التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيران – أزمة المشروع (2)

 

فرضت المقاومة الفلسطينية على إسرائيل معركةً لم تخترها إسرائيل ولم تعيّن وقتها ولم تحدد مداها ولا أثرها، وكان النظام الإيراني القائم على ولاية الفقيه حينها في أفضل أحواله منذ ثورة الخميني.. لكنّ محور المقاومة الذي يقوده نظام الملالي ارتعش وسُلبت منه إرادة الحرب ولم يهتبل الفرصة التي اختلقتها له المقاومة الفلسطينية، فأفاقت إسرائيل من صدمتها وحيّدت امتياز المفاجأة ووازنت الردود مع حزب الله حتّى تستفرد بغزة، فلمّا أمِنت من جبهتها الجنوبية إلى حدٍ ما، ذهبت للشمال واستفردت بالحزب بعدما بدهته بحربٍ رفعت إسرائيل سقفها واختارت توقيتها وصار امتياز المفاجأة لها، ثمّ أطمعت الحزب بهدنة لتشل إرادته في الحرب وفي أثناء ذلك اخترقت الحزب اختراقًا أرعبه وأفقده الثقة بأمنه ومقدرته واغتالت قادته بعد الاختراق ودخل قرار الحزب في حيص بيص حتّى حُيّد خطره..

حتّى إذا قضت إسرائيل على أطراف المحور ذهبت إلى مركزه، وفاجأت إيران بحربٍ اختارت إسرائيل وقتها ولم تجعل لها حدودًا إلّا القضاء على النظام، وأطمعته بصفقة كي يظنّ الإيرانيّون أنّهم يصلون إلى هذه الصفقة إذا لم يصعّدوا من ردهم على ضربات إسرائيل، وهو النهج ذاته الذي استخدمته إسرائيل مع الحزب وانتهى بانتهائه، والظاهر أنّ إسرائيل استغلّت "صبر إيران الإستراتيجي" واستفادت منه بأن أوقعت إيران في: " مكر إستراتيجي" فلم تهتبل إيران فرصة الطوفان ولم تستفد من خطأ الحزب ولم تقوّي عزيمتها بعد خسارتها حليفها السوري، وظلّت إيران تنتظر أن تبدأها إسرائيل كي تُحدد بعد ذلك طبيعة ردّها، وغاب عنها أنّ الرد إذا كان من جنس الهجوم فهو دونه لأن للهجوم امتياز المفاجأة، ومع ذلك فهي حتّى الآن لم تردّ ردًا يوازي [حرب] إسرائيل عليها بل هو لا يوازي  ضربةً واحدة من ضربات إسرائيل في العام الماضي.

يقول المعلّقون على الأحداث في القنوات والصحف إن إيران تجر إسرائيل لمعركةٍ طويلة لأن إسرائيل لا تقوى على المعارك الطويلة وإنّ إسرائيل الآن تعود للحروب التي لم تمارسها منذ حربها الأخيرة مع مصر في عام ١٩٧٣ ويعنون بذلك الحرب التي تكون بين الدولة والدولة لا الحرب بين الدولة والعصابة أو الدولة والحزب أو الدولة والتنظيمات التي دون الدولة، ويقولون إنّ إطالة أمد المعركة في هذه الظروف ليس من مصلحة إسرائيل، وهذا قول كنّا نقوله ولكنّا كنّا نحدده بالحروب التي تكون على حدودها وبالحروب التي تكون شاملةً تشارك فيها أسلحة الجو والبر والبحر وبالحروب التي تتكافأ فيها القوى والأحلاف أو تتقارب. نعم إن إطالة الحرب ليست في مصلحة إسرائيل ولكن إطالتها دون خروجها عن طاقة إسرائيل وحلفائها ليس في مصلحة أعدائها. وأمّا هذه الحرب التي تُشن على إيران فلا نظنّها من قبيل الحروب التي تكون مصلحة إيران في إطالتها إذا كان كل ما لإيران هو الضرب بالصواريخ والمسيّرات التي ما زالت إسرائيل تقتنصها، لأن إطالة الحرب على هذا المنوال يعني أنّ إيران لا تملك الضربة الرادعة التي تُخيف إسرائيل وتضطرّها للهدنة، وإذا لم تملك إيران هذا النوع من الردع، فهذا يعني أنّ قدرة إسرائيل على إضعاف الضربات الإيرانية ستزيد، لأنّ إسرائيل تصد الضربات الإيرانية بالمنظومات الأمريكية وتكتشفها بالرادارات الغربية وهي تقنيات تتطور وتُحشد مع الوقت، ولكن مخزون إيران لا يتضاعف فحلفاؤها بين مشغول ومتهيّب، ولأنّ إسرائيل فيما نرى تسيطر على الأجواء الإيرانيّة ما يعني أن ضرباتها أدق وأفتك وأنّ قدرتها على تعطيل الأنظمة الصاروخية أرجح، وهو ما يعني أنّ إطالة الحرب دون تحقيق الردع يُتيح لإسرائيل تدمير المنشآت العسكرية والحيوية.. وأمرٌ آخر لا نراه من مصلحة إيران إذا طالت الحرب، وهو بنية نظام حكمها الثوري غير المستقر وطبيعة مجتمعها الفقير الذي ليس بمتجانس الأعراق وطبيعة النظام التقني للدولة وكل ذلك يجعل خطر الاختراق راجحًا ووشيكًا.. 

لا شكّ في أنّ دولة إيران أرسخ من الكيان الصهيوني المؤقت، ولا شكّ في أنّ دولة إيران أصبر على الظروف من الكيان الصهيوني، لأنّ إيران لها جذورها الراسخة في التاريخ، ولأنّ لها فضل الجغرافية الواسعة وله امتياز السكّان ولها امتياز إمداد البر على إمداد البحار، ولكنّ الشيء الذي تُعنى به إسرائيل هو النظام الثوري نظام ولاية الفقيه وهو نظام مهدد بالزوال وليس تاريخه من تاريخ إيران ولا جغرافيته من جغرافيتها وهو نظام لا يلقى القبول من شعب إيران كلّه، ففي إيران أعراق متنوعة وطوائف مختلفة فبقاء الدولة الإيرانيّة ليس مرهونًا ببقاء النظام الجعفري الثوري، وقد قلنا في مقالنا السابق إن مهمة إسرائيل لم تعد مقتصرة على استهداف المشروع النووي بل هي تتعداه لاستهداف مشروع المقاومة المتمثّل في النظام الإيراني، وهو القول الذي أكّده نتنياهو البارحة في خطابه الذي وجهه إلى الشعب الإيراني حين قال إن إسرائيل وشعب إسرائيل يقفون مع الشعب الإيراني في مواجهة النظام، وحين دعا الشعب الإيراني لاستغلال فرصة الإطاحة بالنظام الإيراني، وإسرائيل فيما نرى من تحركاتها تقدّر أن مشروع القنبلة النووية ومشروع النظام الإيراني في المنطقة شيءٌ واحد وأنّ سقوط أحدهما يكفي لسقوط الآخر، فإذا أعياها أن تقصم المشروع النووي من دون اضطلاع الولايات المتحدة في الحرب مباشرةً أو من دون استخدام سلاح نووي، فلا مناص لها من إخلال النظام وإجباره على الاستسلام، واستسلام النظام هو قبوله بشروط المنتصرين، أي هي الشروط التي وضعتها الولايات المتحدة في المحادثات النووية..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...