وضربت إسرائيلُ إيران واستهدفت منشآتها النووية وقتلت ُنخبةً من كبار قادتها منهم رئيس هيئة الأركان وقائد الحرس الثوري وقائد القوة الجويّة الفضائية للحرس الثوري وآخرون غيرهم، وعلماء نوويون كبار وما زالت الضربات لم تنقطع..
هذا هو العنوان المكتوب بالخط العريض
لهذا اليوم، وهو حدثٌ له ما وراءه كما كان هذا حدثًا لما قبله من أحداث الطوفان،
فما الخطب؟
قُلنا في آخر المقالة الماضية حين كنّا
نتحدّث عن أزمة حكومة نتنياهو التي كانت مهددة بحل الكنيست، قلنا:
"فإن ضعف إسرائيل من الداخل إذا
قابله ارتعاشٌ من أعدائها فهو لا يعني شيئًا سوى أن تُعطى إسرائيل فُرصةً لمعالجة
الضعف والانقسام، بل إنّ ارتعاش خصومها يُغريها بتصدير أزماتها وإشعال الحروب التي
توحّد بها جبهتها الداخلية وتشحن بها تضامن الشعوب التي فتر تضامنها"
وكنّا كتبنا ذلك المقال لأننا قرأنا
الواقع الإسرائيلي وفهمنا منه أنّ حكومة نتنياهو تمرُّ بأزمةٍ شديدة مُحكمة
الإطباق، وما كنّا نتحدّث عن الأزمات التي سبقتها لأننا ما كنّا نرى رأي الكتّاب
والصحفيين من أنّها أزمات مُطبقة، فقد كنّا نرى تماسك حكومة الائتلاف ونرى قدرة
نتنياهو على المراوغة والاحتيال، ونرى ظروفًا في الداخل والخارج لم تنضج بعدُ لأن
يكون حل الكنيست مُحدقًا بالحكومة، ولكننا تحدثنا عن أزمة الحكومة الأخيرة أزمة
الحريديين وأعضاء الائتلاف لأنّا رأينا اتفاق غايات أحزاب اليمين مع غايات
المعارضة وتلاقي هذه الأزمة بأزمة ضغط عائلات الأسرى وضغط الشعوب، ورأينا أنّها
أزمة مُطبقة تسدّ الأفق، غير أننا لم نعوّل عليها في أن تكون سببًا حاسمًا في
انتهاء الحرب على غزّة بل إننا ألمحنا لمهربٍ محتملٍ حين أتحنا الاحتمال لتصدير
الأزمة بافتعال الحروب.. فكان ما توقعناه وضربت إسرائيل إيران ونجا نتنياهو من حل
الكنيست، فهل أشعلت إسرائيل الحرب على إيران لأنّ نتنياهو يُريد أن ينفذ من مشاكل
الحكومة ويريد أن يضمن مصالحه الشخصية ولا غير؟
هذا كلام المحلقين في التأمّل الذين
يظنّون أنّ نهاية نتنياهو تعني نهاية إسرائيل، أو هو كلام الذين يظنون أن ضرب
المشروع النووي هو غرض نتنياهو لا غرض إسرائيل..
ولسنا نراه إلّا سببًا من جملة الأسباب،
ونرى أن السبب الحاسم هو أنّ إسرائيل رأت أنّ إيران في أضعف أحوالها، وقد استفردت
إسرائيل بحلفائها واحدًا بعد واحد، فاستفردت بغزة ثمّ بحليفها في لبنان ثمّ انهار
حليفها في سورية، ثمّ ضربت حليفها في اليمن ضربةً موجعة وأتى دور إيران وهي في
أضعف أحوالها وقد انشغلت عنها روسيا بحرب الغرب في أوكرانيا، فرأت إسرائيل أنّها
إن لم تضرب المشروع النووي الإيراني في أوضاع الضعف والانكماش فلن تقدر على ضربه
في أوضاع القوّة والتمدد، بل نرى أنّ إسرائيل رأت في هذه الحالة أنسب حالات الضعف،
وقد وصلت إسرائيل للحظة استحالة العودة، فبعد بوارق التهديد رأت أنّه لن يسع إيران
على حرج موقفها- إلّا أن تستعجل في مشروعها ما فُسح لها المجال، فالتهديد الأمريكي
والتهديد الإسرائيلي الذي لم يُجبر إيران على صفقة ترضاها إسرائيل وترضاها أمريكا
سيكون حافزًا يستحث إيران للوصول إلى السلاح النووي في أسرع الأوقات، أي إنّ
إسرائيل ترى أن السكوت عن التهديد وترك العداء خير من التهديد الذي يستمر خمسة عشر
عامًا ولا ينتهي بإنفاذه، فما دام أنّ التهديد قد حصل وأنّ الضغط المحفّز قد حصل
فإنّ أوجب واجب بعده هو أن يُمضى التهديد ويُقضى على المشروع النووي بل يُقضى على
الخطر الإيراني..
