التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسرائيل «انحلال العقيدة»



العقيدة هي أول ما يُطلب به النصر في ساحات الوغى، وخلو المقاتل منها هو أول أمارات الانهزام، ولا يخلو منها جيش إلّا كُسر عند توازن القوى أو كُسر بعد حينٍ من صمود المقاوم الذي لا يُدانيه في القوّة والعتاد. وعقيدة القتال القائمة على الإيمان الباعثة على الإقدام هي أعسر ما يطلبه جيش الاحتلال الإسرائيلي في جيله الثالث وما يليه من الأجيال التي ضريت على الدعة وظهرت عليها عوائد الترف وألجأتها الوفرة إلى الانغماس في النعيم والاستكثار منه.

ولسنا نجاوز الحق إن قُلنا إن هذا الخواء هو سمة اليهود الغالبة في كل طورٍ من أطوار التاريخ إلّا في الفلتات التي تتوفر لها الدواعي ولا يصح للباحث أن يقيس عليها شيئًا في بحثه عن أخلاق الأمم وخِلال الشعوب. ولسنا نجهد في التدليل على هذه الحقيقة، وهي حقيقةٌ يعلمها الأوربيّون وتعلمها شعوب الحضارة في العصر الحديث وليس بهم حاجة إلى التدليل، وهي حقيقة نعرفها نحن قبل أن تعرفها شعوب الحضارة الحديثة. وخواء العقيدة لا يُدلُّ عليه في الطبع بأوضح من صفات العناد والتلكؤ والجبن والفشل. وهذه الصفات مجتمعةٌ في إسرائيل الحاضرة كما هي مجتمعة في أسلافها منذ أقدم العصور، وهي خصال تلخصها الآيات الكريمات من سورة المائدة إذ يقول تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ یَـٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِیكُمۡ أَنۢبِیَاۤءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكࣰا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ یُؤۡتِ أَحَدࣰا مِّنَ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ۝٢٠ یَـٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُوا۟ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِی كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّوا۟ عَلَىٰۤ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٢١ قَالُوا۟ یَـٰمُوسَىٰۤ إِنَّ فِیهَا قَوۡمࣰا جَبَّارِینَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ یَخۡرُجُوا۟ مِنۡهَا فَإِن یَخۡرُجُوا۟ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ۝٢٢ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِینَ یَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمَا ٱدۡخُلُوا۟ عَلَیۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَـٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤا۟ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ ۝٢٣ قَالُوا۟ یَـٰمُوسَىٰۤ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَاۤ أَبَدࣰا مَّا دَامُوا۟ فِیهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ ۝٢٤ قَالَ رَبِّ إِنِّی لَاۤ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِی وَأَخِیۖ فَٱفۡرُقۡ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَـٰسِقِینَ ۝٢٥ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَیۡهِمۡۛ أَرۡبَعِینَ سَنَةࣰۛ یَتِیهُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَـٰسِقِینَ ۝٢٦﴾ [المائدة ٢٠-٢٦]

والآيات تُظهر ما احتاج إليه موسى من التمهيد وما تكلّفه من التوطئة إذ أخذ يذكّرهم بأنعم الله ويحذّرهم من مغبّة المعصية، وهم بعدُ قريبو العهد بالنجاة من فرعون على هيئةٍ صعبةٍ هي في ظهور العناية الإلهية والتدبير المُعجز أحرى ألا تحتاج إلى التذكير. ثم تحكي الآية قول الرجلين حين قالا: "ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون" وهذا النمط من الوعد هو أقصى ما يكون من التيسير والإغراء فلا يُرجى من بعده مذهبٌ من مذاهب التشجيع والتحفيز، لكنّه مع ذلك لم يكن من جواب بني إسرائيل إلّا قالة الكُفر ومقالة العناد، وليس هذا العناد من العناد الذي يبعثه التمرّد بعد اجتماع القوّة والتصميم، ولكنّه من عناد الضعف وتمرّد الخور الذي يبعثهما الإخلاد والتشبّث بالحياة وطفولة الفكر والاعتقاد.

