناس بهذا القصف الفاجر قد أشابت رؤوسهم وزلزلت نفوسهم، وحملتهم على لعن
الدنيا ومن على الدنيا ممن رضي من الناس. كانوا يتقيؤون الشعور في مواقع التواصل
ويلفظون الإحساس..
لقد
شرِقَ وجدانهم وغرغر وعيهم غرغرة المُدنف المحتضر وكادت عقولهم أن تطيش، وكاد أن
يُقعدهم الفزع عن كل مقام، وأن يعقلهم عن كل مقال، وأن تكل أبصارهم عن كل مرأى
وتتعطل أيديهم عن كل عمل، لقد أظلمت الدنيا في أعين الناس واستحالت سوادًا في
سوادٍ في سواد..
كان
الناس في التنديد والإدانة والاستنكار إلبًا على إسرائيل..
فكيف
استجابت إسرائيل لهذا الانفعال الجارف؟
إن
إسرائيل كيان يستمرئ الكذب والتضليل بأعدائه وشعبه على السواء. وإن كيانًا يتوحّش
هذه الوحشية وينحط في هذه البهيمية لا بدّ أن يكون له من اعتلال الضمير والشعور ما
يسوّغ له كل وحشيةٍ وبهيمية، أو أن يضلل به على نحوٍ من الأنحاء.
قبل
قصف المعمداني أمرت قوات الاحتلال بإخلاء المبنى، وقصفت محيطه وحِماه وألحّت في
هذا القصف فأجلتَ منه بالقسر من وسعَه الجلاء، ثمَ كان القصف وكانت الفاجعة..
فتخبطت وسائل الإعلام الإسرائيلية والمتصهينة في نقل الخبر، وهو تخبّطٌ مقصود
يُراد به تضييع الحقيقة وتشتيت الناس..
فبعد
نفي وإثبات، اتهمت الحكومة الصهيونية على لسان نتنياهو الفصائل الفلسطينية
بالمجزرة. ثم قال الصهاينة على لسان جيش الاحتلال إن المذبحة كانت نتيجة انفجار
صاروخٍ لتنظيم الجهاد الإسلامي.
وبثّ
الإعلام الصهيوني مقاطع معدّلة لارتداد صواريخ المقاومة وانفجارها، واستغلوا كذلك
مقطعًا قبيل الحادثة يصور رشقات المقاومة العابرة نحو غلاف القطاع وقد اعترضتها
دفاعات "القبّة الحديدية" فانفجر بعضها قبل سقوطه في غلاف غزة، فاستدلوا
بذلك على فشل صواريخ المقاومة وقاسوا احتمال فشل منظومة المقاومة بقياسٍ مع الفارق
الكبير والشبه المفقود ليقولوا: إن الاحتمال موجود. والاحتمال عند الكيان الكاذب
حقيقةٌ واقعة مفروضة..
ثمّ
بث الكيان الصهيوني مكالمةً مزورةً مفضوحة التزوير نحلها أفرادًا من
"حماس" يتهمون فيها بالظن تنظيم الجهاد..
ثم
نشروا مقطعًا فيه تحقيقٌ مع أسير يعترف فيه بتحمّل المجزرة..
وكان
حساب الدولة الرسمي على منصة "X"
قد نشر بيانًا ضمّنه مقطعًا يبين فيه انطلاق صاروخ المجزرة من القطاع، فتعقبته بعض
الصحف بتحقيقٍ مطوّلٍ مفصّل خلصت فيه إلى أن المقطع كان قد صُوّر قبل المجزرة
بأربعين دقيقة فتداولت الصحف هذه الكذبة المكشوفة، وأوقعت الكيان في حرج شديدٍ
اضطرَّه لحذف المقطع المرفق مع البيان، والاكتفاء بالبيان المكتوب، ثم سوغ هذه الكذبة
الصلعاء بأن قال: إن المقطع نُشر بالخطأ..
