التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسرائيل - أزمة الحكومة

 


حديث الصحف والقنوات الإسرائيلية هذه الأيام يدور جله عن أزمة الحكومة الإسرئيلية في قضية التنجيد، والحاصل من حديث الساحة هو أنّها تقول: "إن على نتنياهو أن يُقنع رئيس لجنة السياسة الخارجية والأمن بأن يُمرر قرار وقف تجنيد الحريديين"

 فإذا نجح تتنياهو في إقناع رئيس اللجنة -وهو مستبعد- فإن هذا سيجلب عليه غضب الجيش وبوجهٍ خاص جيش الاحتياط لأن هؤلاء وبقية المجتمع الإسرائيلي ينقمون على الحكومة إعفاء الحريديين من الضرائب والالتزامات وقد بلغت نقمتهم غايتها حين رأوا أن الحكومة لا تساوي بين حياة الحريديين وحياة باقي الشعب الذي تُفرض عليه الخدمة العسكرية، مع أنّ الحريديين يزيدون عن المليون ويمثّلون أكثر من ١٣٪ من مجمل السكان وتجنيدهم لازم في ظروف الحرب ولازمٌ من أجل تحقيق خطة الجنرالات..

وإذا ما فشل نتنياهو في إقناع رئيس اللجنة وهو المرجّح كما تقول صحافة العدو فهذا يعني: مشاركة الحريديين في الجيش، وهو ما يرى فيه الحريديّون: انقسام المجتمع الحريدي واندماجه في المجتمع الإسرائيلي وشق نظام تعليمه وثقافته ونمط نقائه وعزلته.. وهذا ما يأباه الحريديون كل الإباء، وهو ما سيجلب على نتنياهو نقمة الحريديين وأحزاب الصهيونية الدينية التي شكّل بها حكومة الائتلاف بعد أن أعياه أن يشكّل حكومةً من دونها، وهذا -أعني الغضب- هو لأن الصهيونية الدينية ترى أنّ نتنياهو يماطل في تمرير القرار الذي كان المفترض به أن يُمرر في شهر يوليو 2023 (أي قبل الحرب على غزة بثلاثة أشهر) فإذا فشل نتنياهو فإنّ مراجع الأحزاب الدينية ستطلب من أعضائها تقديم قانون في الأسبوع القادم لحل الكنيست أو أنّ الأحزاب الدينية ستنسحب من الحكومة وكلا الأمرين يُحيلان حكومة الائتلاف إلى حكومة انتقالية حتّى تُقام الانتخابات في نوفمبر القادم.

وقد جاء في صحيفة يدعوت أحرنوت أنّ المرجعية الدينية لحزب "يهودوت هتوراه" الإشكنازي دعت ممثليها في الكنيست لاتخاذ قرار بالمضي لإجراء انتخابات، وهو ما يلتقي بقرار كتلة "شاس" السفاردية بحل الكنيست، وما يلتقي كذلك برغبة يائير لابيد زعيم المعارضة الذي يقول إنه سيطرح مشروع حل الكنيست في الأسبوع المقبل..

وفي ذلك تقول القناة-12 الإسرائيلية إنّ حزب الليكود لن يكسب الانتخابات إن أُقيمت اليوم.

والذي أراه أن نتنياهو رجل محتال متمرّس على أزمات السياسة وقد نجا من مطالبات المحاكم وقلّص من نفوذها، وقد أقام حكومة ائتلاف، ثم أقال غالانت وزير دفاعه أثناء الحرب ثم نجا من انسحاب بن غفير من حكومته بعد الهدنة الماضية ووازن بينه وبين زعيم الصهيونية الدينية،  ثمّ أقال رئيس "الشاباك" وفي مقدوره كذلك أن يقيل رئيس لجنة السياسة الخارجية والأمن، ولكن ما الذي تعنيه نجاة نتنياهو؟ وأين هي نجاته؟ أهي في إرضاء الحريديين أم في إرضاء الجيش؟

هذا تناقض إسرائيل الفج..

 إن إرضاء الحريديين يعني أنّ المجتمع الإسرائيلي يجنح للصهينة الدينية جنوحًا سريعًا، وصعود التصهين الديني هو نقض للمنطق الذي قامت عليه دولة إسرائيل، فهي قامت على نوع من الصهينة العلمانية وبهذه العلمانية استدرّت عطف دول العالم العلماني، وبهذه العلمنة كانت تحاول أن تقنع العالم بأنّها دولةٌ ديموقراطية.  إن صعود الصهينة الدينية يعني انقسام المجتمع الإسرائيلي انقسامًا لم تعرفه إسرائيل منذ قامت، وهو ما أشار إليه إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل السابق في مقالة بعنوان: "طفح الكيل- إسرائيل ترتكب جرائم حرب" نشره في صحيفة هارتس بتاريخ: (27 مايو، 2025) حين قال في جُمل متفرقة: "إن حكومة نتنياهو هي عدو إسرائيل من الداخل، وهي تُحدث ضررًا لإسرائيل لم يُحدثه أي عدو خارجي طيلة 77 سنة من تاريخ إسرائيل، ولم يدمّر أحد سواها التضامن الاجتماعي الذي كان مصدر قوة المجتمع الإسرائيلي منذ قيام إسرائيل" وصعود الحريديين في ذاته تناقضٌ من تناقضات إسرائيل التي تُشفي بها إلى الهلاك وحسبك من التناقض أنّ هذه الجماعة تريد خدمة إسرائيل بالامتناع عن خدمتها! وتريد الدفاع عن إسرائيل دون أن تدافع عنها! وهذا بعض ما تحدثنا عنه من التناقض في كتاب "الحقيقة والطوفان" وإذا ما أُرضي الجيش على حساب الحريديين فإن الحكومة مهددة بالسقوط، وإذا ما ماطل نتنياهو فإنّ في مماطلته هروبًا لا حلًا، وما زالت حكومات إسرائيل المتتابعة منذ عام 2013 تفشل في حل هذه المشكلة. 

أمّا الحرب على غزّة فلسنا نظنّها مرهونة كل الارتهان بقرار حل الكنيست أو بقائه وإن كان انقسام الساسة الإسرائيليين هو من بعض ما يؤثّر في قرار الحرب، ولكنها ترتهن بصمود الشعب الفلسطيني وتتأثر بضغط شعوب العالم وحكوماته، والعالم اليوم يراقب إسرائيل، والعالم اليوم لا يقبل دعاية إسرائيل على النحو الذي به كان يقبلها من قبل، وسواءٌ أصعد الحريديون أم هبطوا فإن وعي شعوب العالم يتغيّر في غير صالح إسرائيل، ويجب على الصادقين أن يتحدوا في مقاومة الكيان لا أن ينتظروا تقوّضه، فإن ضعف إسرائيل من الداخل إذا قابله ارتعاشٌ من أعدائها فهو لا يعني شيئًا سوى أن تُعطى إسرائيل فُرصةً لمعالجة الضعف والانقسام، بل إنّ ارتعاش خصومها يُغريها بتصدير أزماتها وإشعال الحروب التي توحّد بها جبهتها الداخلية وتشحن بها تضامن الشعوب التي فتر تضامنها، فهي إذا فُرصة أعداء إسرائيل وهي فُرصة لا تُستغل إلّا  بالتوحد والالتئام وبإظهار ما يدل على القوّة والتنسيق، وإذا لم يتحد الفلسطينيّون في هذه الظروف فما هو الظرف الذي سيوحّدهم؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...