هذه ما نعتقد أنّه السبب الحاسم فما
الذي حيّرنا في هذه الضربة؟
الذي حيّرنا هو انكشاف إيران! والذي
حيّرنا سقوط قادتها واحدًا بعد واحد كما سقط قادة حزب الله! ولسنا نعجب من عمل
الاستخبارات ولا من توفّر المعلومة ولا من دقّة التصويب ولكننا نعجب أن يرقد
القادة في منازلهم بين الناس والبلاد مُشرفة على حرب! فقد انتهت مهلة الستين يومًا
التي وقّتها ترمب، وقُصفت إيران في فجر اليوم الأول بعد الستين! ونعجب من قلّة
التأهب وضعف الاستجابة بعد يومٍ واحد من تقرير مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة
الذريّة الذي قضى بأنّ إيران انتهكت معاهدة الانتشار النووي، ونعجب كذلك من ضعف
التحضير ومن فشل الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي بعد أن تنامت إلى إيران معلومات من
دولة صديقة -كما زعمت- باقتراب الضربة الإسرائيلة، وبعد أن رأت إيران سحب أمريكا
للرعايا والسفراء في المنطقة! وأكبر الظنّ أنّ إيران ظنّت أن كل ذلك ما هو إلّا محاولة للضغط عليها قبل عقد المفاوضات مع ويتكوف يوم الأحد القادم، وليس هذا الظنّ
مما يعفي الدول المنظّمة من الأهبة والاحتراس ولكنه قد يكون الظنّ الذي يقوّيه
الخوف أو يقوّيه العجز، ومن المعلوم أن إيران منكشفة لإسرائيل منذ زمن ومن المعلوم
كذلك أنّ منظومات الدفاع الجوي الإيراني لم تكن قادرة على تأمين الأجواء من اختراق
إسرائيل بضرباتها في العام الماضي، ومع كل هذا لم نرَ من النظام الإيراني حلًا لهذا
الانكشاف..
***
إذًا هذا باعثُ الضربة الإسرائيلية فيما
نرى وهذا الذي جعلنا نتعجب من شأن إيران، فما الذي نتوقعه؟
ما زلنا ننتظر ردّ إيران وهو الذي يُخبرنا
في أي المسارات اختارت أن تسير، غير أننا نتوقّع أن تمضي إسرائيل في ضرباتها حتّى
تُضعف النظام الإيراني مركز محور المقاومة ولم تعد إسرائيل تطلب من إيران توقيع
اتفاق يسلبها قوتها النووية، بل هي تريد إضعاف إرادتها، بل إننا نرى أنّ إسرائيل
قد قطعت على نفسها الرجوع وأعدّت نفسها لحربٍ لا لعمليات كما كانت تفعل، وأنّها
حرب قد تطول، وهذه الخطة التي بدهت بها إسرائيل إيران، هي خطة رئيس أركانها الجديد
إيال زامير وهي خطة منشورة بكُتيب في عام 2022 بعنوان: "مواجهة الاستراتيجية الإقليمية
الإيرانية" وهي خطة تقضي بتصفية قادة الحرس الثوري داخل إيران وخارجها لأنها ترى
في الحرس الثوري: قطبَ النظام الإيراني، الذي يضعف بإضعاف قطبه.. وإسرائيل ماضية
حتّى تجد من المفجآت ما يردعها، وليست هجمات "الوعد الصادق" الأول
والثاني مما يردع إسرائيل ولو اجتمع في رد إيران القادم ما ردّت به في الوعدين..
فلن ترتدع إسرائيل حتى ترى الرعد الصادق لا الوعد الصادق وإلّا فهي ماضية في
غايتها المنشودة، وهي تنتهج ما انتهجته مع حزب الله، فإذا استقبل النظام الإيراني
الحرب كما استقبلها الحزب -وهذا ما نراه حتّى الآن- فإنّه لاقٍ من المصير ما لاقاه
الحزب، ونحنُ نقصد النظام لا الدولة، وعلى كل حال فالحرب تتوسع والسلام فائتٌ ما
بقيت إسرائيل، والإقليم مُقبلٌ على المجهول وربما كان من ملامح هذا المجهول بعد
توسّع الحرب أن تضرب إيران حقول الطاقة التي ترى فيها: مصالحَ أمريكا في الخليج،
وربما تكون ضربتها على النكاية وربما تكون بعد أن تهادن أمريكا على ضربةٍ تحفظ بها
كرامتها فتغضي عنها أمريكا في سبيل حماية مصلحتها الكبرى مصلحة بقاء المشروع
الصهيوني، كل ذلك تُخبّئه الأيام المُقبلة وتقرّبه لنا إيران في ردّها، لكن الذي
نفيده من الضربة الإسرائيلية التي ليس لها حدود، هو أنّ إسرائيل ماضيةٌ في
عربدتها، وأنّها غيّرت من سياسة أمنها القومي، وصار تعريف الخطر عندها هو ما تتوقع
أن يُهددها لا ما يُهددها على الحقيقة، وهذه ذريعة واسعة..
تعليقات
إرسال تعليق