التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأبطال

 



«الأبطال وعبادة البطل والبطولة في التاريخ»

لـ توماس كارلايل



توماس كارلايل (Thomas Carlyle) أديب ومفكّر ومؤرّخ إسكتلندي، وُلد سنة 1795 في بلدة «إكمفرِس» بإسكتلندا، وتوفّي سنة 1881. نشأ في بيت متديّن، وتعلّم في جامعة إدنبرة فبرع في الرياضيات واللغات، ثم اتّجه إلى الأدب والتاريخ والاجتماع فبرّز فيها وصار من الكتاب المعدودين في الأدب الإنجليزي بل من صفوة الكتّاب العالميين في عصره.. 

عُرف بأسلوبه الخطابيّ القوي الذي يمزج بين الفلسفة والدعوة الأخلاقية، وكان من أبرز نقّاد الماديّة والنفعيّة في القرن التاسع عشر. وكان قد تأثر كبار المفكرين الألمان، وكان لآرائه أثرٌ كبير في الفكر الأوروبي والإنجليزي خاصة.. 

اشتغل كارلايل بالتاريخ وله فيه نظرات، وله كتاب ممتاز في: «الثورة الفرنسية» وغيره من الكتب الجيدة في التاريخ، وفيها كلها يعلو صوته نداءً إلى الصدق والفضيلة والعمل، ونقدًا للانحلال ومساوئ العصر والحضارة.. 

وأمّا الكتاب الذي بين أيدينا فكان في أصله محاضرات ألقاها كارلايل عام 1840 ونُشرت مطبوعةً في عام 1841، وترجمها الأديب محمد السباعي ترجمةً ليست بحرفية وإنما تصرّف في ترجمتها غير قليل، وأنطقها بلسان العرب وبث فيها حرارة البيان العالي، فصيّرها بذلك إلى حيث صارت الكتب المترجمة التي دخلت التراث من ترجمة الصدر الأول.. 

وقد تعاقب على كِتاب كارلايل الدارسون والمستعرضون والنقاد والمناقشون، فوُضعت عن الكتاب أبحاث ورسائل وذاع صيته وجال في الآفاق.. 

ومع ذلك فإننا نجد أنّا في هذا العصر محتاجون إلى التعريف بهذا الكتاب.. ولئن كنّا نرى أنّ هذا الكتاب هو ابن العصر الذي كُتب فيه وابن روحه وأخلاقه، فإننا لنرى أن تقديمه لأبناء هذا الجيل ألزم ما يكون لأنّ هذا الجيل مبليٌ باحتقار العظماء وازدراء العظمة ومظاهر القوّة والجلال، مستهترٌ بالقدوات والمقدسات، ولأننا نرى أن أسباب النهوض معلقة على تقدير الكبار واحترام القدوات واستلهام روح الأبطال، وأنّ أسباب الانحطاط مرهونة بعكس هذا من احتقار العظماء وتعظيم الحقراء.. وتشيع بين أبناء الجيل آفة يظنون معها أنهم يترقون بحسب ما يضعون من أقدار الكبار، فإذا أردت أن تعرف الشريف من هذا الجيل فاعرفه بنظرة الإعجاب التي يُنعم بها في جناب العظماء النابهين، وما زال الرجل يُعجب بمن يستحق الإعجاب ويتأثر القدوات حتّى يرفع نفسه إليهم..  

‏وأمّا الذابل المسحوق فهو يكره العظماء لأنهم يذكرونه في كل حين بضعته وخسته ولكنّه مع ذلك مضطرٌ إليهم بنازع الفطرة في حال الضرورة واشتداد الأزمة بعد فوات الأمن وضياع الرشد..

يقول علي أدهم عن إجلال الكبار في عرض هذا الكتاب: 

"ويردد «كارلايل» هذا الرأى تأييدًا لما سبق أن قاله فى كتابه عن الأبطال، فقد قال فى المحاضرة الأولى «ليس هناك شعور فى قلب الإنسان أنبل من هذا الشعور بالإعجاب بمن هو أسمى منه وأجل شأنًا، وهذا الشعور حتى هذه الساعة وحتى إلى جميع الساعات القادمة هو التأثير الحي فى حياة الإنسان، والدين فى اعتقادي يقوم على هذا الشعور، أليس الولاء الصادق وهو روح حياة المجتمعات منبثقًا من عبادة البطولة والإعجاب المستسلم الخاضع بالرجل العظيم؟ حقًا، إن المجتمع قائم على عبادة البطولة» 