لكن
إسرائيل إذا نفت هذه المجزرة نفيًا قاطعًا جازمًا، فإن نفيها القاطع الجازم يعني
أنّها تُدين مثل هذه الأفعال وتستنكرها وهي بذلك تستبقي في العالم ذلك الوجدان
الذي يحمله على تقبيح القبيح واستبشاع الجرائم والفظائع متى ما تكررت من إسرائيل
ومن غير إسرائيل.
ومنذ متى
كانت إسرائيل موكلةً بحماية الأخلاق؟! ومتى كانت تكترث بضمير الإنسانيّة؟! إنّ
إسرائيل لا تريد المبالغة في استنكار هذه المجزرة ولا غيرها من المجازر لأنها
محتاجةٌ لتكرارها في كل حين، فلا بدّ لها من قتل ضمير الإنسانيّة وتطبيعها على الغِلظة
والهمجية.
لقد
اضطربت الرواية الإسرائيلية اضطرابًا مقصودًا، فنفت من جهةٍ وأثبتت من جهة، فقد
اعترفت على لسان المتحدث باسم جيشها بأنها قصفت مرآب المشفى، ونشرت بعض صُحفِها
تحقيقًا -بعد تقضّي الذهول- ناط المجزرة بالجيش الإسرائيلي. وبهذا تمّ لإسرائيل ما
أرادت، فقد أنكرت حين كان الإنكار يخلط الروايات ويكسر حدّة الانفعال ويُهدئ من
الروعة الأولى، وأثبتت حين كان الإثبات يطبّع الإنسانية على قَبول مثل هذه الأحداث
إذا كررتها إسرائيل في المستقبل القريب، وقد كررتها..
لقد
قَبِل الغرب رواية إسرائيل واعتمدها الرئيس الأمريكي جو بايدن حين زار إسرائيل بعد
المجزرة بسويعات ليجتمع بمجلس الحرب، فتهافت الغرب على القَبول.
ثم
ماذا؟
ثمّ
قُصف المعمداني ثانيةً وثالثة، ثم قُصف بعده المستشفى الاندونيسي، ثم دُمّرت
المستشفيات والمرافق الصحية دون تسويغٍ ولا اجتهادٍ في الإخفاء ولا تعمّل ونَصَب
في الدعاية والتزوير.
ثم
ارتكب الاحتلال جريمته الشنعاء ومجزرته النكراء وداهيته الدهياء في مُجمع الشفاء،
حدّ أنه أحاله إلى شيءٍ يُذكّرك بأطلال لم ترها وبأهوالٍ لم تشهدها، فمن كان يسرّه
أن يرى أحدث تقريبٍ بشري لأهوال القيامة في الأخيلة، فإنه يجد طِلبته في مشهد
مستشفى الشفاء بعد المجزرة..
لقد
كان مشهدًا مُريعًا ومنظرًا فظيعا، وإنه لو أعطيت الوحوش من الحيوانات سلاحًا من
أسلحة إسرائيل، ما كانت لتفعل فعلة الكيان الصهيوني لا بالقصد ولا بالجهل.
لقدّ
أكد هذا الكيان بهذه المجزرة -وما كان الناس يحتاجون إلى تأكيد- أنه أوحش من
الوحوش العُجم لأن وحشيته مقصودةٌ بإرادة حرّة وعقلٍ يتفنن في صنوف التعذيب، وأنه
كيان مختل الشعور، همجي الحضارة، وحشي الغريزة، معتل التفكير على نحوٍ ينحطُ به
إلى دركاتٍ من فوقها الحيوان.
ثم
كان من أمر الاحتلال ما هو أهول من أن تُقرّب هولَه كلمات اللغة وتحليقات الاستعارة
والمجاز، فكان من بعض ذلك ما كان من اكتشاف مقابر جماعية في مستشفى ناصر الطبي
بخان يونس جنوبي القطاع.
لكن
هل غضب الناس من هذه الأهوال غضبتهم عَقِب قصف المعمداني؟
اللهم
لا.. لقد سلا هذا الناس أجمعون.
فكيف
سلا الناس؟ وكيف لجّ بهم السلوان حدّ أنه صار يُحيل الهول في نفوسهم خبرًا يُسمع
ثم يُتَحولُ عنه لشأن آخر دون أن يملأ اليقينُ قلوبَهم ولا يُصيب الاشمئزازُ من
حواسّهم شيئًا يدلّ على السواء في الاستجابة والانفعال..
