كتاب "معذبو الأرض" لفرانز فانون من تلك الكتب التي لا يجوز أن توضع في رفوف الفكر مع بقية المؤلفات كأنها مادة للدرس البارد، فهو أشبه ما يكون بصرخة مدوية خرجت من صدر جريح، أراد لها صاحبها أن تصل إلى أسماع العالم، لتُفزعها لا لتُطربها.
وفانون –الطبيب النفسي الفرنسي المارتينيكي الذي التحق بالثورة الجزائرية – لم يكن من أولئك الكُتّاب الذين يثورون بالكلمات ولا غير الكلمات، فقد كان ممن يخوضون الثورة بأجسادهم، وجمع إلى ذلك عين الطبيب التي تتفحص الداء في دقائقه، وعين المقاتل التي تترقّب الهدف في حركاته. ومن هنا جاء كتابه مصطليًا بحرارة التجربة وسخونة الدم..
إنّ الفكرة التي يدور عليها الكتاب في كل فصوله على اختلاف الصياغة وتنويع الأسلوب – هي أن الاستعمار ليس غزوًا للأرض فحسب، فهو إلى ذلك غزو للنفس الإنسانية في أعمق أعماقها.. فالمدفع الذي يفتح الطريق للجيوش، يتبعه مدفع آخر أشد فتكًا، هو مدفع الفكرة والصورة، إذ يزرع المستعمِر في وعي المستعمَر صورةً مهينة ذليلة عن نفسه حتى يراها تابعةً بطبعها قاصرةً بفطرتها لا تصلح إلا لأن تُطيع وتُقاد..
وهكذا.. فإنّ الاستعمار يجتاز باستلاب الخيرات إلى استلاب الكرامة، حتى إذا ما استقرت هذه الصورة في أعماق النفوس، أصبح المستعمرُ يلهج بأحكام جلاده من حيث لا يدري، فلا تتوقف به المهانة إلى العجز والإبلاس بل تذهب به إلى نسيان نفسه وتراثه فلا يصدّق بفضيلةٍ فيهما إلّا ما يُقرّ لهما به المستعمِر..
ولأن فانون يرى الاستعمار داءً عضالًا في جسد المجتمع وروح الأفراد، فقد قرر أن علاجه لا يكون بالمساومة ولا بالوعود والمفاوضة بعد المفاوضة، فعلاجه لا يكون إلّا بجرعة عنف صادمة تعيد إلى الشعوب المقهورة إحساسها بالقدرة والجدارة.. وهو هنا يستعمل سلوك الطبيب الذي لا يتردد في إقرار دواءٍ مُستكرهٍ شديدِ المرارة إذا كان فيه الشفاء.. وهو لا يجعل المقاومة المسلحة خيارًا ووسيلةً من الوسائل، إذ صحّ عنده أنّها ضرورة وشرط في استعادة الروح تأتي من بعدها الوسائل.
وهو يذهب أبعد من ذلك فيرى أن هذه الصدمة العنيفة وسيلة لتطهير الروح، تنفض عنها غبار الخوف والخنوع، وتستبدل بهما شعورًا بالسيادة والاعتداد. وهنا يربط فانون بين الاستعمار والمرض النفسي، ويرى أن التحرر يبلغ تمامه عند تحطيم صورة المستعمِر المغروسة في أعماق النفوس بعد خروج جيوش المستعمر الغازية..
ومما يسترعي الانتباه هو أن فانون بعد أن رصد العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر بمنظور السياسة، تناول أثر هذه العلاقة في نسيج الاجتماع بين أبناء الوطن الواحد.. فالاستعمار – كما يراه وكما يكون- يقسم المجتمع بعد تقسيم الأرض، فيصطنع لاحتلاله من أبناء المجتمع طبقةً تخدم مصالحه، فيخلق "النخب المأجورة" التي تحمل شهادات التنوّر والاستقلال وهي لا تزال تنطوي على أثر العبودية التي ثار عليها الشعب.. وهذه النخب –في رأي فانون– أخطر على الأمة من المستعمِر نفسه، لأنها تنطق بلسانه وتلبس ثيابه، ولكنها تأتي من داخل البيت فتفسده من أساسه.
