حين
قدمنا مدينة "فوجي" كان مقدمنا ليلًا، فلم نرَ الجبل، وعندما أصبحنا
رأيناه على غير غفلة فملأ صدورنا مهابةً وجلالًا.. وكان جبلًا شاهقًا شامخًا قمّته
باركةٌ في كبد السماء تكاد تحجب الشمس في رائعة النهار، وقد بقينا في المدينة خمسة
أيام، ولكننا كلما انتبهنا لمرآه بعد غفلة حدث في صدورنا ما حدث في أول مرآه، فكان
خير معين على التهليل والتسبيح والتكبير..
ثمّ
غادرنا المدينة بالقطار، والجبل مرسومٌ على النافذة، وليس في المدينة وما حولها
موضعٌ إلّا وهو يُرى منه! "فكأنّه الليل الذي هو مدركي وإن خِلتُ أنّ المنتأى
عنه واسعُ"..
والقطار
فرصة للتأمّل لأننا كنّا ننقطع عن الحديث في الرحلات بين المدن، ولشعب اليابان
عادة حميدة، هي الصمت في مراكب المواصلات وهو صمتٌ يُحرج المزعجين من السُيّاح
والوافدين ليكفّوا عن الحديث..
ومما
جاد به التأمّل على مسير القطار أنّ خاطرًا في عقلي قال: إن أهل فوجي حين قدّسوا
جبلهم كانوا أسلم فطرةً من الهندوس الذين قدّسوا البقر، فأين البقر المُسيّر من
جلال الشاهق الصامت الخالد..
فقال
هاتفٌ بين جنبيّ: أبعدت النُجعة! وهل الجماد مهما بلغت عظمته يُسامق في الجلالة
الحيّّ الذي يشتمل على سرّ الروح وتعقيد الدماغ؟ إنّك قُلت ذلك لأنّ البقر محتقرٌ
بالقياس إلى الحيوان وليس هذا الجبل بمحتقر بين إخوانه من الجمادات.. لكن اطرادًا
على رأيك هذا فإنّ حشرةً مبجّلة في أخواتها خيرٌ من طيرٍ محتقرٍ في سربه! وليس
يعنيك بعد ذلك أن تلك حشرة مهما ترفّعت في المقام فقد تسفّلت في الخلق وأن هذا طير
له الأفق العالي وله العلو على الحشرات مهما هان في سربه!
إن
الحي مهما حقر في عينك فهو يتحرّك! والمتحرّك خيرٌ من الساكن!
فقال
الخاطر للهاتف: ليس الأمر كذلك، إن البقر وإن كان حيًا فقد كان من شأنه أن يكون
حرًا ولكنّه سُلب حرية الاختيار وهو يشاكل الأحرار في القابلية، ولكن هذا الجبل لم
يكن قابلًا لشيء ثم رضي من قبوله هذا بأدنى درجات القدرة والكمال، فالجبال محلٌ
للثبات وهذا الجبل أرسخها، والجبال محلٌ للعلو وهذا الجبل أرفعها، والجبال محلٌ للضخامة وهذا الجبل أضخمها..
قال
الهاتف: ألستَ ترى أنّ البقر أعظم نفعًا وأوفر بركةً وهي بعد ذلك آنس للإنسان من
الجماد، فإذا أردت أن تجيل الفكرة في مخلوق فإنّ للحيوان في كل حركة من حركاته ما
يجدد لك النظر، فأين ذلك من الحجار الصم التي ظاهرها كباطنها، إنّ الذي يُغريك
بالعظمة هو تجدد الدهشة واطّلاعك على سرٍ بعد سر، وفي ظاهر الحيوان ما يجدد لك
النظر في كل حين وفي باطنه ما لا يُقضى منه العجب وإنّ للفكرة في اجتماعه سبحًا
طويلا..
ولكن
انسَ المقابلة بين الجبل والبقر، وانزع عنك تأثير الألفاظ فإن للألفاظ رنّة تملأ
القلوب، فأصل الجبل: العلو والتماسك، وج، ب، ل أصل في كل ماهو مجموع ومرتفع، وفي
معانيها الخلق والفطرة، أمّا البقر فليس لألفاظه رنّة الألفاظ الأولى، فانزع عن
نفسك هالة الألفاظ فإنها منزوعة في غير العربية وليس العرب كل الناس، وانظر فيما
وراء الألفاظ وانسَ أنك تقارن بين جبل وبقر، وقارن بين ميتٍ وحي.
قال
الخاطر: لتكن البقر أعظم نفعًا وأوفر بركة وأنا لا أسلم بذلك فإنّ من الجبال ما
يُقد منه الذهب والفحم والمعدن النفيس ومنه ما كان به مسكن الإنسان إن كان من
البقر مطعمه ولتكن البقر بعد ذلك أعظم نفعًا فهل الجلال يُقاس بمقاييس النفع
والفائدة التي تؤخذ بالقوّة والتسخير؟ إنّ النفع الذي يخرج مخرج المنّة هو الذي
يبعث الجلال ويضطرّ المحتاج للالتجاء ولكن النفع الذي يؤخذ بالقوّة يبعث على
الاستهانة.
