التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ثلاثة كُتب في بؤس العالم الحيران..





كثيرًا ما وقفتُ بين كتابٍ وكتاب، أتأمل في سؤالٍ لا يشيخ مع الأزمنة ولا يهرم مع الحضارات، وهو سؤال الإنسان عن معنى حياته وغاية وجوده. وكلما ازددتُ قراءةً في فلسفات الأمم وحكمة المتقدمين، ازددتُ يقينًا بأن هذا السؤال هو محور كل تفكيرٍ جادّ، وأن الحضارات التي نقيس تقدّمها بمقدار ما تبلغه من العلم والصناعة، إنما تستحق هذا الحكم حقًا إذا أحسنت الجواب عن هذا السؤال..

وقد لاحظتُ، وأنا أتأمل أحوال هذا العصر الذي نحياه، مفارقةً تستوقف كل ناظرٍ متأمل وهي أن الإنسان الحديث قد اتسعت قدرته حتى ملك من أدوات السيطرة على الطبيعة ما لم يحلم به أجداده، وضاق في الوقت نفسه صدره حتى عجز عن الجواب عن أيسر الأسئلة التي كانت تشغل الراعي في باديته والفلاح في حقله..

ولست أحسب هذه الحيرة طارئةً على الإنسان أو مولودةً في عصرنا وحده، فقد عرفها اليونان في فلسفتهم حين سألوا عن الخير الأقصى، وعرفها أهل الهند في تأمّلهم حين سألوا عن الخلاص من الآلام، وإنما الجديد في عصرنا هذا أن وسائل الإلهاء قد كثُرت حتى صار الإنسان يفرّ من السؤال بالانشغال عنه، فيشغل نفسه بالعمل عن غاية العمل، وبالكسب عن الحكمة من الكسب.. 

ومن هذا الباب أجتمع بالقارئ على كتب ثلاثة،جاء بها أصحابها من ثقافاتٍ متفرّقة ومشاربٍ متباعدة، فأحدها لكاتب عربيٍّ معاصر يرصد قلق السؤال في العصر الحديث، والثاني لمفكرٍ فرنسيٍّ نقد حضارة قومه نقدًا عنيفًا حتى انتهى به النقد إلى اعتناق الإسلام، والثالث لطبيبٍ نفسانيٍّ نمساويٍّ خرج من جحيم المعسكرات النازية ليكتب بحكمة الناجي عن سؤال المعنى. وعلى تباعد مناهج هؤلاء الثلاثة بين الفلسفة الدينية والنقد الحضاري وعلم النفس، فقد رأيتهم يلتقون عند حقيقةٍ واحدة، هي أن الإنسان حين يفقد غايته، يفقد معها قدرته على احتمال الشقاء، وحين يجدها، يهون عليه أن يحتمل في سبيلها كل شقاء..

فإلى القارئ هذه الكتب الثلاثة، عسى أن يجد في صحبتها ما وجدتُه فيها من تذكيرٍ بأن السؤال عن معنى الحياة أصل الأسئلة كلها، يتفرّع منه سؤال الدين والفلسفة والأخلاق جميعًا، وحقيقٌ بكل عاقلٍ أن يُقيم له في نفسه وزنًا قبل أن تنقضي حياته بلا سؤال ولا جواب.. 

ونحنُ هنا نستعرض هذه الكتب الثلاثة ولا نتغيّا الدلوف إلى الإجابة عن هذا السؤال، فحسبنا أن نطلع القارئ على جوّها.. 

1- «معنى الحياة في العالم الحديث» لعبدالله الوهيبي

‏هو كتابٌ من الكتب التي لا تُقرأ على عجل، ولا يجوز أن يُطوى غلافه إلا وقد ترك في النفس أثرًا، وفي العقل أثرين. 

‏وهو كتاب لا تتطلب منه الأجوبة الجاهزة، فهو أشبه بمرآة تُرغم القارئ أن يرى فيها نفسه والعالم من حوله وقد تجرّد من أوهامه وأقنعته.

