التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى الإسلام



 ‏«الرحلة إلى الإسلام» 

‏كتاب لـ مراد ويلفريد هوفمان

‏مراد ويلفريد هوفمان دبلوماسي ألماني، صاغته جامعات أوروبا ومؤسساتها، واختبرته مواقع القرار حيث تُصنع الشعارات وتُختبر الحقائق. وهذه منزلةٌ قلّما يتأتى لصاحبها أن يُراجع معهوده من الموروث ومدروسه من المناهج؛ لأن العادة في مثل هؤلاء أن يحموا ما ألفوه وأن يدعو لما ربوا عليه دون سبر ولا تفتيش. أما هوفمان فقد شكّ واختبر فاستدعى العقل ليحاكم المألوف، واستدعى التجربة ليكشف بها زيف الشعارات. ومن ثمّ كانت قيمة الكتاب؛ فهو كتابٌ لا يجيء من الهامش كما يراه الأوربيّون، بل يجيء من قلب تلك الحضارة التي تُعلن وصايتها على الإنسان الحديث.

‏وكتاب هوفمان عند التصنيف المكتبي كتابٌ في السيرة واليوميات ولكنّي لو أردت تعريفه بكلمة تجمع أطرافه لقلتُ: إنه كتابٌ في العقل المُهتدي قبل أن يكون كتابًا في السيرة والمسيرة، فـ«الرحلة إلى الإسلام» لمراد ويلفريد هوفمان ليست من حكايا العابرين الذين أغراهم الشرق واستهوتهم الصحراء، فهو بيان رجلٍ عاش الحضارة الحديثة في معاقلها، وخبر الفلسفة في منابرها وجرّب الفن كما يدرسه الغرب وزاول القانون كما يحاضر به الغربيّون، ثم خرج من كل ذلك إلى الإسلام خروج العاقل الذي يحسب خطواته على مِيزان البرهان لا على عاطفةٍ عارضةٍ على الوجدان. 


‏يبدأ هوفمان رحلته من حيث يبدأ كل بحثٍ جادّ: فهو يبدأ من سؤال الوجود، وهو سؤال لا يستقل بإجابته عقلٌ منفصلٌ عن الوجدان ولا وجدانٌ منقطع عن العقل، وهو يبدأ بالاقتراب من المحذور وبالانفصال عن الإلف كي تصح له الرؤية، وهو يبدأ بحدِّ النظر في الأقدار وبإرهاف السمع إلى  هواتف الفطرة، ويدفعه إلى ذلك حادثُ من حوادث المرور على الطريق يمنعه من الوجهة ويقرّبه من الموت، لينجو بعد ذلك فيراجع الوجهة ويتحسس الطريق. 


‏والمؤلف لا يعرض الإسلام كمن يُغري السائح بصورة جامعٍ أو متحف ولا بصورة أقواسٍ وفسيفساء، فهو يستعيض عن هذه الطريقة بتقديمه نظامًا للعقل والضمير فيقدّمه توحيدًا يُنقذ الفكر من أُحجية التثليث، وشريعةً تُنقذ المجتمع من غوائل الهوى والأنانية، ويعرضه عبادةً تُعيد للإنسان صلته بالمطلق في عصرٍ مزّقته النِّسبية حتى لم يبقَ له من الثوابت إلا ثباتُ الحيرة واطّرادها.


‏ومما يحمد لهذا الكتاب أنه يعيد للفن مقامه في الدين. فالكاتب الذي عرف المتاحف والصالونات يرى في الدين ما لا يراه من جَهَلَهما، وهو يرى في الفن الإسلامي خيالًا مُؤدَّبًا بالعقيدة وهندسةً تُعلِّم النظام، وزخرفةً تُعلِّم الاقتصاد، وخطًّا يُعلِّم الجمال. وهو بهذا يُبطل تلك التهمة العتيقة التي تدّعي أنّ الدين يقيم القطيعة بين العقل والذوق، فالإسلام –كما يراه– وحدةٌ في الفكرة ووحدةٌ في الصورة، لا عبث في صرحه، ولا فوضى في نسقه، فاستمع إليه إذ يقول:


‏«إن هناك عدة عناصر مسؤولة بشكل أساسي عن النوعية الإسلامية المتميزة لهذه التجربة الفنية، وهي كما يلي: 

‏مثالية التواضع في المظهر الخارجي، وهذا ما يحكم الأمكنة الإسلامية تمامًا بمثل الطريقة التي ترتدي المرأة المسلمة الجميلة حجابها عندما تخرج من بيتها. 

‏الديموقراطية والمساواة والبنية اللاهرمية في الإسلام والتي تحكم أيضًا تخطيط المصليات والمساجد

‏درجة التجريد العالية، والتي تنضبط بالمفهوم الإسلامي عن الله سبحانه وتعالى وأنه يتميّز عن الشبيه والمثيل والند والنظير سبحانه وتعالى. 

‏الأبعاد البشرية للتناسب الهندسي للعمارة، والذي يعكس الاهتمام الإسلامي بالتوازن والاعتدال، والأسلوب المعتدل في كافة المواضيع والأمور» 

‏ثمّ لا يُخلي هوفمان من ملحوظاته ما يتصل بشأن أدق التفاصيل كتهوية الغرف وشكل الحدائق وغيرها


‏وفي الكتاب تأملٌ وتصوّف ثمّ تشقيقٌ للتأمّل وردٌ على التصوّف، وفيه مزاوجةٌ بين برهان التجربة وبرهان النظر.. والكاتب في يوميّاته شاهدُ عيان على خواءِ حضارةٍ تُحسن ترقية الأدوات وتفشل في ترقية الإنسان: ففي هذه الحضارة -كما يراها- وفرةٌ في الوسائل وفقرٌ في الغايات، وفيها تراكمٌ في القوّة وضياعٌ في الحكمة وفيها ضجيج في الحرية وخمود في المسؤولية. 

