1- »معنى الحياة في العالم الحديث» لعبدالله الوهيبي
هذا كتابٌ من الكتب التي لا تُقرأ على عجل، ولا يجوز أن يُطوى غلافه إلا وقد ترك في النفس أثرًا، وفي العقل أثرين.
كتاب “معنى الحياة في العالم الحديث” لعبدالله الوهيبي لا تتطلب منه الأجوبة الجاهزة، فهو أشبه بمرآة تُرغم القارئ أن يرى فيها نفسه والعالم من حوله وقد تجرّد من أوهامه وأقنعته.
الوهيبي يخوض في هذا الموضوع لا كما يخوض الواعظ في خطبته، ولا كما يخوض الفيلسوف في جدله المجرّد، بل يمضي كما يمضي الباحث الذي شغلته أسئلة الوجود قبل أن تشغله قضاياه البحثية. وهذا ما يجعل الكتاب، يأخذ القارئ من يده في ممرّات الفلسفة والفكر، دون أن يضيعه بين التعقيد المصطنع والعبارات المجرّدة.
والوهيبي يصطنع أساليب الكتابة الحديثة التي يتقنها حُذّاق الكتاب الغربيين في مباحثهم الحديثة، فهو يُكثر الاقتباس والاستشهاد ويحاول أن يؤلّف جسمًا من أعضاء مختلفة وكتابًا من نصوصٍ مقتبسة، وهو يوجّه النصوص توجيه الباحث الذي لا يُسلّم للثقافة السائدة بدعواها أنها منحت الإنسان المعنى الذي يبحث عنه. إذ هو على العكس، يُمعن في الكشف عن فراغ هذا العالم، وعن ضجيج الحضارة المادية التي رفعت الإنسان إلى عرش التقنية وأسقطت روحه في هاوية العبث.
ويتنقل الكتاب بين محاور الفكر الديني والفكر الفلسفي والفكر الاجتماعي، ويربط بين أزمة المعنى في الحضارة الغربية الحديثة وبين القلق الذي يسكن الفرد المعاصر، حتى وإن كان مغمورًا بوسائل الراحة والترف.
وعلى طول الكتاب، يبقى الوهيبي محترزًا من أن يفرض جوابًا صريحًا، فيضل يشير إلى الطرق، ويترك القارئ ليتقصّى المعنى في ضوء العقل والإيمان والإنسانية المشتركة.
2- «أزمة العالم الحديث» لرينيه جينون
في كتاب رينيه جينون “أزمة العالم الحديث” – بترجمته المستحسنة التي أنجزها أسامة شفيع – تنبيه غليظ يوقظ القارئ على حقيقة الحضارة التي تبهره بأضوائها وتستنزفه بظلامها.
الكاتب الفرنسي رينيه جينون الذي تسمّي بعد إسلامه: عبدالواحد يحيى_ يكتب عن العالم الحديث كما يكتب الطبيب عن جسدٍ أصابه المرض فاستشرى فيه، لا كما يكتب المُعجب المنبهر عن منجزات التقنية والعلوم..
يرى جينون أن ما نسمّيه “التقدم” ليس إلا هروبًا إلى الأمام، وأن المدنيّة الحديثة، رغم صخبها ودعايتها، قد فقدت البوصلة التي تهدي الإنسان إلى الحقيقة والمعنى. فالحضارة المادية، كما يصورها جينون، فصلت المعرفة عن الحكمة، وصنعت عالمًا قائمًا على الكمّ بلا كيف، وعلى الحركة بلا غاية.
لكن الكتاب وهو يتقحم على الفلسفة بعض شؤونها ليس هو مع ذلك خطابًا فلسفيًا متعاليًا. فأسلوب جينون، -وقد نقله أسامة شفيع إلى العربية صافيًا صادقًا_ فيه حرارة اللهجة التي تناجي القارئ في أزمة الوجود، كأن الكاتب يهيب بالقارئ أن: انظر حولك، أترى كثرة الوسائل ونقص الغايات؟ ألستَ ترى أن الإنسان الحديث قد امتلك العالم وفقد نفسه؟ ألستَ تراه يملك سُبُل الراحة لكنه لا يملك راحة البال؟ وأنّه يتوفّر على الترف لكنّه يفتقر إلى الهناء؟
ينتقد جينون المادية التي جعلت العقل أداةً لقياس ما يُرى ويُلمس فحسب، فقتلَت بذلك البصيرة، وأبعدت الإنسان عن ما وراء الحس والعيان وعن تلك الحقيقة التي تعطي للحياة فلكًا وغاية.
