التخطي إلى المحتوى الرئيسي

طوفان الأقصى: السؤال عن الأرباح

 



نسمع هذه الأيام طبقةً من المرجفين ومن بسطاء السذج يشكّون ويشككون في أصل مقاومة الاحتلال بالقوّة بعد مجازر القتل المريعة، وخسائر الهلاك والتدمير التي ليس لها عد ولا إحصاء..

‏فيقولون بمكرٍ توحيه نفوسهم العاجزة أو بسذاجةٍ تُمليها عليهم عقولهم البسيطة:

‏ ألم يكن مسار السياسة أوفق وأحرى؟

‏فإليهم نكرُّ السؤال فنقول: هل تظنون أنّ العدو الذي لديه الاستعداد الموفور والإمداد الناجز المستميت من قوى العالم الكبرى لقصف المدنيين وارتكاب مجازر الموت العبثيّة في حق العزّل ومن هم في حكم العزّل_ هل تظنون أنه سيُعطي بالسياسة والمهادنة ما هو مستعدٌ أن يمنعه بالحديد والنار؟

لقد مشى العرب باتفاقات "كامب ديفيد" وبمسارات التطبيع إلى آخر مضمار السياسة والسلام، وجرّب الفلسطينيون حلول المفاوضات والمباحثات، ومضوا في معاهدة "أوسلو" إلى النهاية، وأعطى الفلسطينيون إسرائيل فوق ما يقدّره أكبر المتفائلين من أعدائهم، ورضوا بما هو دون ما يقدّره أكبر المتشائمين من مناصريهم.

ثم كان أن فُرّغت المعاهدة من مضامينها، ليأخذ الإسرائيليون فوق ما لم يتوقعوه، ولا يأخذ الفلسطينيون ولا بعض ما طلبوه بعد التنزّل والتنازل..

لم يرضَ الإسرائيليون بالمعاهدة، لأن شكلها لم يُرضهم، فساقهم النزق وساقتهم الأثرة إلى رفض المضمون بتفريغه ورفض الشكل بالاحتجاج عليه. ولا نجدُ في الحوادث ما هو أوجز في وصف مآل هذه المعاهدة من حادثتي موت مُوقعي الاتفاق، فإنّ فيها أوضح بيان وتقدير لكوامن النوايا وتوفيقات السياسة ولإرهاصات المستقبل الذي تلا هاتين الحادثتين. فقد اغتيل إسحاق رابين اعتراضًا على المعاهدة، فكان في قتله صعود اليمين الذي لا يرضى بأهون التهاون وأيسر السلاسة، ومات ياسر عرفات بعد الحصار أو بعد التسميم فكان في موته تأكيدٌ على رفض المهادنة والهوادة..  

‏***

وقد يسأل سائلٌ: هل توازي هذه التضحيات في الدماء والأرواح مقدار المكاسب؟ وهل للبدء بالمقاومة جدوى؟

‏فنقول إن كفاح الشعوب في تحرير أراضيها ونضال الأمم في تطهير مقدساتها لا يُحسب وفق موازين الخسائر والأرباح الحاضرة الناجزة، ثم إنّ الاحتلال الصهيوني لم يكن ينتظر المسوغات لارتكاب مثل هذه المجازر فما زال التاريخ ‏يروي لنا المجازر التي ارتكبها الاحتلال في صبرا وشاتيلا والخليل والعشرات بعد العشرات من المجازر والمذابح التي لم تُسبق بمقاومةٍ ولا ابتداء! وكان بعض ذلك في غزّة نفسها!

‏لقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يُصعق فيها الاحتلال بهجومٍ تبتدئه المقاومة، ولم يكن هذا الهجوم عدوانًا بل هو استجابة لتدنيس ‏المقدسات وانتهاك الحرمات واستلاب الأراضي وتوسّع الاحتلال وإطباق الحصار على غزة ببناء المستوطنات وقطع الواردات. كانت غزة تُخنق وتُجوّع على مرأى العالم وتُخترق بالتجسس والمراقبة ويقدّر لقاطنيها نصاب السُعَر الغذائية فلا يزيدون فيها، وكانت غزة تصارع الموت، وإنّه لمن الخطل في الرأي ومن التكليف بما لا يستطاع أن يُقال لمُصارع الموت المتشبّث بالحياة على حكم الغريزة: "لا تقاوم للنجاة، فإنك إن غلبت سبب الموت الحاضر، قامت له في المستقبل أسباب وأسباب.." فمصارع الموت مدفوعٌ بأسباب الغريزة بأكثر مما هو مدفوع بغيرها أو مدفوعٌ بها في لحظات السعة والترجيح..