ومن الآيات التي تصف طبائع اليهود ما كان من قوله تعالى: ﴿لَا یُقَـٰتِلُونَكُمۡ جَمِیعًا إِلَّا فِی قُرࣰى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَاۤءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَیۡنَهُمۡ شَدِیدࣱۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِیعࣰا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمࣱ لَّا یَعۡقِلُونَ﴾ [الحشر ١٤]

فالمبالغة في التحصّن والاستتار من دلائل الخوف الذي ينبئ أول ما ينبئ عن ضعف الاعتقاد. وكذا تشتت القلوب، فهو من مظاهر التنازع والفشل. وبعدُ فإن آيات القرآن التي تسوق هذه الطبائع كثيرةٌ متعاضدة، ولكنّا نرى أنّ الأظهر في الإلزام والأقطع في الحجاج أن نسوق من كتب اليهود بعض ما يؤكّد هذه المعاني.

 فآيات سورة المائدة المتقدمة تحكي واقعةً مذكورةً بتمامها في الإصحاح الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد، جاء فيها أن اليهود تلقّوا الأمر الإلهي بالبكاء والتبرّم والضجر.

وجاء في المزمور السادس بعد المئة من سفر المزامير: "فحمي غضب الرب على شعبه، وكره ميراثه، وأسلمهم ليد الأمم، وتسلط عليهم مبغضوهم، وضغطهم أعداؤهم، فذلوا تحت يدهم. مرات كثيرة أنقذهم، أما هم فعصوه بمشورتهم وانحطوا بإثمهم".

وكذا جاء في سفر الخروج من القصص ما لا يشقى القارئ باستخلاص طبائع اليهود منها. وقارئ التلمود يجد فيه أصول هذه الطبائع على التصريح كما يجدها بعد أن يُعمل أدوات المقارنة التي تُجلي فوارق الأمم في الاعتقاد.

وفي ذكر العناد والصلف، جاء في الإصحاح التاسع من سفر التثنية قول موسى لهم: "وكلمني الرب قائلًا: رأيتُ هذا الشعب وإذا هو شعبٌ صلب الرقبة" وكذا جاء في الإصحاح الحادي والثلاثين من ذات السفر على لسان موسى: "لإني أنا عارفٌ تمردكم ورقابكم الصلبة" وهذه الخلة مما شاع عن اليهود وأشاعته كتبهم كما جاء في الإصحاح السابع عشر من سفر أرميا والإصحاح التاسع من سفر نحميا وكذا شاع في بقيّة الأسفار فلا يكاد يخلو من ذكرها سفر من الأسفار. وليس أدل على نكد اليهودي وجلافته وضعف عقيدته مما نفهمه من توالي الأنبياء عليهم وتمردهم على أنبيائهم وجنوحهم إلى التحريف وانحرافهم إلى عقائد التجسيم.

وأظهر في الإلزام من كل ما تقدّم وأقطع في الحجاج من كل ما مضى، هو أن نطالع هذه الطبائع ونبحث هذه العقيدة في هذا العصر متمثلةً في دولة إسرائيل..

فقد تقرر من حروب العرب وإسرائيل، أنّ جيش الاحتلال لا يُقاتل إلّا بحبلٍ من الناس وهو التحالف مع القوى العظمى التي تستميتُ في الدفاع عنه بالتخطيط والإمداد، وقد تقرر كذلك أن جيش الاحتلال قصير النفس في القتال، لا يقوى على الحروب الطويلة وأن وضع إسرائيل لا يسمح بخوض حروب الاستنزاف بل لا يسعفها على الصمود مع المقاطعة الاقتصادية وحصار التجارة، لأن شعبها إنما أتى لوعود الرفاه لا لفروض التأهب والدفاع عن الأرض والوطن. وقد احتالت إسرائيل على ضعف العقيدة -كما تحتال الجيوش التي تضعف فيها عقيدة الجنود- بأن أمعنت في التحصّن والإنفاق العسكري وفي تكريس العتاد والتقنية وإعداد المستوطنين للجنديّة.

