التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة الذئب والأغنام.. أربعة مبادئ في الأمن القومي!

 


مر ذئبٌ بقطيعٍ من السباع فلمّا علم بالخبرة وبالفطرة الموروثة أنّ لحم السباع دونه مقارعة السباع جاوزه بعيدًا إلى حظائر الأغنام، فلمّا اطمأن وثب من فوق السور فعدا على الشياه فلمّا استأمن من غفلة الرادع والرقيب لم يقتصر على ما يسدّ جوعه بل بات يأكل الشياه أكلًا ذريعًا.. 


هذه قصة تعرفها الأمم على اختلاف ثقافاتها فماذا نُفيد منها بعدما صقلتها أذهان البشر قرونًا طويلة؟

 إننا لا نفيد شيئًا لم نفده من سنن الحياة وقصصها المكرورة غير أننا نحتاج لتكرير العبر وتقليبها للحثّ وإلهاب الهمم لا لطلب الجديد المستطرف، فما عبر هذه القصة الخالدة؟ 

إننا نجد فيها -كما نجد في غيرها- أربعة أفكار تُنزّل على وقائع السياسة والأمن فتُناسبها كما تُنزّل على معاملات الحياة. 

 

-1- 

ليس للضعيف مصلحة 


 في موازين القوّة لا تعرف الطبيعة إلّا شيئًا واحدًا:  وهو أنّ الضعيف مغبون وأنّ دمه هدر وماله سلب.. ولا موضوع للضعف في الطبيعة سوى في صورة ضعف الإرادة والعجز عن الرد، ومهما تكن قويًا فإنّ الناس لا تعترف لك بهذه القوّة إلّا بأن تُعاينها، فالقوة في العلاقات ليس صفةً تُرهب حين تكون صفةً ذاتية يتصف بها القوي في جوهره بل هي تُرهب حين يكون لها محلٌ خارج الذات، فالقوّة الرادعة في العلاقات ليست معنى بل هي سلوك وفعل.. 

فإذا لم تظهر هذه القوة لتُدرك بالحواس فلا دليل عليها. وانعدام دليل القوّة هو أشد ما يُغري القوى المتربصة، فالقوى المتربصة في هذه الحالة تتمدد وتتمادى على حساب حقوق الضعيف ما كان الضعيف مسلوب الإرادة. ولا تراعي القوى الكبرى مصلحة الضعيف..

 لأن الضعيف ليس له مصلحة.. 

أي ليس له مصلحةٌ مُستحقة مستقلة عن مصلحة الأقوياء بل مصلحة الضعيف منهوبة لمصلحة القوي فإذا رأى القوي أن انعدام الضعيف وانسحاقه هو من مصلحته لم يملك الضعيف إلّا أن يمتثل للانعدام والانسحاق، أمّا القوانين ومجالس الأمن وهيئات العالم فهي وُضعت لتنظيم علاقة الأنداد.. علاقة القوي بالقوي وعلاقة الضعيف والضعيف في امتثالهما للقوي، أمّا علاقة القوي بالضعيف فهي فوق القانون لأن القانون يضعه القوي لا الضعيف ومادام أنّ القانون من وضع القوي فلا عليه أن يبدّله في كل حين.. لأنّ الواضع هو سببه الذي أخرجه للوجود حين اقتضت المصلحة، والذي له إرادة تُخرج القوانين للوجود لتكون مُلزمة فإنّ إرادته تتصرّف بموجودها كيف تشاء. 


