التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سارة

 «سارة»

لعبّاس العقّاد. 


إذا أردنا التعريف بالعقّاد دون تخصيص بحال فإنّا نطيل في ذلك، وليس العقّاد ممن يحتاج إلى تعريف لكننا إذا أردنا أن نعرّفه كاتبًا لـ "سارة" فإننا نحسب أننا نفي بمقصودنا إذا قلنا إن العقاد عقلٌ جبّار وقلمٌ جبّار، وهو يريك في "سارة" كيف يهوى العقل الجبّار وكيف يصف الحبَّ القلمُ الجبّار ومع ذلك كيف تجانف الطمأنينة في الحُب كل النفوس الجبّارة.. ثمّ نزيد على حد الوفاء حين نقول إنّ العقّاد أحب نساءً ومات بعد عمر طويل وحياة عريضة عزبًا من دون زوج.. 

فإذًا فقد كانت "سارة" قصّة حُبٍ ممتازة وقصة حب عاثر ونحسبُ أننا نستكثر من الأوصاف إذا قلنا إنها قصّة حب ممتازة وإنها قصة حُبٍ عاثر، لأنّ أحد الوصفين إذا عرض للأديب الممتاز فإنه يكفيه عن الثاني، أو لأن الحب العاثر هو الذي يجد فيه الأدباء ما يُروى ويجد فيه الناس ما يقرؤون، فإن لم يُسعد القدر بتمام الحُب فليكن نصيب صاحبه منه أن يقترن به على الدهر.. 

ولئن كانت الروايات تمتدُّ طولًا وعرضًا فإن "سارة" من النزر القليل الذي يمتدُّ عمقًا ليرتدّ في الآفاق..


«سارة» كتابٌ لا يُقرأ على أنه «قصة غرام» تُطوى أخبارها كما تُطوى حكايات السمر، فهي من أخلص القصص بأن تُقرأ على أنها محكمةٌ باطنة عُقدت جلساتها في قلب إنسانٍ يُحسن أن يشهد على نفسه بميزانين معًا: ميزان العقل الذي لا يُجامل، وميزان الوجدان الذي لا يسكت عن الإلحاح.. فمن الحق على القارئ إذن أن يدخل «سارة» دخولَ من يقصد درسًا في طبائع الحبّ والغيرة والشكّ، لا دخولَ من يتطلّب عقدةً تُحاك وحبكةً تُفكّ. وأحسب أنّ أول ما يُلقيه الكتاب في روع قارئه هو أنّ صاحبه لم يكتب «حكاية» ليُرضي بها رَغَبًا من الأدب، بل كتب «حُجّة» ليُقيم بها فِكْرًا من الفكر؛ وأنه لم يُنشئ روايةً ليتخفّى في القصص المُوهمة، بل ليظهر للعيان كما لا يظهر المرء في غير حين إلا في شيءٍ من الدثار.


والمدخل الصحيح إلى هذا النص يكون حين نضعه حيث وضع صاحبه نفسه: حيث تغدو العاطفة موضوعًا للفحص، ويغدو الفحصُ نفسهُ جزءًا من العاطفة. فالشكّ في هذه الصفحات يفارق الشك الذي يكون نزوةَ موسوسٍ وعلةَ قلبٍ جبان؛ إلى ضربٍ من الشك، هو منهجُ امتحانٍ يتوخّى التمييز بين حبٍّ يصمد إذا تغيّر الوجه وتبدّلت الساعة، وحبٍّ يَخبو إذا انطفأ بريق اللحظة. ومن الحقّ أن يُقال: إن الشكّ هنا لا يهدم اليقين وإنما ينقّيه، ولا يُطفئ الجذوة ولكن يخلّصها من دخان الوهم ورماد العادة. لذلك يعمد الكاتب إلى كل دليلٍ صغير: فيفتّش في موعدٍ موقوت، وفي نظرةٍ للمرآة، وفي كلمةٍ متمارضةٍ على الشفتين، فيردّ كل ذلك إلى أصلِه النفسي ويستخرج منه حكمًا عامًّا في طبائع الألفة والغيرة والرقابة.