فالمقاومة إذن لم تبتدئ الهجوم على عرف الدول التي تحفظ سيادتها وتحمي أمنها القومي وإن كانت قد بدأته على غير هذا العرف والاعتبار..

‏إن المقاومة في اللغة والاصطلاح لا تكون إلّا استجابةً وردة فعل فلا يجوز أن تكون إلّا قوةً معاكسة إذ إنّ موضوعها هو فعلٌ تُسبق به، ولئن كان بعض الناس يشك في جدوى النهود والابتداء، فإنّه ينبغي ألا يشك بعد ما رأى من وحشية هذا الكيان الجلف الغليظ في أنّه لا سبيل للكرامة ولا للعيش قبل الكرامة من غير سبيل الردع والمناجزة، وأنه لا سبيل لاستيفاء الحقوق من غير سبيل الانتزاع، ولا انتزاع إلّا بالتضحية والمصابرة..

فإذن السؤال عن جدوى المقاومة مقلوب، فلا ينبغي أن يقال ما فائدة المقاومة بل ينبغي أن يقال ما الفائدة المرجوّة وما الضُر المدفوع بالصبر على عدوٍ في طاقته الكامنة كل هذا التوحّش والعدوان وهو لا بدّ يومًا أن يجد لكوامنه مخرجًا كما كان يجد لها مخرجًا فيما مضى من الأيام.

‏إن موازنة المكاسب والخسائر في مثل هذه الأحوال لا تستقيم لأنها موازنة بالأرقام ولا شيء غير الأرقام.. والأرقام لغةٌ جامدة لا تعني شيئًا أو لا تقول شيئًا إلّا بالاستنطاق.. وهي نافعةٌ في مقاييس المادة دون المقاييس التي تجاوز المادة وتتحرر من قيودها وحسابها.

‏فلو كان القتلى من الجانبين إلى ذات المصير لكان للموازنة حساب! ولأطلنا الوقوف والبكاء عند هذا الحساب.. ولكننا نرجو لقتلانا الشهادة رجاءً واثقًا بالله يكافئهُ رجاء النار لقتلاهم.. فإذن صار في الموازنة شيءٌ لا تقوله الأرقام، وصار للتقدير ثمنٌ يُقضى في الآخرة غير ثمن النصر والتطهير الذي نستيقن مقاضاته في الدنيا. ولئن كانت الأرواح أغلى ما يكون للإنسان ونوعه وللطبيعة من حوله، ثم كانت أعظم ما يرجى بها جزاءٌ من الله وثواب، فإنّه كان من الأمم والشعوب من يبذلها لحماية الأوطان وهو لا يرجو آخرةً ولا يرجو من الدنيا سوى الكرامة والشرف فكانت ثمنًا مستحقًا لا يُضنّ به..

‏ونحن حين نقول إنّ حروب التحرير لا تقاس فيها الهزائم والانتصارات بارتقاء الشهداء، فإنّ نقول ذلك من حيثُ كونها حروبًا عادلة، فإذا أضيفت إلى ذلك الغاية المقدسة بنص الكتاب، فإنّ موازنة الخسائر بالأرقام تقلُ جدواها بالقياس إلى الغاية الأقدس..

‏وهذا كلامٌ لا يقبله من ليس يفقه من معاني النصر إلّا النتائج التي تقدّرها الموازنة وحسابات التكاليف..

وحاسبُ الأرقام في ذلك جاهلٌ في حسابه فوق جهله بالمعاني العالية، فإنّ الحروب التي تخوضها الجيوش المنظّمة ضدّ المقاومات الشعبيّة أو فصائل الثوّار لا تُحسب نتائجها على النحو الذي تُحسب به نتائج الحروب التي يكون طرفاها كلاهما من الجيوش المحشودة..

