« العيب »
رواية لـ يوسف إدريس.
في رواية العيب مسرحٌ من مسارح الحياة التي تتكاثر فيها الأدوار والأحداث وتختلف فيها الرؤى باختلاف الناظرين، وفي رواية العيب على قصرها اتساعٌ يتيح للجماعة من النقاد أن يجذبوها للمناقشة لكثرة أطرافها وأفكارها، ولكنّي اخترتُ من هذه الأفكار فكرةً قليلة المناقشة ويندر أن تُعرض في مثل هذا العرض الحسن..
حين قرأت رواية العيب قبل سنين، قلتُ ألخّص الفكرة التي رأيتها في جملة، فرأيتُ أنّي أُلخّصها تلخيصًا صادقًا إذا قُلتُ إنّها رواية "اختيار الذنب" وأنّي ألخّصها تلخيصًا صادقًا كذلك إذا قلتُ إنها رواية "الاضطرار إلى الذنب"..
وبين الاختيار والاضطرار فرقُ النقائض، وبينهما أوسع معاني التضاد في اللغة، فكيف يصدق التلخيص في الحالين؟
ليس التناقض الذي أراه مردودًا إلى الراوي ولا إلى حبكة الرواية، فإنّي أراه مردودًا لأصل الفكرة التي عرضها الكاتب إذ إنها من الملامح الدقيقة التي يضل عندها النظر وتحتار فيها النفوس فيغفل عنها كثيرٌ لضعف نفاذهم ويتغافل عنها كثير طلبًا في الراحة من تعب التقدير..
"العيب" روايةٌ تتبّع لحظات السقوط إلى الإكراه ساعة يُحاصر الإرادة في أضيق زواياها. فمن أصاب في فهم "العيب" رآها لا تقيم دعواها على خطيئة المجتمع من الجهة التي يكون بها كيانًا مهيمنًا غفلاً من الأشخاص، ولا تُقيم دعواها على شعارات القمع في عمومها، بل تُقيمها على واقعة إنسانٍ بعينه تدفع به الأقدار القريبة والبعيدة، والسلطات الظاهرة والخفية، إلى فعلٍ لم يختره اختيار المترَف، وإن كان قد اختاره اختيار المكره أو اختاره "اضطرار المقهور"!! وهو اختيارٌ لا يُسمَّى اختيارًا إلا على أوسع المجاز.. ومع ذلك فهو اختيار!
هنا موطن الرواية وميزانها، وهنا مناط حكمها على الناس.
إن المؤلف -وهو يرصّ مشاهد السقوط- لا يُبالغ في زخرفة العظات، إذ هو في أثناء هذا الرص يورد سلسلة الأسباب كما تُورَد الحلقات في السلسلة المحكمة: فثمة حاجة تَضيق حتى تَخنِق، وثمة تهديد يعلو حتى يُصِمّ، وثمة منصبٌ يُغري ليستُر ابتزازًا لا يقال، وثمة سلطة في الوظيفة أو في العائلة تعرف من أين تُكبّل الكتف والذراع والرقبة، فتُساوم اليومَ على القوت، وعلى السمعة غدًا، وعلى لقمة اليتامى بعد غدٍ.. عندئذٍ يتبدّل اسم «الخطيئةِ»، والفعلُ هو هو، ولكن النيّة مُعسَرة، والإرادةُ مُحاصَرة، والضميرُ بين مطرقة الخوف وسندان الحاجة، هنالك يضطرب التمييز بين العمد والخطأ»
، وبين الاختيار والاضطرار..
والفنّ هنا هو في أنّ الكاتب لا يعفي المُخطئ من نصيبه من التبعة، ولا يُسقِط عنه التكليف جملة واحدة؛ فهو يميز بين طبقتين من المسؤولية: مسؤولية الفعل على قدر ما بقي من حرية الفاعل، ومسؤولية الإكراه على قدر ما سُلب من تلك الحرية. ولولا تلك الذرّة الأخيرة من الخيار التي لا تنعدم في أحرج اللحظات، ما بقي للضمير معنى، ولا صلح الأدب منبرًا للدعوة إلى الفضيلة..
غير أنّ الرواية تُريك كيف تَضمُر تلك الذرة حتى تكاد تتلاشى، ففي الرواية شابةٌ تُحاصِرها الحاجة، وأسرةٌ تتوكّأ على كتفها، ومكتبٌ تُديرُه عيونٌ محسوبةٌ بالساعة، ولسانٌ يُلمِّح أكثر مما يُصرّح، وإغراء يعمل في الصمت عمل الكلام ويعمل في الكلام عمل الصمت، وخطوةٌ واحدة إذا نُكص عنها ضاعت الحياة، وإذا أُقدِمَ عليها رُهِنت الحياة..
هنا يكمن الفن.. لا في الخطيئة نفسها ولا في إشهارها كم يفعل الكتّاب المولعون بتتبّع النقائص والفضائح، وإنما يكمن الفن في التدرّج إلى حافة الخطيئة؛ خطوةً بعد خطوة، وتسويغًا بعد تسويغ، حتى إذا وقع الفعل كان أشبه بانهيار جذعٍ تراكم عليه النَّخَر فلم يسقط بالضربة الأخيرة إلّا كما سقط بالضربة الأولى، ولم تستقل في تحطيمه ضربةٌ ولكن تتابعت في إسقاطه ضربات.