ولعلّ موعد «الخامسة مساءً» خير رمزٍ لطريقة هذا العمل؛ فهي عند ظاهرها ميقاتٌ للقاء، ولكنها عند باطنها شعيرةٌ للعاطفة تُؤذّن في القلب بالانتقال من حالٍ إلى حال: فمن تردّدٍ إلى اقتحام، ومن حذرٍ إلى تجربة. وهذه «الشعائر» -وهي المواعيد والرسائل واللقطات- ليست زينةً ولا تطرية وليست هي من أوطار الشهوة والغواية، فهي من هندسة الشعور؛ إذ تجعل للحبّ طقوسًا تحفظه حين يشتدّ عليه تيار الشكّ.. ومن هنا نعلم أنّ العادة في الرواية ليست خصمًا للعاطفة على الدوام، فقد تكون لها جُنّةً ووقاية، وقد تنقلب عليها إذا انفردت بها حتى تُضيّق عليها منافذ الحرية..

كانت رواية "سارة" فلسفةً في المرأة وفلسفةً في الحُب ولكنها كانت فلسفة الشكوك أكثر منها فلسفةً في المرأة والحب على السواء.. 

ولكنّ فلسفة الشك لم تخلص لعمل العقل وحده كما أنها لم تخلص لعمل العاطفة كل الإخلاص فظلّت فلسفةً تعمل فيها نوازع النفوس عملها في توجيه العقول ويعمل فيها منطق الفكر عمله في تقييد الرغبات والأهواء.. 

كانت الرواية منذ مبدئها إلى منتهاها في الشكوك، فقد عقد العقاد فصلًا في بداية الرواية أسماه "الشكوك" ثم أردفَه فصلًا أسماه "علاج الشك" ثم مضى في الرواية حتّى إذا اطمأننا إلى أنّه قد استفرغ وسعه في وصف الشك وقد انعطف عنه لوصف حبّه وهيامه عاد وكتب فصلًا قبل خاتمة الرواية أسماه: "لماذا شكّ فيها؟".. لقد كانت -ولا شك- شكوكًا لا تدع لصاحبها معقولًا ولا اطمئنانًا، وهي شكوك يصفها العقّاد حين يقول: 


"كانت شكوكًا مريرةً لا تغسل مرارتها كلُّ أنهار الأرض وكل حلاوات الحياة: كانت كأنها جدران سجن مظلم ينطبق رويدًا رويدًا ولا يزال ينطبق وينطبق وينطبق حتى لا منفس ولا مهرب ولا قرار، وكثيرًا ما ينتزع ذلك السجن المظلم طبيعة الهرّة اللئيمة في مداعبة الفريسة قبل التهامها فينفرج وينفرج وينفرج حتى يتَّسع اتساعَ الفضاء بين الأرض والسماء ثمَّ ينطبق دفعةً واحدةً حتى لا يمتدَّ فيه طول ولا عرض ولا مكان للتحوُّل والانحراف" 


وحقيقٌ بمن كان هذا نصيبه من الحُب وهذا نصيبه من وداعة النفس واستقرارها وبمن كان هذا نصيبه من علائق النساء أن يسيء الظن بالطمأنينة، وقد كان "همّام" كذلك، فقطع من أجل ذلك مداخل القرار إذ قال:


"اثنان لا يشكان في المرأة التي يحبانها، وباب الشك فيها مغلق عندهما: شابُّ في مقتبل أيامه، مخدوع في أحلامه، مؤمن بقداسة الحبيبة على منوال عصور الفروسية يرتفع بها إلى سماء الطهر، ويكبرها أن تخون ويكبر نفسه في الحقيقة أن يُخَان (…) والآخر رجل مطموس البصيرة مملوء الخياشيم بالغرور والدعوى، يؤتى إليه أنه حَسْب المرأة من أمنيةٍ ومطمعٍ، فلا منصرف لها عنه، ولا معدى لها إلى غيره" 


وهمام مطعونٌ في اعتداده ويقيس الناس على نفسه، فمادام أنّه حسب المرأة جمالًا واعتدالًا وقوة ولم يهدهِ هذا إلى الاستقرار؛ فلا بدّ إذن أن تكون خيانة المرأة ليست بالشيء النافر المستعصي على تكوينها وفطرتها، لأنّها ترى فوق كل جميل جميلًا وفوق كل سريٍ سريًا وفوق كل قويٍ قويًا، لا بل هي قد تخون ولا تحتاج للمفاضلة، لأنها تخون مخدوعةً في اختيارها كما تخون مصيبةً في اختيارها! 