-2- 

القوي يغنم من كل النتائج 


والضعيف يُزيّن له جُبنُه الانتظار.. فيرى فيه حكمةً و"هذي خديعة الطبع اللئيم" ويرى فيه سبيلًا للخلاص لأنّ آماله تفزع به إلى أن العزّة ستأتيه إذا انتظرها وربما كان قد ورث العزّة بأن كان تاريخه عزيزًا ثم خسر عزّته وجانب أمجاد الأسلاف فظنّ أن العزّة توهب من غير أسباب، وليس هذا بالصحيح فالعزّة لا تأتي بل تُطلب وتؤخذ بالمراغمة، والذين ينتظرونها يموتون وهم منتظرين، وكذا شأن الأمم التي ظهرت على التاريخ، فالعرب انتظروا انهاك الفرس والروم فطال انتظارهم حتّى قرروا الخروج للمقارعة والنزال.. والإيرانيّون عاشوا خانعين يرجون المهدي المنتظر، ولم يصبح لهم شأن يُذكر وصولةٌ تُتّقى إلّا بأن تركوا انتظار المهدي وأعلنوا ولاية الفقيه.. واليهود لم تقم لهم دولة إلّا بعد أن خلعوا عن أنفسهم انتظار المخلّص والوعد بأرض الميعاد، وتركيا حين انتظرت أن تنضم للاتحاد الأوربي انكفأت على ذاتها وطال انتظارها ولم تبرز في الإقليم إلّا بعد أن خلعت الانتظار والْتفتت لما حولها..

ويختزل الحقيقة من يقول إن صعود أميركا كان بسبب خراب أوربا وإنهاك دولها القوية، وليس هذا بالصحيح فلو كانت أميركا تنتظر انتظار العاجز لما استحقّت أن تضطلع بالعبء وأن تُحكم التدبير، ولكنّها كانت تُعد العدّة وتطلب الأسباب وتتحيّن الفُرص، ولو لم تكن قويّة لما صعدت، لأن القوي هو الذي يستفيد من النتائج كل النتائج على اختلاف مناحيها، وكذا الشأن مع إسرائيل إذا لم تُجبَه برد فهي تروم الاستفادة من كل ضمورٍ في إرادة العرب ومن كل نتيجة في أراضيهم، ولم تكن إسرائيل سببًا حتمًا في كثير من الأحداث ولكنّها سعت إلى قطف ثمارها، والجبان والهلوع يظنّ أنّ إسرائيل تدبّر الأسباب ويظنّ فيها وفي داعميها القوة المُطلقة فيُرجعون كل سبب استفادت منه إسرائيل إلى تدبير إسرائيل، وليس هذا حقًا، فإسرائيل لم تدبّر السبب ولكنّها اغتنمت الفرصة وعملت بأسباب القوّة التي تهيئها لاغتنام الفُرص. 



-3- 

الكون لا يُحب الفراغ


إنّ الكون نقيض العدم وهما نقيضان متخاصمان لا يلتقيان أبدًا، وكل ما في هذا الوجود يكره أسباب العدم، وكل عوالم الوجود تكره أشباه العدم، ولذا كانت الطبيعة تكره الفراغ فكل فراغٍ فيها لا يلبث أن يُملأ أو هي لا تفرغ إلّا من شيء لطروء البديل المُدافع فلا مكان فيها للفراغ المُطلق، وكذا الشأن في عوالم المادة وعوالم النفوس.. وكذا الشأن في السياسة أبدًا، فكل حالة ضعف أو ارتخاء من التي يسميها الساسة "فراغًا" سياسيًا هي ولا بد مُمتلئة، فإن لم نملأها بما نُحب مُلئت بما نكره. 

وفي الدول المضطربة التي ترتعش فيها قبضة الأمن يكون  حضور الخارجين على السلطة على حساب طواقم السلطة، وحين تضعف مؤسسات الدولة يُنظّم الناس أنفسهم وحين يغيب القانون يُملأ فراغ القوانين بأنماط متنوعة من العقود الاجتماعية. 

