فرضت المقاومة الفلسطينية على إسرائيل معركةً لم تخترها إسرائيل ولم تعيّن وقتها ولم تحدد مداها ولا أثرها، وكان النظام الإيراني القائم على ولاية الفقيه حينها في أفضل أحواله منذ ثورة الخميني.. لكنّ محور المقاومة الذي يقوده نظام الملالي ارتعش وسُلبت منه إرادة الحرب ولم يهتبل الفرصة التي اختلقتها له المقاومة الفلسطينية، فأفاقت إسرائيل من صدمتها وحيّدت امتياز المفاجأة ووازنت الردود مع حزب الله حتّى تستفرد بغزة، فلمّا أمِنت من جبهتها الجنوبية إلى حدٍ ما، ذهبت للشمال واستفردت بالحزب بعدما بدهته بحربٍ رفعت إسرائيل سقفها واختارت توقيتها وصار امتياز المفاجأة لها، ثمّ أطمعت الحزب بهدنة لتشل إرادته في الحرب وفي أثناء ذلك اخترقت الحزب اختراقًا أرعبه وأفقده الثقة بأمنه ومقدرته واغتالت قادته بعد الاختراق ودخل قرار الحزب في حيص بيص حتّى حُيّد خطره..
حتّى إذا قضت إسرائيل على أطراف المحور
ذهبت إلى مركزه، وفاجأت إيران بحربٍ اختارت إسرائيل وقتها ولم تجعل لها حدودًا
إلّا القضاء على النظام، وأطمعته بصفقة كي يظنّ الإيرانيّون أنّهم يصلون إلى هذه
الصفقة إذا لم يصعّدوا من ردهم على ضربات إسرائيل، وهو النهج ذاته الذي استخدمته
إسرائيل مع الحزب وانتهى بانتهائه، والظاهر أنّ إسرائيل استغلّت "صبر إيران
الإستراتيجي" واستفادت منه بأن أوقعت إيران في: " مكر إستراتيجي"
فلم تهتبل إيران فرصة الطوفان ولم تستفد من خطأ الحزب ولم تقوّي عزيمتها بعد خسارتها
حليفها السوري، وظلّت إيران تنتظر أن تبدأها إسرائيل كي تُحدد بعد ذلك طبيعة
ردّها، وغاب عنها أنّ الرد إذا كان من جنس الهجوم فهو دونه لأن للهجوم امتياز
المفاجأة، ومع ذلك فهي حتّى الآن لم تردّ ردًا يوازي [حرب] إسرائيل عليها بل هو لا
يوازي ضربةً واحدة من ضربات إسرائيل في
العام الماضي.
يقول المعلّقون على الأحداث في القنوات والصحف إن إيران تجر إسرائيل لمعركةٍ طويلة لأن إسرائيل لا تقوى على المعارك الطويلة وإنّ إسرائيل الآن تعود للحروب التي لم تمارسها منذ حربها الأخيرة مع مصر في عام ١٩٧٣ ويعنون بذلك الحرب التي تكون بين الدولة والدولة لا الحرب بين الدولة والعصابة أو الدولة والحزب أو الدولة والتنظيمات التي دون الدولة، ويقولون إنّ إطالة أمد المعركة في هذه الظروف ليس من مصلحة إسرائيل، وهذا قول كنّا نقوله ولكنّا كنّا نحدده بالحروب التي تكون على حدودها وبالحروب التي تكون شاملةً تشارك فيها أسلحة الجو والبر والبحر وبالحروب التي تتكافأ فيها القوى والأحلاف أو تتقارب. نعم إن إطالة الحرب ليست في مصلحة إسرائيل ولكن إطالتها دون خروجها عن طاقة إسرائيل وحلفائها ليس في مصلحة أعدائها. وأمّا هذه الحرب التي تُشن على إيران فلا نظنّها من قبيل الحروب التي تكون مصلحة إيران في إطالتها إذا كان كل ما لإيران هو الضرب بالصواريخ والمسيّرات التي ما زالت إسرائيل تقتنصها، لأن إطالة الحرب على هذا المنوال يعني أنّ إيران لا تملك الضربة الرادعة التي تُخيف إسرائيل وتضطرّها للهدنة، وإذا لم تملك إيران هذا النوع من الردع، فهذا يعني أنّ قدرة إسرائيل على إضعاف الضربات الإيرانية ستزيد، لأنّ إسرائيل تصد الضربات الإيرانية بالمنظومات الأمريكية وتكتشفها بالرادارات الغربية وهي تقنيات تتطور وتُحشد مع الوقت، ولكن مخزون إيران لا يتضاعف فحلفاؤها بين مشغول ومتهيّب، ولأنّ إسرائيل فيما نرى تسيطر على الأجواء الإيرانيّة ما يعني أن ضرباتها أدق وأفتك وأنّ قدرتها على تعطيل الأنظمة الصاروخية أرجح، وهو ما يعني أنّ إطالة الحرب دون تحقيق الردع يُتيح لإسرائيل تدمير المنشآت العسكرية والحيوية.. وأمرٌ آخر لا نراه من مصلحة إيران إذا طالت الحرب، وهو بنية نظام حكمها الثوري غير المستقر وطبيعة مجتمعها الفقير الذي ليس بمتجانس الأعراق وطبيعة النظام التقني للدولة وكل ذلك يجعل خطر الاختراق راجحًا ووشيكًا..
لا شكّ في أنّ دولة إيران أرسخ من
الكيان الصهيوني المؤقت، ولا شكّ في أنّ دولة إيران أصبر على الظروف من الكيان
الصهيوني، لأنّ إيران لها جذورها الراسخة في التاريخ، ولأنّ لها فضل الجغرافية
الواسعة وله امتياز السكّان ولها امتياز إمداد البر على إمداد البحار، ولكنّ الشيء
الذي تُعنى به إسرائيل هو النظام الثوري نظام ولاية الفقيه وهو نظام مهدد بالزوال
وليس تاريخه من تاريخ إيران ولا جغرافيته من جغرافيتها وهو نظام لا يلقى القبول من
شعب إيران كلّه، ففي إيران أعراق متنوعة وطوائف مختلفة فبقاء الدولة الإيرانيّة
ليس مرهونًا ببقاء النظام الجعفري الثوري، وقد قلنا في مقالنا السابق إن مهمة
إسرائيل لم تعد مقتصرة على استهداف المشروع النووي بل هي تتعداه لاستهداف مشروع
المقاومة المتمثّل في النظام الإيراني، وهو القول الذي أكّده نتنياهو البارحة في
خطابه الذي وجهه إلى الشعب الإيراني حين قال إن إسرائيل وشعب إسرائيل يقفون مع
الشعب الإيراني في مواجهة النظام، وحين دعا الشعب الإيراني لاستغلال فرصة الإطاحة
بالنظام الإيراني، وإسرائيل فيما نرى من تحركاتها تقدّر أن مشروع القنبلة النووية
ومشروع النظام الإيراني في المنطقة شيءٌ واحد وأنّ سقوط أحدهما يكفي لسقوط الآخر،
فإذا أعياها أن تقصم المشروع النووي من دون اضطلاع الولايات المتحدة في الحرب
مباشرةً أو من دون استخدام سلاح نووي، فلا مناص لها من إخلال النظام وإجباره على
الاستسلام، واستسلام النظام هو قبوله بشروط المنتصرين، أي هي الشروط التي وضعتها
الولايات المتحدة في المحادثات النووية..
تعليقات
إرسال تعليق