ثم تكون فصول الرقابة وحيلها، و«الرقابة» -وهي فصلٌ قائم بذاته في بناء الكتاب- تُعرض هنا على حقيقتها: نِعمةٌ إذا ضبطت، ونقمةٌ إذا تجاوزت الحدّ حتى تُفسد لذّة اللحظة قبل أن تبدأ.. فصاحبنا لا يُسيء ظنّه بالمرأة لأنّها امرأة، ولكنّه مع ذلك لا يُقيم التهمة على النفس لأنّ من طبعها أنها قد توسوس؛ فيتخذ بين ذلك وسيطًا ويجرّب «عينًا ثالثة» تراقب العلاقة من خارجها، فإن هي كذّبت الشكوك ردّت الغلوّ إلى الاعتدال، وإن هي صدّقتها أهدرت السرور وشيّدت بين القلبين حجابًا لا تنفع معه المعاذير.. ومن دقّة الفنّ أنّ الكاتب لا يكتفي بقول ذلك قولًا مرسلًا، فهو يجعله مشهدًا محسوسًا: فهذه مرآةٌ تتحرّك أمامها المرأةُ فينتقل إلى الرجل خاطرٌ بعد خاطر، حتى يغدو الخاطرُ حجابًا، والحجابُ خصمًا، والخصمُ سببًا إلى نفورٍ لا ينفع معه حوار..

وقد صحّت الرقابة عند "همام" -الذي هو العقّاد- بعد لأي وطول حيرةٍ وتفكير، فكيف تكون الرقابة؟ ومن يكون الرقيب، أيكون أجيرًا يُنقد على وظيفته؟ فمن يضمن له صدق الرقيب؟ فهو إذن يحتاج على الرقيب إلى رقيب! أم أنّه يختار للرقابة الصديق الصدوق الذي يؤمن بالحقيقة التي يطلبها ويرى أنّها حقيقةٌ بالعناء؟ وما الذي يضمن للصديق من صديقه أنّه لا يقصّر؟ هي إذن حيرةٌ على حيرة لا تنقضي حتّى تنقضي جدوى الرقابة في الحب.. 


وأمّا «حُبّان» وهو بابٌ دقيقٌ من أبواب الكتاب- فإنّ فيه تحليلًا لتعدّد منابع الوجد في النفس الواحدة.. فالإنسان قد يطلب من امرأةٍ جمالَ الحضور وفتنةَ البديهة، ويطلب من أخرى أمنَ الأُلفة وسكينةَ الصحبة، فهما إذًا شعوران لا يتعارضان في مبدئهما وإن تعارضا في مُقَامهما ونتيجتهما.. وهنا يضع النص قاعدةً لا يَحسُن بالقارئ أن يَحملها على غير وجهها وهي أنّ اجتماع حُبَّين «من نوعين» في قلبٍ واحدٍ أمرٌ معهود بطبائع النفوس، أما اجتماعُ حُبَّين كاملين من «نوعٍ واحد» في زمنٍ واحد فمحالٌ أو كالمحال، إذ الواحد منهما يَجبُّ الآخر إذا بلغ غايته..

يقول  العقاد في مطلع الفصل: 

"وقد يميز الرجل امرأتين في وقت واحد. لكن لا بد من اختلاف بين الحبين في النوع أو الدرجة أو في الرجاء.

فيكون أحد الحبين خالصًا للروح والوجدان ويكون الحب الآخر مستغرقًا شاملًا للروحين والجسدين.

أو يكون أحد الحبين مقبلا صاعدًا والحب الآخر أخذًا في الأدبار والهبوط.

أو يكون أحد الحبين مغريًا بالرجاء والحب الآخر مشوبًا باليأس والريبة.