ويمضي فانون في تحليل أثر الاستعمار على أفراد المُستعمَرين فينقل ظاهرةً مشهودة في سلوك أفراد الشعوب المقهورة إذ يقول:
"فعلى مستوى الأفراد نشهد أمورًا تخالف المنطق حقًّا، فبينما نرى المستعمِر أو الشرطي يستطيعان من أول النهار إلى آخره أن يضربا المستعمَر وأن يهيناه وأن يركّعاه، نجد المستعمَر يُشهر سكينه عند أيسر نظرة عدائية أو هجومية يلقيها عليه مستعمَرٌ آخرُ! لأن آخر ما بقي للمستعمَر هو أن يدافع عن شخصيته تجاه مواطنه. ولما كانت الصراعات القبلية استمرارًا لأحقادٍ قديمة مغروسة في الذاكرة، فإن المستعمَر حين يخوض معارك الثأر بكل ما أوتي من قوة، إنما يحاول أن يقنع نفسه بأن الاستعمار لا وجود له، وأن جميع الأمور تجري كما كانت تجري في الماضي، وأن التاريخ يستمر. ومن الواضح كل الوضوح أن هذا السلوك هو على مستوى الجماعات نوعٌ من ذلك «السلوك الهروبي» المعروف، كأن هذا الانغماس في دم الإخوة يمكن أن يُعمي عن رؤية العدو الحقيقي، وأن يؤجل خوض المعركة التي لا بد من خوضها، ألا وهي المعركة المسلحة ضد الاستعمار" [صـ ٥٤]
وبعد أن يشرع فانون في تحليل الاستعمار في أثره على المجتمع والفرد؛ يذهب بالتحليل إلى اختلاف البيئات في انفعالها بالاستعمار، فيقف عند اختلاف أثره على المدينة والريف وقوف الخبير الذي عاش التجربة لا المؤرخ الذي يرويها من وراء ستار، وهنا تراه يحدُّ نظرًا ثاقبًا في دراسة بنية المجتمع تحت الاستعمار، إذ يقيم المقارنة بين معيشتين متباينتين: هما معيشة الريف ومعيش المدينة، ليجعل منهما مسرحين مختلفين للمقاومة والانكسار.
فالريف، عند فانون، هو مخزن الثورة الذي يمدّها بالرجال، وهو مأوى الإرادة الصلبة، ففيه يتربّى المقاتل على البساطة التي تحرّره من عُقد المدنية المصطنعة، وفيه يجد الثائر الأرض التي تحميه والجماعة التي تؤويه.
والفلاح، وإن كان قليل الحيلة في ظاهر أمره، إلا أنه أشدّ الناس تمسّكًا بكرامته ومبادئه، لأن الحياة القاسية علّمته شيئًا لم يتعلمه المثقفون من كتب السياسة والاجتماع، وهو أن من يتنازل عن أرضه اليوم سيُنتزع خبزه غدًا، وأن الذلّ إذا دخل القرية استوطنها أجيالًا.. ولذا، فالفلاح في نظر فانون هو قلب الثورة النابض وعصبها المتين..
وأما المدينة، فهي عنده موطن الحذر والريبة، إذ يرى أن أهلها –وقد طال عليهم عهد الاستعمار– قد صاروا أسرى لبريقه، يقلّدون أزياءه، ويتكلمون بلسانه، ويتأثّرون شعاره. والمدينة الرازحة في الاحتلال هي موطن الانكسار لا موطن الانعتاق، فهي تستبطن هزيمتها في مظاهرها ومعالمها: تستبطنها في الأسواق، وفي المقاهي، وفي الشوارع التي سُميت بأسماء المستعمرين وفي النُخب التي تُوثق بالمستعمر مصالحها..
ومن هنا ينشأ التناقض: فالريف يُولّد الثورة من رحم الحاجة والبأس، والمدينة تُخمدها تحت وطأة الحسابات والمصالح. وفانون في تحليله ينفذ إلى العلل، فيقول إن الريف بعيدٌ عن سلطة المستعمِر المباشرة، ولهذا تبقى فيه روح الجماعة نقيةً صافية، أما المدينة فهي تحت العين الساهرة للسلطة، محكومة بالقوانين، محاصرة بالشرطة، مراقبة بالعيون، فلا غرو أن تتحول فيها المقاومة إلى عمل سرّيٍ حذر، بينما تكون في الريف من عمل الجهر والعلانية.