ففيما هو مُعلن: أنّ إسرائيل تخصص للإنفاق العسكري في كل سنة 16 مليار دولار، وقد أنفقت في عام 2022 على التسليح ما يقارب 23 مليارًا أي ما يساوي 4.50% من ناتجها المحلي. وقوام جيش الاحتلال يبلغ عدّه 646 ألف جندي منهم 173 ألفًا منخرطون في الخدمة، أي أن عدد جنود إسرائيل يمثل على التقريب 7% من مجموع سكانها، ويقدر عتاد القوات البرية بـ 1650 إلى 2000 دبابة، ثلثها تقريبًا من دبابات "الميركافا"، و7500 مدرعة، و950 مدفعًا هم بين ذاتي الحركة وميداني. ويقدر عتاد القوات الجوية بـ 595 طائرة حربية منها 241 طائرة مقاتلة تضم أسرابًا من طائرات الـ F-35 و F-15 و F-16 . ولإسرائيل 65 قطعةً بحرية منها 48 سفينة حربية وست غواصات، وتقدّر بعض المصادر أنّ بحوزة إسرائيل 200 قنبلة نووية، وأنها تمتلك تقنية تصنيع القنابل النووية.. وتشير بعض الإحصائيات أنّ إسرائيل قد تلقت من أمريكا وحدها ما يقارب 263 مليار دولار، منذ قيامها إلى نهاية عام 2023، وأنها تلقت من أمريكا بين عامي 2000 و2021 إمدادً عسكريًا مقداره 58 مليارًا.

وفي أثناء الحرب الدائرة على غزة تلقت إسرائيل أضخم حزمة من المساعدات الأمريكية في تاريخها، فقد وافقت الإدراة الأمريكية في التاسع من ديسمبر 2023 على بيع حوالي 14000 ذخيرة من الذخائر المدفعية بقيمة 106.5 ملايين دولار متجاوزةً إمرار قرار البيع على الكونجرس متذرعةً في تجاوزها بإعلان وزارة الخارجية "حالة الطوارئ"، وقد تجاوزته ثانيةً في ذات الشهر بتاريخ 29 ديسمبر حين باعت من الأسلحة والذخائر ما تقدر قيمتها بـ 147.5 مليون دولار. وفي تاريخ 29 مارس 2024، حوّلت الإدارة الأمريكية ما يبلغ قيمته 2.5 مليار دولار من القنابل والذخائر والأسلحة، وبعد أقل من شهر بتاريخ 20 أبريل، وافق مجلس النواب على خطة مساعدات عسكرية تتضمن دعمًا لإسرائيل بقيمة 26 مليار دولار أمريكي.  

ومع كل ذلك فإنّ إسرائيل تهيؤ نظام الدولة في مؤسساته المدنية وتشريعاته تهيئةً عسكريةً، فنظام إسرائيل بَدعٌ من الأنظمة قائمٌ على غير ما تقوم به الدول من الحق الذي تنال به أسباب الوجود..

وإسرائيل كما هو معلوم أحرص الدول على تنشيط المخابرات الداخلية والخارجية وأشدها عناية بتطوير تقنيات التجسس والاختراق، بل إنها تملك من هذه التقنيات ما لا تملكه الدول الكبرى، وقد طوّرت نظام (بيجاسوس - Pegasus) التابع لمجموعة NSO، وهو برنامج للتجسس موصوفٌ عند الخبراء بأنه أشد البرامج تطورًا في كسر الشفرات واختراق التحصينات البرمجية. وإنه لمن المعروف في دراسات النفس والاجتماع أن الدول التي تبالغ في الجاسوسية هي دولٌ ضعيفة مهزوزة الثقة تهرب بالجاسوسية من الخوف، وأن الذي يبالغ في التجسس يروم بتجسسه أن يتوقى الأخطار لأنه ليس له من قوّته أو ثقته ما يستعين به على الانضباط في حالات الفزع. ثم إن الاستغراق في التلصص والجاسوسية يغري بالاعتماد ويوهن العقائد والعصبيات ويعود على الأخلاق بالفساد.

ولسنا نطلب مثالًا على حرب من حروب إسرائيل فيكون هذا المثال أوضح في استيفاء دلائل ضعف العقيدة من مثال حرب غزة التي ما زالت رحاها تدور.

