ما
زلت في حين البؤس المتصل أتمثّل أواخر قصيدة أبي الحسن التهامي التي يقول
فيها:
وَمِنَ
الرِجال مَعالِمٌ وَمَجاهِلٌ
وَمِنَ
النُجومِ غَوامِضٌ وَدراري
وَالناسُ
مُشتَبِهونَ في إِيرادِهِم
وَتَباينُ
الأَقوامِ في الإِصدارِ
(…)
هَلّا
سَعوا سَعيَ الكِرامِ فَأَدرَكوا
أَو
سَلَّموا لِمَواقِعِ الأَقدارِ
ذهب
التَكرّم وَالوَفاء مِنَ الوَرى
وَتصرَّما
إِلّا مِنَ الأَشعارِ
وَفَشَت
خِيانات الثِقاتِ وَغيرهم
حَتّى
اتَّهمنا رُؤية الأَبصارِ
(…)
لِلّهِ
درُّ النائِباتِ فَإِنَّها
صَدأُ
اللِئامِ وَصيقل الأَحرارِ
وهي
عجيبة وهي اليوم مع تطاول المناكير أنسب منها حين قالها أبو الحسن.
قال
أبو الحسن التهامي:
لله
درُّ النائباتِ فإنّها
صدأُ
اللئامِ وصيقلُ الأحرارِ
نعم
لله در النوائب فبها يُعرف الرجال الأحرار وتعرف الرجولة الحرة وليس ثمة تمثّل
تتحقق به معاني الرجولة سوى في صور الاستجابة لهذه النائبات وبدونها لاتكون
الرجولة إلّا كامنة لا تُعرف ولا تمتاز، قال الشاعر:
لولا
المشقة ساد الناس كلهُمُ
الجود
يُفقرُ والإقدام قتالُ
ولولا
النائبات لتساوى الأحرار واللئام ولساد الناس كلهم أجمعون فلله درها مرتين لأنها
أظهرت الأحرار ولأنها أخنت على اللئام.. ولله در الحرية من معدن شريف يحسده في
الرجال كل رديء المعدن، ولله درها من فاضحة للأراذل الجبناء مرتين جيئةً وذهابا،
فهي تفضح الجبناء مرةً لأنهم يقصرون عن معاليها وهي تفضحهم الثانية لأنهم يكرهون
الرجولة ويشتمونها بما علموا من أنفسهم من الذل والضعة والصغار، فهي فاضحة في
تمنّعها على اللئام وهي فاضحة في تعرّضها لألسنة اللئام.
ولله
در الرجال الذين بالأكناف في الثغور وعلى الحدود يقارعون بطش القوى العظمى حفاةً
عراة الصدور حاسرين من كل درع سابغة أعزلين من كل سلاحٍ مكافئ، لله درهم فبفعالهم
تهون الخطوب وبصمودهم تُستحقر النوازل والمُلمّات الجسام، لله درّهم ما قورن همٌّ
بهمّهم إلّا سال ولا وُزن عزمٌ بعزمهم إلّا شال.. رجال يزيدون يقين البشرية جمعاء
في أنّ في الوجود زمنًا غير هذا الزمن الذي قال فيه أبو الحسن:
زمنٌ
كأمِّ الكلب ترأمُ جروها
وتصدُّ
عن ولد الهزير الضاري
نعم..
رجال نستيقن بهم أنّ في الوجود زمانًا يُجزى فيه الرجال خير جزاء ولا يجاورون فيه
الحقراء الطاعنين في أعراضهم.. زمانًا ينال المستحق حقه وافرًا كاملًا غير منقوصٍ
ولا مطعون..
لله
أبوهم مقاييس رجولة ومعايير شرفٍ، مساعر حرب ومروضو هيجاء وجادعو أنوف الأبهة
والزيف! لله أبوهم ما استشاظ القصف إلّا أصمّوه بالزمجرة..