أمّا أن يجتمع حبان قويان من نوع واحدٍ في وقت واحد فذلك ازدواج غير معهود في الطباع لأن العاطفة لا تقف دون المدى ولا تغرف الحدود وإذا بلغت مداها العاطفة جبّت ما سواها!"


وفي هذا التحديد من الدقّة ما يُخرج القول من عمومٍ يُلبس إلى فصلٍ يَعدل..

وليس من تمام القراءة أن نقف عند الرجل وحده؛ فإن للمرأة في هذه الصفحات صورتين متقابلتين تُستخرج منهما «أنواع» لا «أشخاص». فهناك المرأة التي تُغني عن التعريف لأنها تُعرِّف نفسها بالحضور: وبحِسٍّ مُستيقظ، وقَدٍّ يتدلّل، وطبعٍ يجيد اللعبَ على حافة البراءة؛ وتلك هي التي تُشعل وتُربك وتدفع صاحبها إلى الاستقصاء والرقابة وهي التي تُغري بالتمنّع وتُرهب بالفوات. وهناك المرأة الأخرى التي لا تقلّ عن الأولى أنوثةً ولكنّها تُسلمك قيادها إلى «أدبٍ عاقل» ، وتُقيم للوفاء وزنًا لا تحسن الأولى أن تُقيمه وتُغري بالسكينة والحنان وتغري بالطمأنينة والوئام. وليس المراد أن تُفضَّل واحدةٌ تفضيلًا مُطلقًا؛ بل المراد أن يُقال للقارئ: إنك إن أحببتَ الأولى فخذ من العقل حارسًا، وإن أحببت الثانية فأقم على الفضول رقيبًا، ولا تُخاصم الطبيعة فيما قسّمت من طباع.. 


ومن طريقة هذا العمل أعني الرواية_أنه يقيم "الرسالة" مقام الحوار.. ويقيم البرهان مقام الخطاب. فالكاتب يكتب إلى الصديقة ليُقيم عليها الحُجّة لا التوبيخ، ويشهد بما سمع من لسانها وما رأى من حالها، ثم يقيس ذلك على مقياسٍ أخلاقي، وهذه الصناعة هي من خصائص هذا القلم إذ يحيل الميلَ الخاص قاعدةً عامة، ثم يمتحن القاعدة في أمثلةٍ أُخَر كيلا يستبدّ بها الحال الواحد.


وفي الرواية «فنّْ» يلوح حيث يتوهّم بعض الناس أنه غائب؛ فقد يُقال: أين الحبكة والعُقَدُ والحلول؟ والجواب هو أن الحبكة هنا نفسيةٌ لا حادثية، وأن العقدة قائمةٌ في داخل القاضي لا في الخصوم. فالفصول عناوين لمسائل هي: «علاج الشكّ»، و«الرقابة»، و«حُبّان»، و«لماذا شكّ فيها؟»، وكل عنوانٍ بيانٌ بنقطة في مذكرة دعوى، يمضي بها الكاتب فصلًا فصلًا حتى يبلغ حكمَه الأخير حيثُ فصله: «جلاء الحقيقة» وهذه الطريقة تُعطي الفنّ فضيلةً أخرى: فضيلة أن يكون «معملًا للفكرة» لا مستودعًا للمفاجآت.


ولست أزعم أن النص سالمٌ من المآخذ، لكنّ المآخذ عندي غير مآخذ من يطلب الرواية على مثال المصادفات والعقبات الظاهرة وغير مآخذ من يشكو من قلة «الأحداث» وكثرة «المحاكمات».. لأنّي أحسبُ أنّ الإنصاف يقتضي أن يُجعل هذا المأخذ سرّ القوة: فالرواية التي تُغريك بغزارة الوقائع سرعان ما تُنسى وقائعُها، أما الرواية التي تُقيم في النفس قاعدةً تُجرّبها في حياتك - كمثل قاعدة الشكّ حين ينفع، والرقابة حين تضرّ، والتمييز بين نوعَي الحبّ- فهذه هي التي تلبث لأنّها صارت جزءًا من أدوات النظر، لا مجرّد قصة تُروى.. ومن الحقّ أيضًا أن يُقال: إن اللغة في «سارة» لغةُ عقلٍ يُمسك بالعاطفة من وسطها، لا يرخى لها العنان ولا يُوثقها توثيقًا يُميتُها.. ولغتها لغة العقل في الأدب فهي موجزةٌ إذا وجب الإيجاز، مطوّلةٌ إذا احتيج إلى الاستقصاء، قليلةُ الزخرف كثيرةُ الدلالة؛ ولو زِيد فيها من السجع ما يُطرب، لنقص منها من البرهان ما يُقنع.. 