وليس ببعيدٍ أن ترى أدوات الإكراه في الرواية أشدّ تنوّعًا وألطف مدخلًا وأخبث فتلًا من أن تُحيط بها سذاجة الوعاظ: فثمَّ إكراهٌ ماديٌّ صريحٌ اسمه الفقر، وإكراهٌ رمزيٌّ لاصقٌ اسمه السمعة، وإكراهٌ وظيفيٌّ مباشرٌ اسمه السلطة، وإكراهٌ عاطفيٌّ مموّهٌ اسمه الوعد بالستر وقضاء الحاجة وما إليهما..
كلّها أسلحةٌ تُشهَر في وجه الإرادة، لكنّها لا تقتلها بالطلقة الواحدة، وتظل تستنزفها حتى تسلّم رايتها؛ فإذا استسلمت، قيل: هذا عيبها، وغُيِّبَت نواقض الإرادة عن المحاكمة!
ومن فطنة المؤلف أنّه يصوّر لك سطوة الجاني ولا يكتفي بتصوير سلاحه، فهو يصوّر حامل السلاح مديرًا يضغط ويبتز، وقريبًا يساوم ويُريغ، وزميلًا يُدلّس ويُشيع، حتى يتخلّق «العيب» جسدًا غريبًا له رؤوسٌ ولكل رأسٍ وجه.
وفي خلق الشخوص، يصوّر المؤلف شخوصه دون أن يقيم حدودًا فاصلة بين الخير والشر، فيصوّر الناس كما هم: فيهم ضعفهم وفيهم قوتهم، فيهم أنانية اللحظة وفيهم ومضات المروءة.. حتى الذين يقفون في وجه الفتاة الغرّة الطيبة، فهم ليسوا شياطينًا خلصوا للشيطانية، بل هم أبناء بيئتهم، وورثة تقاليد لم يسألوا أنفسهم يومًا عن أصلها ولا عن جدواها في البقاء..
ومع هذا كلّه، يبقى سؤال العدل قائمًا: أفيجوز أن نعيد تعريف الرذيلة حتى نُخرج المكرهين من حدودها؟ الجواب -كما نتمثّله بلسان الفنّ لا بلسان الفقه-: هو أنّ حدود الرذيلة تُقاس بقدر الحرية.. فإذا ضاقت الحرية حتى صارت أثَرًا بعد عين، فالجُرمُ عندئذٍ أقرب إلى جُرحٍ تلقّاه المرءُ مِن أن يكون يدًا جرحت غيرها.. أمّا إذا بقي في النفس مندوحةً للرفض وإن كلّف الرفض الثمن الباهظ، ثم آثرت النفس السلامة على الحق، فالذنب إذن ذنبٌ مخفَّف: يُدان فيه الجاني ويُدانُ فيه المُكرِه، ولا يبرأ واحدهما بجريرة الآخر ولا يبوء بها..
هنا تُحافظ الرواية على ميزان دقيق: فلا تصدر تبرئةً مطلقة بعذر الإكراه، ولا تسوّغ قسوة عمياء بعذر الحفاظ على الأخلاق؛ وتجاوز كل ذلك إلى توزيع عادل للتبعة على قدر ما يملك كلُّ طرفٍ من سلطان..
هذا تقريرٌ أخلاقي وميزانٌ قضائي لم تصرح به الرواية ولكنّها أوحت به على صنعة الفن مُمَثّلا، لا على صنعة التشريع مُرَسّمًا، فقد جاء على هيئة مشاهد يومية تُدار على مهل، ولغةٍ مكثّفة تُشعر القارئ بضيق الحبل على العنق، وحواراتٍ قصيرة كالسياط، وصمتٍ أطول من الكلام..
تلك كلها وسائل من وسائل الفن قال بها الكاتب -إضمارًا وتمثيلًا-: إن الرذيلة قد تقع على غير استمراء النفوس، لأن الواقع نصَبَ لها الفخاخ حتى لم يبقَ طريقٌ إلى النجاة إلا على جمرٍ لاهب.. ولعل هذا سرّ وقع الرواية: إذ لا يخرج القارئ منها مأخوذًا بوقاحة الشرّ، بل مُشفِقًا من حيلة الضعف؛ فيرى في نفسه كل حين إمكان سقوطه لو توافرت عليه الظروف التي قد يستسهلها في أول شأنها، فيستبين له أنّ الانتهاء عن الرذيلة أنفع ما يكون قبل الولوج إليها، وأنّ الفكاك من أحابيل الخطيئة أيسر ما يكون في أول طريق الإغراء حيثُ تسهل المقاومة، وأنّ أعظم ذنب هو استسهال الذنب.. وأنّ الشر لا يروج باسمه و "أن الباطل لا ينفق في الوجود إلّا مشوبًا بالحق"
ويبقى بعدَ هذا الكلام كلامٌ بعدُ في لزوم العقوبة لحفظ النظام أو انتفائها، وفي التفريق بين التحريم والتجريم وفي التفريق بين استحقاق العقوبة واستحقاق التشهير والإقصاء.. وليس هذا مما تنفسحُ له الرواية.
هكذا يحسُن أن نقيم القضية على وجهها الصحيح..
وهذه إذن خلاصة الرواية وحجّتها، وذلك وجه الرجحان فيها لمن طلب الأدب الذي يضع الميزان على البرهان قبل أن يُقيم البيان..
تعليقات
إرسال تعليق