‏يخوض الوهيبي في هذا الموضوع لا كما يخوض الواعظ في خطبته، ولا كما يخوض الفيلسوف في جدله المجرّد، بل يمضي كما يمضي الباحث الذي شغلته أسئلة الوجود قبل أن تشغله قضاياه البحثية. وهذا ما يجعل الكتاب، يأخذ القارئ من يده في ممرّات الفلسفة والفكر، دون أن يضيعه بين التعقيد المصطنع والعبارات المجرّدة.

‏والوهيبي يصطنع أساليب الكتابة الحديثة التي يتقنها حُذّاق الكتاب الغربيين في مباحثهم الحديثة، فهو يُكثر الاقتباس والاستشهاد ويحاول أن يؤلّف جسمًا من أعضاء مختلفة وكتابًا من نصوصٍ مقتبسة، وهو يوجّه النصوص توجيه الباحث الذي لا يُسلّم للثقافة السائدة بدعواها أنها منحت الإنسان المعنى الذي يبحث عنه. إذ هو على العكس، يُمعن في الكشف عن فراغ هذا العالم، وعن ضجيج الحضارة المادية التي رفعت الإنسان إلى عرش التقنية وأسقطت روحه في هاوية العبث. 

‏ويتنقل الكتاب بين محاور الفكر الديني والفكر الفلسفي والفكر الاجتماعي، ويربط بين أزمة المعنى في الحضارة الغربية الحديثة وبين القلق الذي يسكن الفرد المعاصر، حتى وإن كان مغمورًا بوسائل الراحة والترف. 

‏وعلى طول الكتاب، يبقى الوهيبي محترزًا من أن يفرض جوابًا صريحًا، فيضل يشير إلى الطرق، ويترك القارئ ليتقصّى المعنى في ضوء العقل والإيمان والإنسانية المشتركة.


‏2- «أزمة العالم الحديث» لرينيه جينون

‏في كتاب رينيه جينون “أزمة العالم الحديث” – بترجمته المستحسنة التي أنجزها أسامة شفيع – تنبيه غليظ يوقظ القارئ على حقيقة الحضارة التي تبهره بأضوائها وتستنزفه بظلامها.

‏الكاتب الفرنسي رينيه جينون الذي تسمّى بعد إسلامه: عبدالواحد يحيى_ يكتب عن العالم الحديث كما يكتب الطبيب عن جسدٍ أصابه المرض فاستشرى فيه، لا كما يكتب المُعجب المنبهر عن منجزات التقنية والعلوم.. 

‏يرى جينون أن ما نسمّيه “التقدم” ليس إلا هروبًا إلى الأمام، وأن المدنيّة الحديثة على صخبها ودعايتها، قد فقدت البوصلة التي تهدي الإنسان إلى الحقيقة والمعنى. فالحضارة المادية، كما يصورها جينون، فصلت المعرفة عن الحكمة، وصنعت عالمًا قائمًا على الكمّ بلا كيف، وعلى الحركة بلا غاية.

‏لكن الكتاب وهو يتقحم على الفلسفة بعض شؤونها ليس هو مع ذلك خطابًا فلسفيًا متعاليًا. فأسلوب جينون، -وقد نقله أسامة شفيع إلى العربية صافيًا صادقًا_ فيه حرارة اللهجة التي تناجي القارئ في أزمة الوجود، كأن الكاتب يهيب بالقارئ أن: انظر حولك، أترى كثرة الوسائل ونقص الغايات؟ ألستَ ترى أن الإنسان الحديث قد امتلك العالم وفقد نفسه؟ ألستَ تراه يملك سُبُل الراحة لكنه لا يملك راحة البال؟ وأنّه يتوفّر على الترف لكنّه يفتقر إلى الهناء؟

‏ينتقد جينون المادية التي جعلت العقل أداةً لقياس ما يُرى ويُلمس فحسب، فقتلَت بذلك البصيرة، وأبعدت الإنسان عن ما وراء الحس والعيان وعن تلك الحقيقة التي تعطي للحياة فلكًا وغاية. 