***

كانت إسرائيل في كل حربٍ من حروب غزة بعد الانسحاب منها وقبل معركة الطوفان تلوّح بالغزو البريّ ثم لا تُقدم عليه، لأنها لا تقوى على احتمال معارك الاشتباك بهذا الجيل إلّا بعد طول التمهيد وإلحاح الدعاية التي تستثير بها القوى الكبرى إلى المشاركة والإعانة، وكانت في كل مرة تكتفي بمعارك الجو لأنه ليس لدى المقاومة ما تشتبك به في السماء. وكانت -مع الفارق الذي لا يقاس في العتاد والتقنية- لا تُقدم على المواجهة في كل حينٍ يسعها فيه الغدر والمخاتلة. فكان من أساليبها المخبورة أنها تعلن خوض المعارك البريّة وتتقدّم بالآليات العسكرية إلى حدود الغلاف عند منفسح الأرض ثم تكمن هناك كي تغري المقاومين بالخروج من الثكنات لتقصفهم بالجو.. 

وليس هذا الغدر مقصورًا على أعدائها من المقاومة متوجهًا إليهم دون غيرهم، ولكنّه غدر يعود على أحلافها بل يعود على جنودها كذلك، فقد أصبح من المقرر أنّ جيش الاحتلال متى ما عرف أماكن أسراه المحتجزين قصف هذه الأماكن ليتخفف من عبء الإنقاذ وما يلزم من الإنقاذ من فروض الاشتباك والالتحام، وما يحفُّ بالإنقاذ من مخاطر الكمائن والأفخاخ، وهو يقصف أماكن أسراه لكي ينجو من ضغوط أهاليهم ومن ضغوط المساومة في الهُدن وصفقات تبادل الأسرى، فالمقاومة أحرص على حياة أسرى العدو من العدو، وهي تحميهم منه وتجتهد في حمايتهم.

ومع الحصار المطبق الطويل المفروض على قطاع غزة، ومع تفوّق إسرائيل الطاغي في السلاح على الدول العربية مجتمعةً ومع ما لإسرائيل من التأييد الصارم والإمداد المتفاني من أمريكا وبريطانيا ودول أوربا وغيرها، إلّا أن إسرائيل لم تُقدم على الاجتياح البري إلّا بعد ما يقارب ثلاثة أسابيع من بدء معركة الطوفان، دكّت فيها إسرائيل غزة وسوّت مبانيها بالأرض، وقصفت كل ما ظنته يعوقها في زحفها، وفرضت حصارًا محكمًا في الجو والبر والبحر وأخذت الضمان من قوى العالم الغربي على حمايتها فطلبت أن تُحشد لها المدمرات وتُبحر إلى شطآنها البوارج، وتُجمع لمخابرتها المعلومات وتُلتقط لها الإشارات وتُطيّر لها المُستطلِعات وتُملأ مخازنها بالذخائر والمتفجرات.

ومع كل هذه المبالغة في الاحترازات التي كأنّها إنما أُعدّت لحرب دولةٍ نوويةٍ عظمى لا لحرب مقاتلين هم في نظامهم أقرب للجماعات المسلحة منهم للجيوش النظامية، أقول ومع كل هذه الاحترازات_ نهجت إسرائيل في اجتياحها البري نهجًا جبانًا كان من أمارات خلو العقيدة وخبو الإيمان، وهو أنّها أرفقت اجتياحها البرّي غطاءً جويًا من أعتى المروحيات المُقاتلة كأنما كان للمقاومة سلاحٌ جوي يستهدف المدرعات والدبابات!

ثمّ إن آليات جيش الاحتلال لم تجسر بعد كل هذا على أن تتقدم شبرًا واحدًا في محاور القتال قبل أن تَقصف الطائرات هذا الشبر وتجرفه الجرافات. ثم إنّه إذا عثرت فرق الجيش -المدججة بالأسلحة المحفوفة بالحذر- بنفق أو ببناية فإنّها لا تجسر على الاقتحام قبل أن تقدّم قبلها مُسيرات الاستطلاع المزودة بتقنيات التصوير وكلاب التدريب المهيئة للحروب.