‏وفي اليوميّات مناقشةٌ هادئة لأمّات القضايا التي تُثار كلما ذُكر الإسلام في المنابر الغربية، وهي قضايا المرأة، والحرية، والجهاد، وحقوق الإنسان، وعلاقة الدين بالقانون.

‏وفي قضية المرأة والقانون يقول هوفمان: 

‏"… فإن النساء [يعني نساء المسلمين] يتمتعن بصفةٍ قانونية خلال الألف والأربعمئة سنة الماضية، وهي صفة قانونية لم تتمتع بها نظيراتهنّ من النساء في أوربا، ولم يحصلن عليها إلّا خلال القرن العشرين"


‏والكتاب لا يطيل الدفاع عن شرائع الإسلام، لأن الدفاع إذا طال خيف عليه أن يصير اعتذارًا، والحق لا يعتذر. لذا يمضي هوفمان إلى نقد المركزية الغربية التي تزعم أن التاريخ خطٌّ مستقيم يبدأ من أثينا وينتهي في بروكسل، وأن ما بينهما هو هامشٌ أو استراحة.

فيذكّر المثقفين الغربيين بما لا يحبّون أن يتذكّروه من أن الحضارة التي أنجبت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هي نفسها التي أنجبت المعسكرات وأفران الغاز والاستعمار الحديث، ومن أن العقل إذا انفصل عن الأخلاق كان أداة الإنسان الفاتكة التي تعود عليه بالفتك والدمار.


‏وليس من طبع الكتاب أن يُغري القارئ بخلاصٍ سهل؛ فهو لا يعدُ بأن الإسلام بطاقةُ عبورٍ إلى جنّةٍ الاجتماع ونماء الاقتصاد وإنما يضعك على طريقٍ يتطلّب إرادةً وتمرّسًا، وهو أن تُدخِل العقل في العبادة، وأن تُدخل العبادة في الحياة، وأن تُترجم الإيمان في دنيا المعاملات لا في شعارات الإنشاء والدعاية. وهذا من لوازم الصدق في تجربة الكاتب ودعوته؛ إذ لو كان صاحبنا خطيبًا يبتغي التصفيق لأرخى القول حتى راق لكل سمع، ولكنه باحثٌ يبتغي الحقيقة فشدّ القول حتى نهض لكل عقل.


‏وإن في الكتاب خصلةً تُذكّرنا بما يجب أن يكون عليه المنهج حين يَصْدُق، فهو يجمع الشاهد من التاريخ والحجة من الفلسفة والنص من الشرع في سياقٍ واحد يُقيم الصورة الواضحة للحقيقة التامة؛ والدين عنده تصوّرٌ للعالم يحدّد علاقة الإنسان بربه ونفسه والكون من حوله. ومن لم يفهم هذا، بقي في الإسلام على حرفٍ_إن أصابه رخاءٌ اطمأنّ به، وإن مسّه نصبٌ انقلب على وجهه.


‏وقد يقال: إن صاحب الكتاب متحمّسٌ لدينه الجديد وقد يغيب الإنصاف مع الحماسة. فنجيب إذ نقول: إن ميزان الإنصاف هو عدل البرهان لا حرارة الشعور. ومن قرأ صفحات هذه اليوميات علم أن صاحبها يضع الشعور -حيث يجب أن يكون- تابعًا للحقيقة لا قائدًا لها. ثم إن الحق لا يُدفع بما يُظنّ من توقّع البواعث، وإنما يُدفع بما يُقام من الحجج؛ والحجج هنا واضحةٌ مُحكمةٌ تقوم على محاكمة المسلّمات التي طال عليها العهد حتى ظنّها الناس من أحكام الفطرة والبداهة.


‏خلاصة القول هي أن كتاب «الرحلة إلى الإسلام» فيه من الصرامة ما يُرضي طالب الدليل، ومن حرارة التجربة ما يُوقظ قلب المتردد. وهو فوق ذلك شهادةُ رجلٍ رأى بعينيه نقص الحضارة حين تكون بلا مبدأ، ثم وجد في الإسلام مبدأً يجمع المعنى إلى النظام، ويؤالف بين حرية الإنسان وعبوديته لله. ومن شاء اليوم أن يعرف لماذا يُقبل عقلٌ كعقل هوفمان على الإسلام، فليقرأ هذا الكتاب؛ فإنه سيخرج منه بحقيقةٍ غرّاء هي أن الدين الذي يقيم العقل إمامًا والعدل ميزانًا ليس من الغريب أن يهدي أصحاب النظر وطلّاب العدالة فهذه عادته المطّردة.. 

‏وأخيرًا فهوفمان لا يؤصّل ردوده كما يؤصلها العلماء ولا يُقوم كتابه في الدعوة كما تقوم كتب الدعاة، ونحنُ نضع كتابه حيثُ ينبغي له أن يكون، كتابًا في رحلة الروح ويوميات المسير إلى النور.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...