ثمّ يعقّب علي أدهم بقوله: 

"وهذا الشعور عند «كارلايل» هو أعمق ناحية فى الإنسان، وهو موجود حتى فى عصور الهدم والتدمير وعهود التنقص والازدراء، لأنه كامن فى نفس الإنسان لاصق بطبيعته" ا.هـ 


*** 


فهذا لزوم كتاب "الأبطال".. وهو كتابٌ لا يُقرأ ليُحصَى فيه عدد الأبطال وأسماؤهم، ولا ليُساق منه تاريخُ الأمم على خطٍّ مستقيمٍ من الوقائع، وإنما يُقرأ لتُعرف "فكرة البطولة" كيف تنشأ في الضمير الإنساني، وكيف تُصبّ في صورة رجلٍ يصبح ترجمان عصره وقرينة أمته.. 

فكتاب: «الأبطال» لتوماس كارلايل يلقاك منه مذهبٌ في فلسفة التاريخ: يجعل الفعل العظيم أصلًا، والرجل العظيم مثالًا تتجلى فيه قوّة الجماعة حين تُستنهَض. 

وقد اختار كارلايل في كتابه من الأبطال أحد عشر بطلًا على ستة نماذج، وفي تصنيف النماذج يتدرّج كارلايل من الأبعد إلى الأقرب: من «البطل إلهًا» وهو أودين في أساطير الإسكندافيين، إلى «البطل نبيًّا» وهو نبيّ الإسلام محمد عليه السلام، ثم «البطل شاعرًا» وهو في صورة دانتي وشكسبير، و«البطل كاهنًا» واختار له لوثر وكْنُكس، و«البطل كاتبًا» واختار له صمويل جونسون وروسو وبِرنز، و«البطل ملكًا» وهو في صورة كرومويل ونابليون. 

وهو يردّ أعراض هذه البطولة إلى وحدةٍ في الجوهر هي صدقٌ يُمتحَن بالفعل، ورسالةٌ ينهض لها صاحبُها كأنما خُلِق لها..

وفضيلة هذه الفكرة أنها تردّ البطولة إلى خصلةٍ أخلاقية قبل أن تردّها إلى براعةٍ سياسية، والصدق هو ميزان كارلايل الذي يزن به أبطاله، ويُخرج بها «عبادة القوة» من عبادة الجسد إلى احترام الروح.


فإذا انتهى الكاتب إلى صورة «البطل نبيًّا» وقف وقفةً هي عُمدة الكتاب وحُجّته.. 

وهو -في حديثه عن نبيّنا محمد ﷺ- لا يُجامِل ولا يَسْتَدرُّ عاطفة الشرق، بل يستعمل ميزانه المطّرد: لا عظمةَ بغير صدق.. 

فينقض -بصرامةٍ قلّ نظيرها في أدب زمنه- شبهةَ أن يكون محمدًا ﷺ «مُدّعيًا»، ويقول -بمعناه لا بلفظه-: ما كان رجلٌ يصنع أمةً من فراغ وهو كاذب على نفسه وعلى الناس، وإنّ دعوى النبوّة -لو كانت تلبيسًا- لانكشفت على صاحبها قبل أن تنكشف لأتباعه، ولَمَا آمن بها أصدقُ الناس فراسةً وأشدُّهم له مخالطةً.. 

وكارلايل يجعل القرآن شاهدًا لا يُدفع على طبيعة الرسالة: فهو كلامٌ ليس من زخرف البلاغة فهو لا يصطنع لنفسه محاسن العبارة وتزويق الحديث، ولكنه كلامْ من سَوْرة اليقين؛ يقتحم القلب اقتحامَ الحق إذا استبان، فالقرآن عنده كلمةٌ صادقة لا صناعةُ بيان، وصاحبُه رجلٌ أُمر فقَام، لا متفنّنٌ أحسن إحكام الحبكة فاشتُبه على الناس أمره.

ولم يعوز كارلايل -وهو الغربي المشبّع بتراث قومه- أن يواجه زعم السيف والرهبة؛ فيُبيّن أن السيوف لا تفتح القلوب وأن الرهبة لا تُقيم أمةً قرونًا من الزمان.. 

ثم يسلُك إلى حجته من بابٍ لا يخطئه العقل وهو أنّ سيف الرجل الواحد لا يصنع رجالًا يملأون الأرض عدلًا وعلمًا وسَنَنًا؛ وأنّ «القهر» إن كانَ فليس يبقى، وإنما الباقي أن يلتقي الوحيُ بحاجات الفطرة، فيجد في الناس محلّه المستقر. فمحمد ﷺ جاء قومه بما تستطيبه فطرتُهم إذا صُقلت ونُفي عنها الدرن، وبما يحرّر العقل من عبادة الحجر ويُقيم للصدق وزنًا في المعاملة والسياسة.. 