‏وذلك لأنّ الحروب التي تشنّها الدول على الثوّار، لا تنتصر فيها الدول (التي هي هنا إسرائيل) إلّا بأن تَحسم المعركة تمام الحسم وتُخضّع الثوّار تمام الإخضاع.. أمّا الثوّار فيكفي للحكم بنصرهم ألّا ينهزموا في نهاية الحرب.

‏أيّ إن الجيوش النظاميّة تخسر إن لم تقضِ على المقاومة، والمقاومة تنتصر إذا لم تخسر قدرتها على المواصلة والاستمرار.

هذا سؤال الجدوى والتكاليف وأسخف من السؤال المستنكر عن الجدوى والتكاليف وأحقر منه في تفكير العقول وحركات النفوس، هو الإنحاء باللائمة على المقاومة وإناطة خسائر الأنفس والممتلكات بها. وهي لائمة تسوّغها غير النفوس الدنيئة المدخولة النوايا والأحقاد نفوسٌ ضجرة وإن سلمت طواياها من الدواخل والأحقاد، وذلك أنّه من سيما هذه النفوس الجازعة العاجزة أن تضجّ، وأن تفشل عقولها وتنتكس في جسام الحوادث، فتقلب الأحكام لتُدين الضحية دون الجاني..  

‏وبعدُ فنحنُ لا نقول إلًا قولًا واثقًا محققًا نعرفهُ من أحوال العدو حين نقول: إنه ما أقدمَ على هذه الشناعات إلّا وهو مدُركٌ في أعماقه أنّه قد خسر في السابع من أكتوبر وما زال يخسر من المشاريع ما استحق عنده أن يَطلع على العالم بهذا الوجه الكالح المكفهر وبهذا الإجرام الحاسر المكشوف، فإنّ هذا الإجرام معروفةٌ أسبابه ومعروفةٌ أطواره وأسماؤه في تحليل النفوس والسياسات، إنّه ضربٌ من الاضطراب يحاول به العدو أن يستعيد هيبته الممرغة.

‏لقد خسر وما زال يخسر، والأيام القادمة حُبلى بالخسائر ونحن نتوقّع أنّه سيخسر من تأييد الشعوب والدول المأخوذة بدعايته وإعلامه في قادم الأيام ما لم يخسره من قبل، وهذه أهون الخسائر بإذن الله، وليس بأيسر مكاسب الطوفان ما كان من اليقظة والأمل..

إنها ليقظة..

 وهي يقظة انتباهٍ -بعد استنامة طويلة- أعادت قضية الأقصى إلى واجهة الأحداث والقضايا، وهي يقظة ذكّرت العالم بما ينطوي عليه من الشرور التي تُذل الضمير، وذكرته بما يعتمل في وعيه وشعوره من الظلم الصراح الذي يبغي على الحق المنير، وهي يقظة قطعت أحلامًا وعكّرت أمزجةً لا يجوز في حقها إلا التعكير.

لقد أفاق العالم على ورمٍ يستشري في جسده ويوشك أن يذهب به بعد أن يذهب بما بقي فيه من الأخلاق، ولقد أفاقت الأمم وهي تُدرك أن النظام العالمي محتاجٌ إلى التغيير إذ أعياه الإصلاح من كل جانب، وهي يائسةٌ من التزام مجلس الأمن بحفظ السلام، ومن مقدرته على إيقاف حروب الإبادة وحروب التهجير، وهي متبرمة بنظام تُجمع فيه الدول على أمرٍ من الأمور على اختلاف البواعث والأغراض فترفض هذا الإجماع دولةٌ من دول "الفيتو" لتتعطل المصالح وتسترسل الشرور في غيها، ثم هي لا تجد من هذه الدول من يضمن حقوقها أو يعبّر عن آمالها، فلا تجد في دول الفيتو من يمثّل أمّة الإسلام، أمّة الديانة الكبرى، ولا من يمثّل دول أفريقية، ولا حضارةً من حضارات الجنوب. وهي ضجرةٌ من سيادة القطب الأوحد ومن هيمنة المزاج الأبيض. وهي يقظة انتباه تُكشف بها أكاذيب الإعلام، وأضاليل الحريات الغربية، وأباطيل الديموقراطيات المسيّرة..  