ولعلّ أجمل ما يُقابل فيه القارئ هذه الصفحات أن يرى الغيرة السويّة على حقيقتها فلا تكون هياجًا يُنقِص من قدر المحبّ، ولا عذرًا يُقنع به المتحذلق نفسه بعد أن يفسد عليه الطمأنينة؛ وإنما هي في حال الاعتدال حارسُ القيمة في العلاقة، فإذا استفحلت وجاوزت قدر الاعتدال استحالت حيلةً تُغري موضوعها بالترخّص والإهمال ما دامت الحجة قادرةً على أن تستدعي شاهدًا في كل حين.. 

هناك تُرى الفكرة في أصدق ما تكون تمثيلًا: كيف يُحسن الهوى أن يصطنع «المنطق» ليسوّغ لنفسه ما لا يرضاه لو رآه بعينٍ غير عينه..


ولقد كانت سارة امرأة معروفة مقطوعٌ بها عند من تحدّث عن سيرة العقّاد وعن نصيب الحب في حياته وكذلك كانت هند، ولكنّ مما يحسن تثبيته أن «سارة» كما أرادها العقّاد-  على ما فيها من خصوص القصة -ليست شخصًا بعينه بقدر ما هي «علامة» على نوعٍ من العاطفة، وأن «الصديقة» الأخرى كما يصوّرها العقّاد ليست سيرةَ امرأةٍ بعينها بقدر ما هي «نموذج» لنحوٍ من الألفة والراحة. 

بهذا التعميم المنضبط يخرج النص من كونه اعترافًا لفرد إلى كونه درسًا في الإنسان، ويجتاز بأن يكونَ ذكريات كاتب إلى أن يكون قواعد قارئ يجرّبها كلُّ من شاء أن يزن قلبه بميزانٍ لا يَحيف.


فإن سأل سائل: ما خلاصتك؟ قيل: إن هذه الرواية تُعلّم القارئ أن الشكّ -إذا حُمل على قانون الإنصاف- يَزيد الحبّ قوةً لأنه يُنقّيه، وأنه إذا جاوز الحدّ قَتَل موضوعه لأنه يُسمّمه.. وأن الرقابة — إذا كانت «نظرة الصيرفي» — صقلت جوهر العلاقة، وأنها إذا صارت وسواسَ المحقّق أهدرت السرور قبل أن يُولد.. وأن القلب قد يسع من الحبّ أكثر من صورةٍ واحدة، على أن تُميَّز الأنواع والمراتب والآثار، فلا يُدّعى في التعدّد ما هو من شأن الوحدة، ولا يُحمل على الوحدة ما هو من حقّ التعدّد..

وإذا انتهت القراءة عند هذا الحدّ، فليس من البعد أن يُقال إن رواية «سارة» -بما هي عليه من صرامةٍ في الفكر وصدقٍ في الاعتراف وبراعةٍ في تطويع اللغة لخدمة الحُجّة- كتابٌ يُضاف إلى طائفة الأدب التي تُنشئ في القارئ عادةَ التفكّر لا عادةَ التلهّي. فهي مرآةٌ مصقولةٌ تُريك من نفسك ما قد لا ترغبه، وتحملك -شاء قلبك أم أبى -على أن تُقيم في داخلك جلسةً أخرى من جلسات تلك المحكمة التي افتتحها صاحب النصّ على نفسه. ومن عرف نفسه على هذا الوجه، عرف الناسَ، وعرف الحبَّ، وعرف أن الرواية الحقيقية قد تكون ميزانًا للأخلاق وأنّها أثبت أثرًا في النفس من مائة حكاية تُبهج ساعةً وتترك بعدَها فراغًا طويلا..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...