وحين يختل نظام الدولة المتسلّطة وتضعف فيها المؤسسات المدنية التي تكفل النظام، ويضعف الجيش الذي يكفل الأمن، تَمدّ قوى الإقليم أذرعها وتملأ من الفراغ بحسب ضعف النظام، وإن كانت قوى الإقليم مُرتخيةً غير قادرة على انتهاب الفرص؛ أتاح هذا الضعف مكانًا لقوى العالم من خارج الإقليم.. وحين ضعفت الدولة المركزية في سورية، أحدث ضعفها ارتخاءً في أطرافها وفي بنيتها، فملأ الروس فراغ الساحل وملأ الترك فراغ شرق الفرات وملأ الإيرانيون الفراغ فيما أسموه الهلال الشيعي وملأت إسرائيل فراغ الجولان وتمددت بعد ذلك خارج خطوط الهدنة وملأت أميركا ما يُتيح لها تحقيق مصالحها في كل حين، ولم يستطع العراق المُنهك أن يستقلّ بفراغٍ يملؤه لمصلحة الدولة، ولم تستطع دول الإقليم لبعض ضعفها أن تمنع تدخّل الدول من خارج الإقليم. والأمثلة على هذا من إقليمنا كثيرة فحين حلّ بول بريمر جيش العراق ملأت إيران فراغ العراق، وحين ضعف حضور السلطة اللبنانية جنوب الليطاني ملأ هذا الفراغ حزب الله حتّى صار عبئًا على الدولة وكذا الشأن في السودان وفي سيناء واليمن وفي كل الأقاليم الرخوة. 


-4- 

القلب يُحمى بتكثيف الدروع


 وهنا سنّة من السنن المودعة في الطبيعة التي تنظّم العلاقات وتحمي المصالح، وهي أنّ الذي يُريد أن يحمي شيئًا لا بدّ أن يُحيطه بالأسوار ولابدّ لهذه الأسوار أن تكون على الأطراف، لأن الحصن الذي يحمي القلب يُفرّط في بعض ما يجب أن يُحمى.. ولابدّ أن تكون الأسوار المُدافعة متقدمة خارج الحدود ولابدّ أن تكون الأسوار المُدافعة متوالية فكل سور دونه سور دونه سور حتّى يصل إلى حدود ما يُحمى، لأن الذي يكتفي بإقامة الأسوار على حدوده من قِبله يُجرّأ الطامعين على اقتحام الحدود والأسوار. فالذي يريد أن يحمي وطنه لا يكتفي بحصن الرابطة الوطنية، لأنها حصنٌ متأخّر ولأنها حصنٌ وحيد، بل عليه أن يطلب لهذا الحصن سورًا من خارج حدوده، فينشد رابطةً في الجوار والأقليم ثم ينشد رابطة من القوميّة ثم ينشد رابطة من الأممية، حتى إذا ضعف سور الأمة يبقى سور العرق درعًا رادعًا يسعى إلى بناء سور الأمة من جديد، وهكذا يبقى حصن الوطنيّة آمنًا. 

وفي أوربا عُرفت الأفكار القومية والدول الوطنيّة على هيئتها الجديدة Nation State. ثم رأت الدول الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية أن الاكتفاء بحماية حصن الوطنية لا يحمي الوطن وكان أن خُرّبت دول أوربا الكبرى التي دعت للأفكار القومية ثم كانت أوربا أول من تخلّى عن هذه الأفكار، فطلبت أوربا عقيدةً متجاوزة تقيمها سورًا على العقائد الوطنية، فجعلت تقيم الأحلاف حتّى كان الاتحاد الأوربي الذي  تغلب على أعضائه العقائد المسيحية وكذا طلبت الدول الكبرى في أوربا حماية حصونها فأقامت الأسوار العالية بحلف شمال الأطلسي واشتمل هذا الحلف على أغلب الأمم الأنجلوساكسونية، وشملت الدول الإسلامية على أطراف أوربا.. 

وكذا حمت روسيا نفسها بالاتحاد السوفييتي ثم حلف وارسو، فلمّا انهار سور الاتحاد السوفييني بقي حصن روسيا متماسكًا، وهي الآن تطلب أسوارًا خارج حدودها لتحمي نفسها من تمدد الناتو فكان من بعض هذا الطلب ما احتلّت به شبه جزيرة القرم وما احتلّت به أقاليم الروس شرق أكرانيا وما وطّدت به قواعدها في ساحل سوريا. 

