التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"شلون" غزة

 


‏في المقهى على ميعاد..

وجدتُه حيثُ تركته وقد انتبذ ركنًا في البهو واستند إلى أحد جدرانه، وأقام بينه وبين العالم حُجبًا من دُخان.. سلّمتُ ودخلتُ ووضعت كتبي إلى جوار كتبه.. فلمّا أن انسحب معمار الدخان الذي أقامه بالسيجار، أتاني محييًا: "شلون غزة" وهو يعني "كيف حالك؟" وهي تحيّته  لي مُذ أن قصصتُ عليه خبر تحيّة صديقي العراقي الذي كان كلما لقيني قال: "شلون العراق؟" فلمّا سألته عن ذلك -أعني العراقي- قال، إنّي أشتاق لوطني وأعلمُ أنك ستقول: بخير فأستبشر بالخير للعراق.. فاستحسنَ صاحبي الكئيب حيلة صديقي العراقي واتخذها مذ ذلك تحيةً وسلاما.. 

‏أجبته حين قال شلون غزّة فقلتُ لونها النور فما لون النور؟ 


‏قال لا لون له، وغزّة مسقط النور حيثُ يُمتص النور فلا تُضيء من دونها ناحية.. 


‏قال فما هي أحوالها.. 

قلتُ: صدّق "الكَبينت" على اعتزام نتنياهو احتلالها فماذا تقول؟

قال: نعم.. لعنه الله ماذا يعني بالاحتلال؟ لقد اجتاح هذا المحتل كل أراضي القطاع، ولم يبقَ سوى دير البلح ومخيمات الوسط والمواصي ومع ذلك فقد قصفها بالطائرات والمدافع والراجمات فماذا يعني بالاحتلال؟ أيودُّ المقام! لن يُقيم.. 


‏تعجبتُ من تفاؤله هذه المرة وهو الذي كان يغمز تفاؤلي حينُ كنتُ أنشر الفصول بانتظام، فقلتُ أوَ تتفاءل؟ 

‏قال -وقد أدرك ملحظي-: لا! معاذ الله من فألٍ يشل الإرادة! 

‏ولكنّي أقول لن يُقيم ليس لأنّ العرب يرفضون وينددون ويشجبون وليس لأن قوانين الأمم المتحدة ترفض الاحتلال ولا لأن مجلس الأمن سيضطلع بأعبائه ولكن لأنّ الجيش جيش الاحتلال لا يُريد وليست مصلحة الاحتلال في البقاء.. قلتُ في ضحكةٍ ساخرة: هو تفاؤلٌ على كل حال.. 

‏تنهّد وقال نعم إذا كنّا نتفاؤل بالخِذلان.. 

‏قلتُ: كيف تجد سورية؟ 

قال: لن تهدد الاحتلال في المدى المنظور..

‏قلتُ: ولبنان؟ 

قال: بلا جنوب

‏قلتُ: والعراق؟ 

قال: كان عراقًا

‏قلتُ: ومصر؟ 

قال: كانت مصرَ وكانت مصرًا. 

‏فرأيته يُرتّب نفسه ويطويها على "أنّةٍ" غلّابه ثمّ رأيته يغالب دمعةً فضّاحة_ويجففها بكثرة الرمش والالتفات، فتشاغلتُ بأوراقي التي بين يدي حتى تسكنُ نفسه، فجعل يُكمل حديثه مطمئنًا إلى أنّي لا أنظر إليه.. 


‏ثم قال: ناشدتُك الله يا عبدالله، ألم أكن ألومك على تفاؤلك؟ إنّي اليوم أحوج إلى التعلّق بأي سراب، وقد كنتُ أراجعك كثيرًا فيما تقول واليوم أعدكُ ألّا أراجعك في شيء فلِمَ تركت الكتابة؟ لقد صدقتُ في تشاؤمي يا عبدالله أصحيح؟ لقد أطلتُ عليك اللجاجة والله يعلم أنّه كان أحب إلي أن يُصيب قولك ويضل قولي.. لكن قل لي هل سكتَّ لأنك صدّقتني؟ أرجو ألّا تصدقني يومًا، فما حاججتُ أحدًا إلّا صار إلى قولي إلّا إياك فأنا أشهد أنك تنقض الحجة بالحجة وأنك حديد المنطق، ولكن قل أرأيت كيف كانت إسرائيل يوم السابع وهي أوهى من كل شيء وكيف صارت اليوم ونحنُ نتحسسها بين الجدران والأقبية؟ دعك من هذا.. كنتَ في بعض ما تكتب تحذّرنا من دخولنا في عصر تسميه "العصر الإسرائيلي"، وأنا الآن أسألك بصدقك: هل دخلنا؟ 


‏نظرت ولم أجب، فهل شدا صوتٌ؟ 


‏"ويشدُّ يشدُّ بي البعدُ 

‏أنا في أفيائك نسرينُ

‏أنا زهر الشوكِ 

‏أنا الوردُ"


‏وهل صدح بعدُ:


‏"الغضب الساطع آتٍ

‏وأنا كلي إيمان

‏الغضب الساطع آتٍ

‏سأمر على الأحزان"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...