وهكذا تُردّ «بطولته» إلى صدق الرسالة وقوة الحق لا إلى قوة السيف ومهارة الحذق والتدبير..


ومن دقائق عرضه أنه لا يفصِل بين شخصية النبي ونسق الدين الذي يدعو إليه؛ فالإسلام نظامُ حياة، وشريعةٌ كما هو عقيدة.. وهو يراه دين الصدق والعمل، يُقيم العلاقة بين الإنسان وربه على شرف المسؤولية، وبين الإنسان وأخيه على العدل والرحمة. ومتى نُظر إلى هذه الجملة عُرف سرّ الانتشار: وهو أنه توافقٌ بين رسالةٍ واضحةٍ واحتياجٍ إنسانيٍّ جارف. ثم هو يُشير إشارةً صادقة إلى بساطة العيش في سيرة صاحب الديانة، وهذه -عند المؤلف- علامةٌ لازمة: وهي أن البطل الحقّ يُشيد هيبته على هيبة الدعوة والامتثال متخففًا من رسوم الأبهة والفخار..

وعلى أن هذه الوقفة -على جلالة ما فيها- لا تُخرج كارلايل من حدود عصره، فهو ابنُ بيئته يتحفّظ تحفّظ أبنائها وهم يُقاربون الوحي؛ إلّا الإنصاف يقضي أن يُنبّه إلى ضعفه في التأصيل ثم أن يُذكر فضله حيث خصومُه يُجملون الشتم، وأن تُذكر جرأته حيث قومُه يُلجِمون الصدق.. ولقد سمّى «نبيًّا» من سمّاه غيرُه -في زمانه- «مُدّعيًا»، واحتجّ للصدق حيث جرى التقليدُ على التخرُّص..


ومن لطيف ما يتراءى في بنيته أن «البطل شاعرًا» و«البطل كاتبًا» و«البطل ملكًا» يَردّ بعضُهم بعضًا إلى «النبي» في المعنى وإن اختلف الاسم: فالشاعر عنده مُبصِّرٌ بالمعنى يُنزِّله في الصورة والألفاظ، والكاتبُ نذيرٌ يوقظ الضمير من رقدته، والملكُ -إذا صدق- قيّمٌ على العدل يدرأ الفتنة ويقيم النظام. فكأنّ «النبوة» عنده لبُّ البطولة وسائرُ الصور قشرتها مما بقي من أثر النبي في مجالات الفن والعلم والسياسة. وهذا وإن كان فيه توسيعٌ لمعنى النبوّة على وجهٍ لا نرتضيه فإنّه يُظهر وحدةَ ميزانه وهو أنّ «الصدق الفاعل» هو المعيار المستقيم.. 

وعندنا أن وحدة الميزان لا تُعفي صاحبها من خطأ التقدير في كل حين، ونحنُ نراه يُخطئ إذ يقول في فصله عن البطل في صورة شاعر: 

"والشاعر نوع من البطل لا ينفرد به عصر دون آخر جدير أن تنتجه أقدم العصور وأحدثها.

بطلٌ نبي شاعرٌ - إلى غير ذلك من شتى الأسماء نعطيها للرجل العظيم في شتى الأزمان والأمكنة وذلك حسب ما نرى بينهم من الفروق وحسب ما برعوا فيه من فنون الفضل وأبواب العلم وعلى هذه القاعدة يمكننا أن نعطي كثيرًا من الأسماء غير ذلك.

وإني لأوقن بأني لا أحسب أن هناك رجلًا عظيمًا لا يمكنه أن يكون عظيمًا في كل فن. فالشاعر الذي لا يستطيع إلا أن يجلس إلى يراعه وقرطاسه فينظم قصيدة مستحيل عليه أن ينظم قصيدة بارعة.