ونحنُ في كل هذه الأفكار المتقدمة نضرب الأمثال للتأكيد لا للتقريب لأن هذه الأفكار من نواميس الحياة في كل نوع من أنواع العلاقات بين بني الإنسان وفي كل تمثيلٍ من تمثّلات هذا الإنسان. ولأنها كذلك فإنّا نجد هذه الأفكار وحلولها في القرآن، الكتابِ الهادي الذي نزل لينظّم حياة الإنسان وعلاقاته في أطوار الاستضعاف وأطوار التمكين. 



1- قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا) 

يُقسم الحقُّ جلّ جلاله وعظم سلطانه على أنّ التمكين بعد المجاهدة، ولا ينبغي للضعيف أن يقنط من توفّر القوة والله القوي الذي هو فوق كل قوي يعده بالقوّة على أسبابها المشروطة، والله كفيل بالتثبيت والإمداد إن صدقت العزيمة،  وأقل ما يُطلب من الضعيف الثبات وأن لا يتزعزع ولا يهن، لأنه بالوهن لا يستدفع ضرًا ولا يستجلب رحمة الوحوش وإنما يُغريه الوهن بالهوان و"من يهن يسهل الهوان عليه". ولذا قال تعالى: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدوّ الله وعدوّكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم)، فالحق تبارك وتعالى لم يقل واتصفوا بالقوّة ولكن قال أعدّوا، لأن الاتصاف بعد الإعداد، وطلب الحقُ إعداد القوّة قدر الاستطاعة أيّ أنّ هذه القوة تُنمى حتّى يتحقق مقصدها في الآية وهو إخافة العدو وآخرين لا يُفطن لهم ممن يكيدون ويتربّصون.. فالأعداء يرهبون القوّة التي هي في صورة الإعداد أي في صورة السلوك، ولذا قال النبي ﷺ في حديث عقبة: "ألا إن القوّة الرمي، قالها ثلاثًا" فهنا تنبيه بـ "ألا" وتوكيد بـ "إنّ" وتوكيد آخر بالتكرار.. وفي الجملة المنبّه إليها والموكّده بأبلغ أنواع التوكيد_ حصرٌ للقوّة في مظهرٍ يُرى فيُرهب ليس يخفى فيُغري بالعدوان. 


2- وقال تعالى: (إن الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتّى يُغيروا ما بأنفسهم) 

وهنا يقطع الحق تبارك وتعالى بـ "إنّ" التي هي للتوكيد بأنّ التغيير لا يُنتظر وأنّ الأقوام لا يتغيرون إلّا بشرط أن يُغيروا أنفسهم وما دام أنّ الله لا يُغيّر الأقوام الذين لا يطلبون التغيير فإنّ ما دون الله عاجز عن أن يُحدث التغيير على غير الإرادة الإلهية، فالضعيف لا يقوى إلّا بأن يُحدث شيئًا في نفسه وكذا القوي لا ينقلب حاله إلى الضعف إلّا بتغيير يُحدثه في نفسه. 


3- وقال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) 

ومن بعض معاني هذه الأية أن الأرض التي هي جزء الكون المعيش ظرفٌ للمدافعة لا تخلو منها في حين ولو خلت منها لفسدت واختل النظام، وقال تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) فالزمان كذلك ظرفٌ للمداولة بين الناس وهذه سُنّة الله، فإن لم يدل لك الزمان على ما يتحقق به الأمن والكرامة والتمكين فقد دال عليك وليس بين الحالين وسطٌ يُستكان إليه أبد الدهر. 


4- وقال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا)، وفي آية أخرى يقول تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) 

وفي الآيتين حثٌ على الاعتصام ونبذ الفرقة والتنازع لأن حبل الله سور لهذه الرابطة الإنسانية فإذا تُرك الاعتصام بها ودبّت الفرقة وانحلّت أسوار الروابط عقب هذا النزاع الفشل وذهاب الريح، والآية تصوّر ذلك بالفاء التي هي للتعقيب دون تراخٍ لأنّ التنازع يكون بعد انحلال الرابطة الحامية وليس بعد ذلك شيء يُتّقى به ويُتَذرّى ويستأخر به الفشل. 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...