إنه
فعل الصحافة والإعلام، وفعل المكيدة والتدبير بعد فعل الطبيعة الإنسانيّة التي
تقبل الهول على التدريج إذ كانت ترفضه دفعةً واحدة، لا بل هي تقبل بعد الفتل والصبر
والمكايدة أضعاف أضعاف ما تقبله على المداهمة والفُجاءة..
لقد
مسخت إسرائيل النفوس وطبّعتها على الشذوذ، وتنزّلت لإرضائها الصحافةُ الغربيّة،
فكلما نزلت دركةً في الانحطاط دفعتها إسرائيل إلى دركةٍ دونها.
***
ولقد
كانت الصحافة الغربيّة ترتكب مجزرةً شنعاء في "الموضوعيّة" بعد كل
مجزرةٍ يرتكبها الاحتلال الصهيوني في أبدان البشر ونفوسهم.
وكنتُ
أطالع الصحف الأمريكيّة والإنجليزيّة على العموم فأجدها تريد كتم الحقيقة، ولكنها
مدفوعة بسعار السبق الصحفي، فكيف خرجت الصحافة الغربية من هذا الحرج؟
حين
تروي الصحافة الغربيّة خبر مجازر الاحتلال لا تعيّن الفاعل بل ترويه دون إضافة،
ولا تقتصر على ذلك بل هي حين تأتي على ذكر ضحايا المجزرة، تأتي بالفعل: "died" أي مات بدلًا عن "killed" بمعنى قُتل وكأنهم ماتوا حتف أُنوفهم، فلم يكفِ هذه الصحف
والقنوات تركُ تعيين الفاعل حتّى دلّست في ذات الحدث واحتالت على تخفيف وطأته..
هذا
في حال المدنيين دع عنك المقاومين!
وغير
ذلك مما تدلّس فيه وتحتال؛ هو أنّها حين تذكر القتلى من الفلسطينيين لا تذكرهم إلا
بالأرقام، والأرقام لغةٌ جامدة لا تستثير المشاعر. ولكنها حين تروي خبر قتلى
الإسرائيليين تروي قصةً لكل فردٍ مقتول، فهذا كان ممثلًا طموحًا وهذا كان مغنيًا
يُحب الحياة وهذه كانت مثابرةً تناضل في الحقوق، كأنّ الفلسطينيين لا يموتون إلّا
كما تموت البهائم في حفلات الشواء ومطابخ اللحوم، فليس لواحدٍ منهم قصّةٌ تُروى
ولا امتيازٌ يستحق الذكر.. هم هكذا يموتون لأنهم مخلوقون للموت، والواحد منهم ليس
له غايةٌ إلَا أن يُقتل.
إنّ
الإسرائيلي إذا قُتل فإنّ لمقتله كيفيّةً يجب أن تُروى بتفاصيلها، فقد أصابته
رصاصةٌ هوجاء خرجت من إرهابيٍ بربري همجي يُعادي الحضارة وقوى النور، وقد اخترقت
هذه الرصاصة جسده الرقيق وسالت قطرات الدم القانية قطرةً قطرةً وقد مات عطشانًا،
وبساقه كدمة يبدو أنّها من ضربةٍ جائرة، ولقد بكت عليه أمّه التي كان وحيدها!
وقبلت رأسه الذي به جراحٌ عميقة الغور يُظن أنّها من محاولة جزٍ وحشيّة..
أما
"موت" الفلسطيني، بل موت الجماعة تلو الجماعة منهم فإن هو إلا موتٌ كأي
موت ولا داعي للتفصيل، فهي حربٌ ولا بدّ لأي حربٍ من تبعات يُبعث لها بعثها
المقدّر..
ولقد
تناولت الصحف الغربية مجزرة مخيّم جباليا الذي قصفه الاحتلال عصر اليوم الواحد
والثلاثين من أكتوبر بقطاع غزّة فيكف تناولت المجزرة؟
قالت الـ: CNN بتاريخ ٣١ أكتوبر الساعة ٨:٢٢م:
"Many casualties
have been reported after a massive explosion at a densely populated refugee
camp in the northern Gaza Strip. Follow live updates."