ثمّ
يأتيك الرخو المخملي ويأتيك الفدم الجزوع يحطّ من أقدار الرجال وهو الذي لو حدجه
أحدهم بنظرة خُلع قلبه ولجلج لسانه بين فكّيه، ولا أستثني فاتلي الشوارب من أهل
الهياط في المجالس والمحافل مدعي العروبة ولا عروبة، ناشدي الجاه ولا جاه، طالبي
الصيت ولا صيت غير صيت المذمة والعار.. ولا أستثني مسبلي اللحى من أهل العلم الذين
أفنوا حياتهم بين الأوراق فأخذوا لينها ومُنعوا حكمتها ودار علمهم على أوّل باب
الطهارة إلى آخر مسائل الحيض والنفاس وإن زادوا ففيما صار محفوظا ليس في نيله
امتياز العقل ولا كد الهمة ثمّ حرنوا حرون الثيران على مداخل الحكمة وأقعوا إقعاء
العجزة على عتبات الفحولة ثمّ إذا غادروا هذه المسائل كانوا من العوام وإذا قاسوا
الرجال أتوا بالطوام.
قُلنا
يُعرف الرجالُ عرفان الحق بالملمّات، ونقول تُتوسّم الرجولة ولوازمها - قبل
تحقيقها في غير وقت النوائب- في وجوه من يقدر الرجال حق قدرهم وينظر إليهم بعين
الإكبار، أمّا الذي لم يُدفع لمضائق الكاشفات ولم يتهيأ يومًا لفراق الأمن ولم
يتقحّم يومًا حمى الخطر وهو مع ذلك يحتقر الرجال المحككين فهذا خسيس يجمع إلى
خموله: خسة النفس الوضيعة التي لا تُقر بالضعف لتُغادره بل تراها تُنكر الضعف في
الضعفاء وتحتقر القوة في الأقوياء، وهي نفوس ضعيفة لو سُحبت لمراقي البطولة سحبًا
لكانت خلدت إلى الأرض وتشبّثت فيها بأظفارها، وهي خسيسة درجتين، لأنها لا تفعل فعل
الرجال ولأنّها يضيرها أن ترى من يفعل فعل الرجال. وهي خسيسة لأنها لمّا علمت
قصورها عن بلوغ الأمجاد بالمحن والصبر الطويل ظنّت المجد يؤتى باحتقار الماجدين،
وهي بهذا الفعل الخسيس تستريح من قوارع الواجب والحق وتقتل بواقي الدوافع التي
تدفع إلى الرجولة لتُقيم بذلك في خساستها فلا تُريم، فالرجولة حرمٌ، من يَظلم
منتسبيها يُذاد عن معاليها إلى سفوح الدناءة والذل، ولذا من مسّها سقط إلّا
في أعين اللئام الذين يغريهم الذل في دنيا النضارة والغضارة ويكرهون العزة في حياة
العزائم والهموم، أولئك الميتون أحياءً القانعون من المدائح بمديح ثلة المريدين
الأغرار الذين تختلط عندهم الموازين وتضل عندهم الأقيسة فيرفعون الوضيع ويضعون
الرفيع وهذه نهاية البؤس والهزال التي تُعاف عندها الحياة كما قال الشيخ:
إذا
وَصَفَ الطائيَّ بالبُخْلِ مادِرٌ
وعَيّرَ قُسّاً بالفَهاهةِ باقِلُ
وقال السُّهى للشمس أنْتِ خَفِيّةٌ
وقال الدّجى يا صُبْحُ لونُكَ حائلُ
وطاوَلَتِ الأرضُ السّماءَ سَفاهَةً
وفاخَرَتِ الشُّهْبُ الحَصَى والجَنادلُ
فيا موْتُ زُرْ إنّ الحياةَ ذَميمَةٌ
ويا نَفْسُ جِدّي إنّ دهرَكِ هازِلُ
تعليقات
إرسال تعليق