وجيش الاحتلال في كل معاركه يحرص على المباغتة والابتدار في بدء الحرب وفي الاشتباك مع العقد القتالية؛ لأنّه لا يطيق فوات الهدوء في الحساب والتقدير. وهو يحرص على الخطف في الضرب والسرعة في الحسم والإجهاز، لأنّه لا يعوّل على المقدرة النفسية لجنوده ولا على طاقة الاحتمال لمستوطنيه. ومما يتوخاه جيش الاحتلال في حرب غزة: فوضى التدمير، والرمي في كل اتجاه، والقصف الأهوج الذي لا يستثني شيئًا ولا يتقي سلمًا، وهو نمطٌ في القتال يحفزه الذعر وغياب الأمن. ولئن كانت هذه العشوائية مقصودةً في الغالب لعقاب أهل غزة من المدنيين -وهو ما نستدل به على وحشية الكيان- إلّا أنها غير مقصودة في بعض الأحيان، لأنه ليس مع الهلع يكون الانتظام والانضباط، ففي منتصف ديسمبر الماضي، كشف هيرتسي هاليفي -رئيس الأركان بجيش الاحتلال- عن فضيحة عسكرية إذ صوب جنودٌ من الجيش الإسرائيلي النار في وجه ثلاثة جنود من جنود الاحتلال الفارين من الأسر وقد تعرّوا وهتفوا بالعبرية مفصحين عن هوياتهم ولوّحوا بالرايات البيض ورفعوا لافتات طلبوا بها النجدة والنجاة. فهذا الرمي العشوائي المتسرّع يدلُّ بما لا يدع مجالًا للشك أنّ هذا الجيش مهزوز العقيدة، قد أربكه ظهور أشباح المناهضين من كل مكان وأربكته الكمائن، فأصابته بحالةٍ من الهلع جعلته يُبادر بالرمي قبل التثبّت الذي هو من خصال الثابتين.

***

هذه هي عقيدة جنود الاحتلال في أبين خلالها نطلبها بالعرض كما نطلبها بالمقارنة والمقايسة التي نعرف بهما أثر هذه العقيدة في نفوس عاقديها، هذه هي العقيدة، نعرف مقدارها حين نقيسها بعقيدة المكافح المنافح عن دينه وأرضه، تلك العقيدة التي تبعثه على البروز حاسرًا من كل درع سابغة، أعزلَ من كل سلاح ثقيل، ونعرفها حين المواجهة واللقاء باعتبار فوارق السلاح أو بدون هذا الاعتبار، فقد سطّر النضال الفلسطيني من البطولات الموثقة ما يُنسي الناس كل بطولةٍ مروية، فرأينا المقاتل الحافي ينهد إلى أحصن الدبابات وأعتاها بجأش رابطٍ قار، وقلب ثابت غير هيّاب، وقد رأينا من البطولة والتضحية ما لو كان مثلها معروضًا في شاشات السينما لتبرّم بها الحاذق الذي يكره المبالغة في التمثيل والإخراج..

ونعرف فوارق العقيدة حين نرى عجز إسرائيل عن أسر مقاتل واحد من مقاتلي المقاومة بعد تطويق القطاع شهورًا والتوغل في أحيائه مع قطع الطرق والإمداد والطعام والماء والدواء والكهرباء، وما ذاك إلّا لأنّ المقاوم لا يستأسر ولا يسلّم فليس ثمة في عقيدته إلّا النصر أو الشهادة.

إنّ ميزان القوّة مختلٌ من جهة العدد والعتاد فهو للعدو بما لا يحسب ولا يُقاس وهذا لا يشك فيه أحد، ولكن متى كان العرب من أقدم العصور يساوون أعداءهم في العدد والعتاد؟

‏إنّ هذا المُدافع عن الحق المُنافح عن وطنه لا يمتاز في أرض المعركة إلّا بالجلد والشجاعة والجذور الضاربة في عمق الأرض، والخفّة والتخفي والسرعة والإقدام على الموت.. وهذا كثير..

‏يمضي المناضل وهو يعلم أن النصر ليس مضمونًا في كل معركة، ولكنّه مستيقن أن العاقبة للحق وأن النصر مبذولٌ على شروطه في كل حال، وأن الصمود واجب وأن التحرير آتٍ وهذا وعدُ العاقبة وهذه عقيدة الثبات..

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...