ليس الشعر هو الكلام الذي تلفظه الألسنة إنما هذا عبارةٌ عنه.. فالشعر شعورٌ حاد مرهف مأتاه ثقيل على قلب الإنسان وأعصابه، فإن تخيّر لهذا الشعور وزنًا وقافية صار شاعرًا.. أمّا الذي يستقيم له الكلام على الألحان والقوافي دون شعور فليس هو بشاعر وما جاوز الشعر لسانه إلى بلعومه دع عنك صدره وقلبه.. ولكن الناس -أغلب الناس- ليس لها إلّا الظواهر، فالشاعر عندهم هو ذاك المعتمّ الذي في كفّه مسبحة أو هو ذلك المهندم الذي في جيبه زهرة وصنعتهما الكلام وإن كان من شأنهما بعد ذلك ما يكون..
ولولا أنّ الشعر أمرٌ خفي غير هذا الذي يصدر عن الألسن، لما اتُهِم الشعراء بالجنون باختلاف أنماط الجنون، فهذا مجنونٌ غريبُ الأطوار وهذا مجنونٌ ممتاز وهذا مجنونٌ تلبّسته الجن.. ولولا أنّ الشعر كذلك لما نُسجت حوله الأساطير وما كتبت إليه "الوصفات"، فهذا جبلٌ لا يرقى إليه الراقي إلّا عاد شاعرًا أو مجنونًا وهذا نبعٌ ما ارتوى منه أحد إلّا كان شاعرًا أو ذا شأن وما إلى ذلك من الشعوذات والأباطيل.
ولقد ولدتُ صغيرًا بشعورٍ كبير فطلبتُ الأوزان ولم تستقم لي في بواكير الطفولة، وكنتُ أقرضها وأدوّنها وأعرضها على الأهلين والصحاب، وكنتُ أُحبُّ أن أكون شاعرًا لكنّي كنتُ أكره مَن أراه من الشعراء فما كنتُ أدري ماذا أصنع بهذا الخصام العجيب.. ولم أُعدم من يُتيح لي منابر الزواجات والمناسبات غير أنّي كنتُ أرفض لأنّي لا أريد أن أبذل شعري في المناسبات والزواجات..
وما كان في أول الهذيان يستقيم لي من الوزن شيء وكنتُ أعرض قصائدي على الشعراء فما كانت بشيء.. فيئستُ فترةً من إنشائه..
ثمّ على حين فترة ويأس.. أجاءني الشعر إلى الوحدة بشعورٍ غريبٍ أرهبني لكنّه أعجبني..
وقد التبس معدن الشعر بمعدن النبوة عند أقوام كثيرين، واشتبها في أشياء كثر منها الإلهام والعبقرية والانطباع الأول غير أنّ النبوة وحيٌ من الحق، والشعر وحيٌ من الطبيعة، ولذا ما بُعث نبيٌ إلّا اتهمه قومه بالشعر أو السحر أو الجنون، أو ببعضهم أو بهم جميعًا، ومن عجبٍ أننا من أمةٍ اتُهِم نبيّها بالشعر واتُهم شاعرها بالنبوّة.. ولئن كان عمل النبي في ميدان الحقيقة المطلقة فإن ميدان الشاعر في نبوّة الجمال والأخيلة. والنبي إذا انقطع عنه الوحي حزن.. ومن ذلك ما نزلت به سورة الضحى في طمأنته عليه الصلاة والسلام: (ما ودّعك ربك وما قلى).. وكان النبي ﷺ يقاسي شدةً في تنزّل الوحي وكان يكربه ويتربّد له وجهه حتّى لا يفصم الوحي عنه في اليوم الشاتي إلّا وجبينه يتفصّد عرقًا وحتّى تنوء الناقة به من تحته.. وكذلك الشاعر إذا انقطع عنه الإلهام.. وإلى ذلك ما رُوي من أحوال الشعراء وطقوسهم في تنزّل الإلهام، حتّى كان فيكتور هوجو شاعر الفرنسيس يتعرّى له، وكان جرير يتلوّى له، وحتّى يكون ما حكاه الفرزدق إذ قال:
«قد يأتي عليّ الحين وقلع ضرس عندي أهون من قول بيت شعر» والشاعر تغتذي قريحته من نفسه وعقله، وإذا استرسل الشاعر في هذه الأحوال ربما أشفى على الجنون أو قارب حتفه، ولذا حين رأى الفيلسوف الكندي هذا من أبي تمام قال: هذا الفتى لا يعيش طويلاً، لأنه ينحِت من قلبه.. وقد كان، ومات أبو تمام وهو في شدة الأربعين.
والشعراء بعدُ ليسوا صنفًا واحدًا في قوّة الوارد ولا في استجابة النفوس ولا في المشارب والمذاهب، ولذا اختلفت طقوسهم ومنازعهم بحسب ذلك، وكانت النبوّة حقًا واحدًا لا خلط فيه ولاشبهة.
والشعر عند الإلهام القوي والنفس القابلة: هو حالة بين الوعي وانعدامه لا تخلُص إلى الانتباه المحيط ولا إلى التغطية المُطبقة وهو زمنٌ غير الزمن يُنفقُ في استشفاف الأرواح الخفيّة واستبصار الخلجات المتوارية وفي تشطير خطرات النفس على توقيع الأنغام وفي ملاحقة الأطياف النافرة في مضائق الشعور.
ولا تتفق هذه الأحوال إلّا للواحد بعد الواحد من الشعراء وليست تتفق للشاعر المُستعد في كل حين.
ثم أنشدتُ الشعرَ..
وكان الشعر إذا طلبته صدر عن عقلي وإذا تركته صدر عن قلبي.. والشعرُ الذي يصدر عن العقول هو شعر الكلفة والاحتراز والصواب.. أمّا شعر القلب فهو شعر الطبع والجموح والحسرة..
وشعر القلب إذا أتاك لم تدرِ ما تصنع به فهو غمّة لازمة لا تنجلي إلًا أن تقوله، ولا ينطق المقول دائمًا عن مكنونات الصدور ولكنّه يقارب ويتحسس نبضات الشعور التي تسكن في الظُلمة ويذيبها النور، يقول الشافعي الإمام المُبين: «إنّي لأجدُ بيانَها في قلبي، ولكن ليسَ ينْطلِقُ بها لِساني!»..
فلما كثر اغتمامي أدركتُ أنّه بلاء.. فقلتُ في مبدأ الشعر:
يارب عفوك من هجوس لعب بي
يشعم طواري غايباتٍ عن البال
يسترك شعرٍ لا دعيته يلبي
ويفضحك طاري يجبر الشعر ينقال
وحين علمتُ بعد حين: أن الشاعر يُدرك بعد ردحٍ من الزمان، أنّه إنما كان ينسج أقداره بحبر أقلامه.. وهي لحظةٌ فاجعة يكتشف بها حريّة الإرادة، ثم يجد نفسه في اختياره محكومًا بمنطق الأقدار يكاد لا يعدوه ليجد نفسه مجبورًا في اختياره، ومختارًا في جبره.. وحين علمتُ أنّ الشاعر يكتبُ مشاعره قبل أن يحياها؛ أدركتُ أنّه البلاء العظيم.
وكذلك أدرك من علم من الشعراء فهذه قصة الشعر وهذه قصة الشعراء.
المقال مُلهم رائع كُتِبَ بصدق ،نعم هذا هو الشعر .لايكون الشِّعرُ شِعراً إن لم يكن شُعُوراً .
ردحذفليلى الشنقيطي