يقول فانون:
"والفلاحون يُسيئون الظن بابن المدينة ويحذرون منه؛ إنه يرتدي ملابسَ كملابس الأوربيين، ويقطن أحيانًا في الحي الأوربي؛ لذلك ينظر إليه الفلاحون نظرتهم إلى إنسانٍ خرج على قومه، وهجر كل ما هو تراثٌ قوميٌّ. إن الفلاحين ينظرون إلى سكان المدن نظرتهم إلى (خونة)، نظرتهم إلى أناس «باعوا أنفسهم» فهم متفاهمون مع المحتل، يحاولون في إطار النظام الاستعماري أن يحققوا النجاح؛ لذلك نسمع الفلاحين في كثيرٍ من الأحيان يصفون أبناء المدن بأنهم أناسٌ لا أخلاق لهم، ولسنا هنا بصدد ذلك التعارض المعروف بين الريف والمدينة، وإنما نحن هنا بصدد تعارضِ بين المستعمَر المحروم من منافع الاستعمار، والمستعمَر الذي يرتب أموره بحيث ينال من الاستغلال الاستعماري نصيبًا"[صـ ١٠١]
ويبلغ الكتاب ذروة حرارته حين ينتقل فانون إلى وصف مشاهدَ من الثورات الإفريقية، فيمزج بين التحليل والانفعال، فتشعر وأنت تقرأ أن الصفحات تستحيل إلى ميدان قتال، وأن الكلمات تتحوّل إلى طلقات، والفقرات إلى قنابل. وهنا تكمن قوة فانون وضعفه في آن واحد: قوته هي أنه يكتب بدمه، وضعفه هو أنه في اندفاعه يغفل عن أن البناء يحتاج إلى ما هو أعمق من الهدم، وأن الأمة التي تتحرر لا بد أن تحمل في يدها الأخرى مشروعًا للحضارة يملأ الفراغ بعد سقوط المستعمِر..
ولكننا نُغضي عن هذا إذا وضعنا الكتاب في موضعه، إذ يصحّ أن يكون زمن هذا الكتاب في مرحلة الانتفاضة إلى آخر مراحل الاستئصال وأول مراحل البناء، ويصحّ أن يكون مدخلًا لمشروع النهوض لو انفسع العُمر لفانون فكتب عن تشييد الحضارة.. ونحنُ نقول ذلك لأننا نرى أنّ الحرية التي تُسترد بالبندقية وحدها، ولا تُشيّد على وعيٍ بالعدل وبصرٍ بالغاية، سرعان ما تنقلب إلى استبداد جديد تتبدل فيه الأسماء وتبقى فيه الزنازين.. ونحنُ نعتذر لفانون مع ذلك لأن لغة التأثير لابدّ أن تكون لغة الحسم والقطع والمجازفة.
وأمرٌ آخر.. هو نَفسٌ ماركسي لا يُخطئه من يقرأ لفانون، وهو نَفَسٌ يتبيّن على هيئة نزعةٍ فكرية قوامها الحتمية التاريخية، ومركزية الاقتصاد، والريبة من الأخلاق المتعالية، وتقديم الفعل الثوري على سائر الأفعال، وهو نفس ماركسي نقيسه إذا بحثنا في أفكاره عن الغاية الذي يُقيم عليها تفسيره للاستعمار، وعن الأدوات التي يزن بها الظواهر، وعن الخُلاصة العملية التي يدعو إليها..
وننظر في تحليله للاستعمار فنجد عوامل الاقتصاد في تحليله أظهر العوامل، فهو عن العنف يقول:
«لقد كانت الرأسمالية في فترة انطلاقتها ترى في المستعمرات ينبوعًا لمواد أولية يمكن أن تصبها في السوق الأوروبية بعد تصنيعها، ولكنها بعد مرحلة تجمع رأس المال وصلت الآن إلى تبديل مفهومها عن الربح الذي يحققه مشروع من المشاريع: لقد أصبحت المستعمرات سُوقًا؛ إن سكان المستعمرات زبائن يشترون، فإذا كان لابد للثكنات من أن تُعزز إلى غير نهاية، وإذا بطؤت حركة التجارة، أي إذا لم يبقَ في الإمكان تصدير المنتجات المصنعة، كان هذا دليلاً على أن الحل العسكري يجب الابتعاد عنه» [صـ ٦٣]
إلى أن يقول:
«هناك إذن تواطؤ موضوعي بين الرأسمالية وبين قوى العنف التي تنطلق في الأراضي المستعمَرة. ثم إن المستعمَر لا يجابه المضطهد وحيدًا، هناك طبعًا المعونة السياسية والدبلوماسية التي تقدمها البلاد التقدمية والشعوب التقدمية. ولكن هناك التنافس خاصة، هناك تلك الحرب الضارية التي تقوم بين الطوائف الاقتصادية» [صـ ٦٣]
ولا يزال فانون في كتابه ينتقد النظام الرأسمالي ويزيّن النظام الاشتراكي ويُلمح إليه حلًا للأمم المستعمَرة بعد أن يحترز بالتأكيد على حق الشعوب المُستعمَرة في انتهاج نهجها.. ويمضي فانون في كتابه كما يمضي في جملة أحواله مع الثورة الجزائرية وهو لا يطمئن لأثر الدين في إمدادها ولا لنجاعة الدين في قطف ثمارها..