ويبيّن الكاتب في حديثه عن الدين، والفكر، والعلم، والاقتصاد، والسياسة، أن الأزمة ليست في الفقر أو المرض أو التخلف، فالأزمة كل الأزمة في ضياع المعنى، وفي أن العالم الحديث يعيش كما لو أن الغاية الكبرى للحياة هي الإنتاج والاستهلاك، بلا سؤالٍ عن الحق أو الخير أو الجمال.
هذا الكتاب، في جوهره: نقد للحضارة الحديثة في الجذور، وهو نقدٌ لا ينزع إلى حنين الماضي ولا يُدفع برهبة المجهول، بل هو نقدٌ يبعثه إدراك صحيح يقول إن الإنسان بلا مرجع روحي يُصبح آلةً بين الآلات العجماء.
والكتاب أشبه بصرخة العقل والروح معًا، وهي صرخة تذكّرنا بأن التقدم ليس فضيلةً إذا كان طريقه يؤدي إلى هاوية الفراغ الوجودي.
3- «الإنسان يبحث عن معنى» لفِكتور فرانكل
وفكتور فرانكل، طبيب نفساني نمساوي نجا من جحيم المعسكرات النازية وكتب الكتاب بوحيٍ منها، وهو لا يكتب هذا الكتاب ليقصّ علينا مذكراته وكفى، فهو يروم من وراء ذلك أن يضع التجربة الإنسانية في أقسى صورها تحت مجهر الفكر والوجدان. لقد أراد أن يقول: إن الإنسان روحٌ لها معنى ليس جسدًا تُحركه الشهوات أو الظروف، وهو عقلٌ قادر على أن يختار موقفه حتى حين تُسلب منه كل حرية أخرى.
ويحاول فرانكل في كتاباته، أن يقترب من القارئ بصدق التجربة، فلا يُلقي عليه المحاضرات الجافة، وإنما يحدثه حديث الصديق عن أسرار الحياة والموت. يروي فرانكل كيف رأى في معسكر الاعتقال أناسًا يسقطون موتى ولم يكونوا مع ذلك أكثر من عانى قسوة الإيذاء والتعذيب ولكن لأنهم فقدوا المعنى الذي يعيشون من أجله. ثمّ هو يروي على النقيض من ذلك كيف بقي آخرون رغم الجوع والبرد والإهانة، لأن في قلوبهم ومضًا من الأمل، أو فكرةً عن الحب، أو إيمانًا برسالة لم يتموها بعد.
يُقسم فرانكل الكتاب قسمين: الأول جعله سردًا لتجربة المعسكرات النازية، حيث يُشاهِد القارئ أدنى درجات الانحطاط الإنساني، وأسمى لحظات السموّ الروحي. أما القسم الثاني فهو تأسيس لعلمه النفسي الذي أسماه العلاج بالمعنى (Logotherapy)، وهو يقوم على فكرة أن الإنسان يستطيع أن يتحمل كل شيء إذا وجد له معنى، وأن أسوأ العذاب يَهزِم بالقوة المعنوية لا بالقوة الجسدية.
إن هذا الكتاب يوقظ في النفس سؤالاً لا يتركها بعد قراءته هو: ما معنى حياتي؟
وقد يكون هذا السؤال أشد الأسئلة إلحاحًا في الحياة الحديثة.. يذكّرنا فرانكل، بأن الحرية الحقيقية ليست حرية الجسد المبذولة التي لا تحرر الإنسان من أغلاله الدفينة، فالحرية الحقة هي حرية الروح في أن تقول “نعم” للحياة، حتى وهي تُسحق تحت أثقال الألم.. ويذكّرنا، بأن الحياة بلا معنى هي موتٌ بطيء، وأن معنى الحياة ليس يُعطى جاهزًا، بل يُنتزع انتزاعًا من التجربة والمحنة والاختيار..
تعليقات
إرسال تعليق