وإنّه لأمل..

 وهو أمل يستنهض اليائس القانع والنضو الملهّد، والجبان الهبيت، وإنّه لأمل يحيا به المُدنف المُشارف وتحيا به آمال وآمال، وتموت به أوهام وأوهام..

وأول هذه الأوهام، هو هذه الصورة التي نظنها صورتنا. فإن طول الدعاية والتلقين أزرت بثقة العرب واعتدادهم، وقد أخبرتنا هذه الأحداث أننا لا نعرف مقدار قوتنا، وأننا نجهل ما في وسعنا وطاقتنا، وأخبرتنا هذه الأحداث أن فارق القوّة التي كنّا نقدّرها ليس هو في الميادين عند النزال مثله في الأذهان والأخيلة، وأن دعاية الردع ودعاية التجسس والاستخبار جميعها ليست بشيء طالما أنها تتعطل وتتجمد حين تُضرب بقوةٍ محاصرة قليلة العدد خفيفة العتاد هي في تنظيمها أشبه بالعصابات منها بالجيوش.. وهو أمل يخبرنا أن موازين القوى وفوارق العتاد تقترب أو تتلاشى بعد اعتبار حسابات الشجاعة والإيمان..

ومن هذه الأوهام التي ماتت، هو وهم اليهود الذين ظنّوا أن إسرائيل بلد اليهود الآمن الذي يؤمّنهم. ومات معه سوط الوهم المرهوب الذي قامت عليه إسرائيل وهو "معاداة السامية". وبموت هذه الأوهام خسرت إسرائيل ثقتها بمقدرتها على التأمين وخسرت دعايتها في استجلاب يهود الأصقاع..

مات وهمٌ بحياة أمل، وأكرم به أملًا يُنهض الأمم المقموعة لطلب العدالة، وإرادة الحرية والاستقلال، ومناجزة العربدة والاستبداد..

***

ولئن كان لم يقل أحدٌ أنّ هذه هي حرب التحرير الكبرى التي تكون نتيجتها المباشرة تطهير فلسطين من الاحتلال، ولم يكن ذلك في حساب أحدٍ من أهل السياسة ولا أحدٍ من أهل الحرب، ولئن كنّا نحسب أنّ الأمر ما زال محتاجًا للبذل والعطاء والجد والكفاح، فإنّه لمما لا شكّ فيه أن مثل هذه المعارك هي خطوةٌ في درب التحرير، وخيرٌ من الإخلاد النهوض وخيرٌ من الرقاد السُرى، وإنّه لا يبلغ المُنى من عنها قد ونى، فإذا لم يكن التحرير بالكفاح فأحرى به ألا يكون بالتسليم.

ولئن كانت فوارق السلاح كبيرة، وكانت الأوضاع لا تُسعف، فإنه لمن العنت والمشقة أن يُطلب إعظام ذلك ممن كان يُحارب الصهاينة صغيرًا يستقبل الدبابات والمدرعات والمصفحات بالمقاليع والنُبل والحجارة، وهو مستيقنٌ أنه بذلك ولا غير يحرر أرضه، فكيف إن كان يحارب اليوم -وقد اشتد عوده- بالغول وشواظ والياسمين وبالصواريخ المقذوفة والصواريخ الموجهة.

لقد كان هذا الطوفان طوفانًا في العقائد والأفكار..

وحريٌ أن تُترّقب ثماره بعد حينٍ ليس بالبعيد، فعوائد التاريخ وسننه تقول إنّ مثل هذه الأحداث تكمن ثمارها في المستقبل، فلا تكون نتائجها الحاضرة هي كل ما لها من أثر وعمل، وإن قراءةً يسيرة في التاريخ القريب تخبرنا أنّ كل خطبٍ جلل ألمّ بالأرض المقدسة كان أثره بليغًا فيما حولها، وهاته من بركات هذه الأرض وشرفها، فـسبحان القائل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...