ولا أحسبه يجيد صفة الفارس الأروع إلا إذا كان هو نفسه فارسًا أروع ولا أحسب الشاعر الكبير إلا أنه يجمع في نفسه بين السياسي والمفكر والمشرّع والفيلسوف وأنه قد كان يمكنه أن يكون بل هو بالفعل كل هذه ثم لا أفهم لماذا كان يستحيل على رجل مثل «ميرابو» صاحب القلب الكبير المتوهج المتأجج نارًا المفعم دموعًا أن يكون شاعرًا ينظم القصيد والمبكيات التمثيلية والقطعات فيقرع بها القلوب والأكباد لو قد ساقته الأحوال والأسباب إلى ذلك والأمر الأولي الجوهري هو أن يكون الرجل عظيمًا. وإنّ فيما قاله نابليون لكلمات لا تقل قيمة عن أكبر وقائعه. وقد أذكر قواد لويز الرابع عشر فيخيل إلي أنهم كذلك شعراء وأن في كليات القائد «تورين» ما يماثل أقوال «سامويل جونسون» حكمة وبلاغة.

فالقلب الكبير والعين البصيرة هما رأس الفضائل وما كان لامرئ قط أن يجل ويعظم بغيرهما أو لا تذكرون أن الشاعرين «بترارك» و «بواكاشيو» كانا يقومان بأعمال سياسية فيحسنا القيام بذلك! أم لا تحسبون أن الشاعر «بارنز» لو قد جعله اللّٰه مكان «ميرابو» لأتى ما لم يستطعه ولا نعلم أي عمل من الأعمال كان شكسبير لا يؤديه على أكمل حال لو قد أسند إليه" 

وعلى أن كارلايل كان قد كبح جماح هذه الفكرة بعد هذه الفقرة مباشرةً إذ قال: 

"ولست أنكر أن لكل امرئ طبيعة خاصة واستعدادًا فطريًا وأن هنالك فروقًا في الغرائز ولكن فروق الأحوال والعلل أكثر وأكبر وما عظماء الرجال في ذلك الأمر إلا كأصاغرهم" 


إلّا أننا لا نحسب أنه أتى على ما جاء به مفصلًا بما استدركه على الإجمال، وقد أراد كارلايل المعنى الذي بثّه أولًا كما أراد المعنى الذي استدرك به تاليًا.. 

والنبوّة ليست اسمًا يُعطى على قدر المواهب والملكات، فهي حقٌ واصطفاء، وهي نعمة يهبها الله لمن يشاء.. وإذا استخلصنا النبوّة من فكرة كارلايل، نعود ونقول إنّ العظمة ثمرة توجيه القوى والسعي بمجامع الجهد، كما هي ثمرة الفرصة والاستعداد، وإنّ الناس متمايزون في مواهبهم واستعدادات فِطرهم وقلّ أن يكون العظيم في شأنٍ عظيمًا في كل شأن، وتظل هذه فكرةً يُعوزها التحقق ولا يعوزها تحقق نقيضها، إلّا أن يفصّل كارلاليل القول في العظمة، ونحنُ بعدُ نقبض الحديث ونرجئه إلى موضعٍ آخر لعلنا نفصّل فيه القول عن العبقرية لا العظمة.. 


يمضي كارلايل في عرض مادته عرض المحاضر الخطيب: فيُصعّد النبرة ويرسُل الفكرة، ثم يعاودها في صيغٍ متتابعة حتى تستقرّ. ومنهجه في الجملة يقوم على ثلاث دعائم: أولها أنّ التاريخ -في أرفع تجلياته- هو تاريخ النفوس العالية لا تاريخ المصادفات ولا تاريخ الاجتماع، والثانية أنّ هذه النفوس العالية تُقاس بقدر ما تبعث من حياةٍ في زمنها، والثالثة أنّ العبقرية «صدقٌ ملتهب» إذا نطق صدَّقه الفعل.. 

غير أنّ هذا الإيمان بالعظمة الفردية أهدف كارلايل لنقد النقّاد الذين رأوا فيما يقول مجازفةً لا تسوغ، ونقد النقاد يتجه لمثل الجمل التي يقول فيها كارلاليل: 

"إن التاريخ العام -تاريخ ما أحدث الإنسان في هذا العالم- إنما هو تاريخ من ظهر في الدنيا من العظماء فهم الأئمة وهم المكيفون للأمور وهم الأسوة والقدوة وهم المبدعون لكل ما وُفَقَ إليه أهل الدنيا وكل ما بلغه العالم وكل ما تراه قائمًا في هذا الوجود كاملًا متقنًا فاعلم إنه نتيجة أفكار أولئك العظماء الذين اصطفاهم اللّٰه وأرسلهم إلى الناس ليؤدي كلُّ ما ناطته به القدرة الإلهية من الخير"

والتي يقول فيها في موضعٍ آخر: 

"وليس تاريخ العالم إلا كما قلت مجموع سير أبطاله"


والذي يأخذه عليه النقّاد أن كارلاليل بذلك يُلغي أثر البيئة وعوامل الاجتماع، إذ رأوه يوشك أن يُغلِّب الرجل على العصر حتى تبدو الأمم جموعًا تنتظر المخلّص والمنادي..