وهنا موضعُ الإنصاف وموضعُ الاعتراض معًا. أمّا الإنصاف: فهو أنّ هذه العدة نافعةٌ في تجريد خطاب الاستعمار من أقنعته؛ فهي تكشف بنيةَ الاستغلال وراء ألفاظ «التحديث» و«التنمية» و«الأمن»، وتفضحُ دورَ القانون والإدارة والإعلام حين يَخدمون علاقات القوة لا ميزانَ العدل.
وأمّا موضع الاعتراض
فنراه حيثُ تُغْرِي الماركسيةُ صاحبها بردّ العلل إلى قانونٍ واحد هو قانون الاقتصاد.. فهي بذلك تقع في خطأ التسوية بين أنواع الاحتلال المختلفة، وتقرأ الأديان والتقاليد واللغات والأنساب قراءةً لا تميّز بينها على ميزان الإنتاج. وهذا يُعمي عن مصادر المقاومة في الثقافة والشرع والأخلاق، ويهدر قيمة الغاية وطاقة المعنى التي قد تُقيم من المجتمع حصنًا لا تستقل البنادق بإقامته..
وموضعٌ آخر قدمنا الحديث عنه حين تحدثا عن ضعف فانون وإلحاحه على العنف، وهو موضعٌ يرتبط بالماركسية حين نستحضر نظريتها الحتمية.. وثمة موضعٌ من مواضع الاعتراض قدمنا الإلماح إليه وهو موضعٌ لا تنفكّ عنه الماركسية فلا ينفكّ عنه فانون وقد ارتضاها، إذ نجدُ أن فانون يُخلي كتابه من أسباب النهوض، ولا يتحدّث عن نظام الدولة ولا يجيب عن كيف تُستمد الشرعية؟ وكيف تُقسَّم السلطة والثروة؟ وما موضع الدين من العقد الاجتماعي؟ وما ضوامن الحقوق حين تتغيّر «الطبقة الحاكمة» ولا يتغيّر «الحُكم»؟..
وهنا تَضعف العدّة الماركسية لأنها للهدم أرغب منها للبناء..
بقي أن نقول في عجالة:
إن فانون استعمل أداة التحليل النفسي في البحث عن أثر الاستعمار في الأفراد، وساق لذلك أمثلةً في آخر الكتاب..
وأنّ كتاب فانون نُشر في عام وفاته، وأن فانون مات لستةٍ وثلاثين عامًا بالسرطان وحريٌّ بمن هو مثله لو لم يمت بالسرطان أن يموت بالطغيان..
ونحنُ نحسب أن حرارة الكتاب اقتبست من حرارة الشباب..
فـ "معذبو الأرض" إذن هو كتاب الدم والعقل، الذي يجمع بين صيحة الغضب ودرس التاريخ، فإذا قرأته أدركت أن فانون لم يكن يكتب لأوروبا أو لأفريقيا، وإنما كان يخاطب كل أرضٍ يُراد لها أن تُستعمَر ويُرعد لكل غازٍ يُريد أن يَستعمِر، ويُقرّع كل إنسانٍ يوشك أن يعتاد قيوده.. فهو صوت من عرف الاستعمار طبيبًا، وعاشه مناضلًا، ورحل وهو يعتقد أن الحرية أشهى من أن تُنتظر، وأغلى من أن تُمنح..
تعليقات
إرسال تعليق