‏ويبيّن الكاتب في حديثه عن الدين، والفكر، والعلم، والاقتصاد، والسياسة، أن الأزمة ليست في الفقر أو المرض أو التخلف، فالأزمة كل الأزمة في ضياع المعنى، وفي أن العالم الحديث يعيش كما لو أن الغاية الكبرى للحياة هي الإنتاج والاستهلاك، بلا سؤالٍ عن الحق أو الخير أو الجمال.

‏هذا الكتاب، في جوهره: نقد للحضارة الحديثة في الجذور، وهو نقدٌ لا ينزع إلى حنين الماضي ولا يُدفع برهبة المجهول، بل هو نقدٌ يبعثه إدراك صحيح يقول إن الإنسان بلا مرجع روحي يُصبح آلةً بين الآلات العجماء. 

‏والكتاب أشبه بصرخة العقل والروح معًا، وهي صرخة تذكّرنا بأن التقدم ليس فضيلةً إذا كان طريقه يؤدي إلى هاوية الفراغ الوجودي.


‏3- «الإنسان يبحث عن معنى» لفِكتور فرانكل

‏وفكتور فرانكل، طبيب نفساني نمساوي نجا من جحيم المعسكرات النازية وكتب الكتاب بوحيٍ منها، وهو لا يكتب هذا الكتاب ليقصّ علينا مذكراته، فهو يروم من وراء ذلك أن يضع التجربة الإنسانية في أقسى صورها تحت مجهر الفكر والوجدان. لقد أراد أن يقول: إن الإنسان روحٌ لها معنى ليس جسدًا تُحركه الشهوات أو الظروف، وهو عقلٌ قادر على أن يختار موقفه حتى حين تُسلب منه كل حرية.

‏ويحاول فرانكل في كتاباته، أن يقترب من القارئ بصدق التجربة، فلا يُلقي عليه المحاضرات الجافة، وإنما يحدثه حديث الصديق عن أسرار الحياة والموت. يروي فرانكل كيف رأى في معسكر الاعتقال أناسًا يسقطون موتى ولم يكونوا مع ذلك أكثر من عانى قسوة الإيذاء والتعذيب، ولكن لأنهم ‏ فقدوا المعنى الذي يعيشون من أجله. ثمّ هو يروي على النقيض من ذلك كيف بقي آخرون رغم الجوع والبرد والإهانة، لأن في قلوبهم ومضًا من الأمل، أو فكرةً عن الحب، أو إيمانًا برسالة لم يتموها بعد.

‏يُقسم فرانكل الكتاب قسمين: الأول جعله سردًا لتجربة المعسكرات النازية، حيث يُشاهِد القارئ أدنى درجات الانحطاط الإنساني، وأسمى لحظات السموّ الروحي. أما القسم الثاني فقد كان تأسيسًا لعلمه النفسي الذي أسماه العلاج بالمعنى (Logotherapy)، وهو يقوم على فكرة أن الإنسان يستطيع أن يتحمل كل شيء إذا وجد له معنى، وأن أسوأ العذاب يَهزِم بالقوة المعنوية لا بالقوة الجسدية.

‏إن هذا الكتاب يوقظ في النفس سؤالاً لا يتركها بعد قراءته هو: ما معنى حياتي؟ 

‏وقد يكون هذا السؤال أشد الأسئلة إلحاحًا في الحياة الحديثة.. يذكّرنا فرانكل، بأن الحرية الحقيقية ليست حرية الجسد المبذولة التي لا تحرر الإنسان من أغلاله الدفينة، فالحرية الحقة هي حرية الروح في أن تقول “نعم” للحياة، حتى وهي تُسحق تحت أثقال الألم.. ويذكّرنا، بأن الحياة بلا معنى هي موتٌ بطيء، وأن معنى الحياة ليس يُعطى جاهزًا، بل يُنتزع انتزاعًا من التجربة والمحنة والاختيار..


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...