ويأخذ النقّاد على كارلايل أنّه متأثّر بالفكر الألماني الذي يُمجّد القوّة والعصبية، ويدعو إلى التوسّع والغزو ونهب الأراضي وإخضاع الشعوب.. ونحنُ نسمح للنقّاد بنصيبهم من النقد ونعود لنقول إن كارلايل يعظّم في الأمة أخلاقها ويرى أن نصيب الحضارة من الرقي هو نصيبها من الروح والقوّة الأدبية، وأنّه يرى أنّ الأمم لا تُقاس بما تغنمه من الرقاع التي تتسع وتضيق بل بما تُنتجه من الآداب الباقية على الدهر. وأدلّ ما يدلّ على هذا في فكر كارلاليل هو رأيه حين اشترى شكسبير بالهند درّة التاج البريطاني، إذ قال: 


"أي رجل بل أي مليون رجل من رجالنا لا نجعلهم فداء شكسبير الذي هو أكبر مفاخرنا وأعظم مآثرنا - مفخرة نزهى بها على الأجانب وحلية يزدان بها صدر بريطانيا انظروا ماذا يكون الجواب إذا خيرنا بين أن نترك شكسبير أو بلاد الهند - أن نكون لم نمتلك قط شكسبير أو لم نمتلك قط إمبراطورية الهند أنا أعلم أن رجال السياسة والحكومة يفضلون الهند ولكنا نحن لنا الحق أيضًا في أن تختار ما نراه أفضل فنقول سواء حكمنا الهند أو لم نحكمها فلا غنى لنا عن شكسبير! ستذهب الهند يومًا ما ولكن شكسبير لا يذهب.

بل إن لشكسبير فضلا عن مزية المجد والفخار وتهذيب النفوس والأخلاق فائدة مادية عملية وهي أنه الجامعة الكبرى والعروة الوثقى لشتى طوائف البريطان في أنحاء المعمورة"


***


ثم لا بدّ من كلمةٍ في «عبادة البطولة» نفسها: فهل هي تعظيمٌ للرجل أم توقيرٌ للقيمة التي يقوم لها الرجال؟ إنّ كارلايل يَصِفُ «العبادة» اسمًا ويقصد «التوقير» معنى؛ فهو يريد أن يخلّص الجماعة من عبادة العدد والآلة إلى احترام المثال الحيّ الذي يُجسِّد لها الضمير ويقيم لها ما ينبغي أن تتمثّله وتتغيًاه.. فإذا جاوزت العبادةُ معناها إلى وثنية الشخوص نقضت غرضه من أصله؛ إذ البطل عنده وسيلةٌ إلى الحقيقة لا واسطةٌ للتعبد.. وتلك كلمةٌ إن حملناها على وجهها صلح منها بعضُ ما يَعيبه الناس عليه من الغلوّ للفرد..


الخلاصة أنّ كتاب «الأبطال» بيانٌ في قيمة الصدق المبدع في التاريخ، وأن فصل «البطل نبيًّا» في دفاعه الجريء عن صدق رسالة محمد ﷺ وسموّ أخلاقه وبداهة أثره_ هو ذروة هذا البيان وأقواه برهانًا. وفي الكتاب ما يُؤخذ، نعم.. يؤخذ عليه ميلٌ رومنطيقي إلى تغليب الفرد، وإغضاءٌ عمّا تصنعه النُّظم والفواعل في تشكيل المصائر. ولكن فيه، كذلك، كثيرًا مما يحسن أن يبقى: ومنه أن العظمة كلمةٌ من كلمات الأخلاق قبل أن تكون لقبًا من ألقاب التاريخ، وأن الرسالة الصادقة -إذا نهض لها رجلٌ صادق- تُنشئ أمةً من العدم، وتبدّل مجرى التاريخ حين لا يُفيد ضجيج النظريات.. ومقتضى العزل في قراءة كارلايل تدعونا إلى أن نأخذ عنه «ميزان الصدق في تعظيم الكبار» وأن نطّرح منه الغلوّ في الفرد، ثم تدعونا بعد ذلك لأن نقف -حيث وقف المؤلف- إجلالًا للحقيقة حيث ظهرت، وإن أنِفَ منها عصرٌ أو قوم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...