تعال
انظر للجبل في سكونه وبقائه وكيف جاز بالسنين الطوال وتوارثت النظر إليه أجيال
وأجيال، يموت قرن ويحيى قرن وتتغير المنازل والدور وتتغير المزارع والمراعي وهذا
باقٍ يرمق الأحياء بعين الزراية والسخر.. إن للروح سرٌّ كما قلتَ، فهل عرفت سرّها
في الأحياء لتقطع بانعدامها في الجماد؟ إنّ المقابلة بين الحي والموات مقابلةٌ في
اللغة، وإلّا فإنّ من الناس من هو حيٌّ كميت وميتٌ كحي، أليس الجبل شيئًا؟
"وإن من شيءٍ إلّا يُسبّح بحمده" وإذا أغرتك في الأحياء الحركة فظننتها
سر الكون فإنّ الكواكب السيّارة أعظم حركةً مما رأيت فيه الحركة، والجبال كذلك
متحركة: "وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب"
*
واحتمى
النقاش في رأسي وذكرتُ قولًا لابن تيمية يُناقض قول الخاطر، كان قد ذكره في
التدمريّة حين كان يردّ على المتكلمة الصفاتيّة في مفهوم "العدم
والملكة" فقلتُ أعود وأرى ما قال وكنتُ قرأت الكتاب في أوّل الطلب وذكرتُ
أنّي اطمأننتُ للكتاب إلّا في أحد ردوده فقلتُ ربما كان الرد فيما أنا فيه الآن..
فلمّا راجعت قوله وجدته قال من وجوه ردّه على الآمدي: "المحل الذي لا يقبل
الاتصاف بالحياة والعلم والقدرة والكلام ونحوها، أنقص من المحل الذي يقبل ذلك
ويخلو عنها، ولهذا كان الحجر ونحوه أنقص من الحي الأعمى"
ووجدتُ
أنّي كتبت في الهامش كلامًا أقول فيه: "ليس الحي الأعمى أكمل من الحجر لأنّه
قَبِل صفة البصر وخلا منها! ولكنّه أكمل من الحجر لأنّ له من الصفات ما يشرف بها
عن الحجر، إن الشراب الذي يقبل الاتصاف بالحلاوة واللذاذة إذا انتفت عنه هذه الصفة
لم يكن أشرف من الماء الذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات" ثم رأيتني أقول
"لعلّ الشيخ يقصد أنّ الأمر يكون حصرًا في التقابل الذي يكون في أحد طرفيه
صفة كمال ذاتية لا تشوبها شائبة نقص" ثمّ رأيتني أقول معقبًا على نفسي:
"وإن كان! فهل الذي ليس هو محلًا للكمال يُلام على ذلك؟ اللهم لا! فإنّه ليس
محلًا للنقص أصلًا وإنما الذي يُلام هو الذي يكون قابلًا للكمال ثمّ لا يكمل،
ولم
أرَ في عيوب الناس عيبًا
كنقص
القادرين على التمام"
انتهت
هوامشي على كلمة الشيخ..
والعجيب
أنّي حين رجعت لهذا النص وجدتني قد كتبت في آخر ورقات الكتاب مشيرًا لهذا الموضع:
"استدراك على كلام شيخ الإسلام"! فضحكت ساخرًا بطيش السن وحماسة
البدايات.. ومحوت الجملة وكتبت: "استدراك على ما فهمته من كلام شيخ
الإسلام".. وشكرتُ الله على أنّي مطمئنٌ لصفات كماله دون الحاجة لهذا الوجه..
*
نعود
إلى فوجي ونقول: بعد أن دار الكلام في رأسي بين الجبل والبقرة قطعته بسؤال الشباب
من حولي.. قلتُ لهم: عندي سؤال.. لو كان لجبل "فوجي" اسمٌ عربي فماذا
يكون أنسب الأسماء.. قال عبدالله الخولي -وهو شابٌ نبيه ألمعي-: يكون اسمه إذًا
"فوجي" وكان يعني أنّ من سمّى الجبل؛ فوجئ بمنظره والمفاجأة هي أول ما
تنقدح في ذهن من يراه ومن يُريد أن يسمّيه.. فعجبت من حُسن تعليله وسرعة بديهته..
فمضينا نقطع المدينة والجبل الصامت المتوشّح بالسحاب يُشرف على المدينة ويرقبها في
وقار.. وما زال الجليل يدق في الأعين حتّى عاد صغيرًا ثم اختفى في العين وانقضت
هيبته.. فسبحان الذي لا يحدّه مقدار ولا تُدركه الأبصار وهو يُدرك الأبصار وهو
اللطيف الخبير، سبحانه جلّت آثاره وهو الباطن وخفيت ذاته وهو الظاهر.. هو الأول
والآخر وهو بكل شيء محيط.
تعليقات
إرسال تعليق