"ضحايا
كثر سُجّلوا بعد انفجار عنيف في مخيم مكتظ شمالي غزة"
اِلحظْ
الصياغة!
قالت:
“have been” وهي صيغة بناء للمجهول أي أنّهم لم يُسمّوا
فاعل هذا الموتان.. ثم اِلحظ التدليس في قولهم: "بعد انفجار عنيف" ولم
يقولوا بعد "قصف" وهذا أسلوب في الخبر الصحفي يُستعمل لامتصاص الصدمة
الأولى، فالنفس حين تتلقى خبر المجزرة التي عُلم فاعلها تحشدُ عليه الغضب، لكن
الصحيفة بهذه الصياغة المُدلسة تمتص الانفعال وتُوهم المتلقي أنه
"انفجار" والانفجار ربما يكون من تخزين المقاومة للقنابل أو ربما لعطل
فنّي أو لغير ذلك من الأسباب!
حتّى
إذا غابت الدهشة الأولى وهدأت النفس: عيّنت الفاعل، ولكنّه ليس فاعلًا في الحقيقة
أعني ليس فاعلًا مباشرًا ولكنه مُتسبب من جملة الأسباب، اِلحظ الخبر حين يقول في
تغريدتها المنشورة بتاريخ ٣١ أكتوبر الساعة ٩:٠٩م:
"JUST IN: Israel
confirms an IDF attack caused the massive blast at Gaza's largest refugee camp
that has reportedly left many people dead and injured"
"
أعلنت إسرائيل أن هجومًا لها تسبب في الانفجار"
فإسرائيل
تُعلن! وهذا يُسرّب لك أنها أمينة صادقة إذ تعترفُ بأخطائها فيما تبثُّ وتُعلن!
ثم
إنّ الصياغة لا تُسند المجزرة لإسرائيل -ولا ذكر للمجزرة هنا أصلًا- إنما تُسند
هذا الفعل لهجومٍ لها تسبب في انفجار! أي أنه سبب من جملة أسباب! وهو "تسببٌ
في انفجار" وليس قصفًا مع سبق الإصرار والترصّد!
وهنا
تناول الديلي ميل للمجزرة، إذ قالت بعد المجزرة بيومين:
Israel-Hamas war LIVE:
Israel says it has broken through Hamas's front lines of defence - as the
terror group claims IDF strike in congested district killed 195 people
"تزعم
الجماعة الإرهابيّة (=حماس) أن غارةً للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل 195 شخصًا في
منطقة مكتظة"
جعلت
الصحيفةُ المجزرةَ زعمًا ليس واقعًا مشهودًا، فلم تنقل الحدث إنما نقلت مزاعمَ! بل
إن هذه المزاعم هي مزاعم جماعةٍ إرهابيّة لا غير، وربما كان القتلى في المنطقة
المكتظة من الإرهابيين كذلك!
***
لذلك
ولغير ذلك من المآسي التي تعصف بإدراك الإنسانية وضميرها نقول إن الصهيونية ورمٌ
خبيث.
ونحنُ
حين نقول إن الصهيونيّة سرطانٌ في وجدان العالم فإنّا نعي ما نقول تمامًا. لقد سنّ
هذا النظام المجرم للعالم القتلَ على مرأى العالم، لقد أمّن لهم عاقبة تدمير
المعابد والمدارس والمستشفيات، لقد قتل الضمير وهوّن المصائب على كل مجرم، لقد شرع
للعالم شريعة الغاب، وجعل من المتوقّع المقبولِ أن يؤيد الإجرامَ الأساتذةُ
والمفكرون، وأن يقبلَ الإجرامَ من هو في عين الناس يدعو للإخاء! لقد شرعت
الصهيونيّة لكل اضطراب أن يدوم ولكل تناقضٍ أن يجتمع ولكل سفالةٍ أن تُقبل.
تعليقات
إرسال تعليق