نحسب أنّ الآداب العربية ما زالت محتاجة لدراسة الآثار النفسية في اللغات الأجنبية، وما زلنا نحسب أن أدواء العصر التي أنتجتها الحضارة يستعصي علاجها بأدوية الحضارة، وأننا محتاجون لتنقية علوم العصر واستثمار خبراته لزيادة رصيد معرفتنا بها وبعلم النفس الحديث خاصةً، لأنّ في تراثنا ذخيرة ممتازة في علاج النفس ووقايتها من الأدواء فنحنُ أحرى بالشمول وأقرب إليه، ونحنُ محتاجون إلى كل ذلك لتقريب حلولنا للناس لتكون لنا المشاركة التي تمكننا بعد حين من الريادة..
وقد أحسن محمّد بدران وأحمد محمد عبدالخالق بك في اختيار كتاب "الحياة النفسية" كما أجادا في نقله إلى العربية بلغةٍ واضحة صحيحة.
وهو كتابٌ نافعٌ على شرط التخليص، وصاحبه ألفرد آدلر؛ رجلٌ عُرف في تاريخ التحليل بأنّه ردَّ النظر من الجزء إلى الكلّ، ومن الدافع الواحد إلى الغاية العاملة، وخالف مدرسةً جعلت الشهوة أصلًا يسوق العقل سوقًا، ومدرسةً نفخت في الأسطورة حتى غدت سلاسلَ في أعماق الوعي؛ فقال قولًا فصلًا، وجعل الأصل في الإنسان أنّ له قصدًا يتوخّاه وجماعةً ينتسب إليها، وأنّ نفسه -على اختلاف وجوهها- وحدةٌ عاملة تتجاوز نقصًا وتستشرف كمالًا تتصوّره.
وآدلر (1870-1937) طبيبٌ عقلي نمساوي، انضم لحركة التحليل النفسي التي أقامها سيغموند فرويد وتأثر بعض أفكاره ثمّ انشقّ عنه وأسس مدرسة علم النفس الفردي، وهو في انشقاقه أقرب إلى سواء الفطرة.
ولا بدّ هنا من كلمة موجزة لبيان الفروق بين مذهبه ومذهب فرويد..
فالفرق بين آدلر وفرويد في التحليل النفسي خاصةً ليس فرقًا في الفروع التي تُضاف إلى أصلٍ واحد، فالاختلاف بينهما هو اختلافٌ في المنطلق والغاية معًا وإن تشابهت السبل والمناهج. فإذا أردنا أن نعرض هذا الفرق على أسلوبٍ محكمٍ كما يليق، قلنا:
إنّ فرويد ردّ كل حركة للنفس إلى ماضٍ يُسيِّرها، وخصّ هذا الماضي بالشهوة الجنسية، فجعلها «الأصل الجامع» الذي يخرج منه الفكر والفنّ وتخرج منه العُقد والأحلام. أمّا آدلر فقد أبى أن يَحبس النفس بأصفاد الماضي، وقال: إن العِلّة ليست في ما كان، بل في ما سيكون؛ فالسلوك عنده يُفهم بالغاية التي يقصدها الإنسان، لا بالحادثة التي وقعت له في طفولته. فالإنسان عند فرويد أسير لما مضى، وعند أدلر صانع لما يُرتجى.
وفرويد يرى أن الشهوة أصل الدافع، فإذا قُمعت تحوّلت إلى عقدٍ وأعراض. أمّا آدلر فاعتبر أن شعور النقص هو الأصل الذي يولّد الحركة: فالطفل يولد ضعيفًا ثم يتخذ حياته سعيًا للتعويض، وكل ما يظهر من تكبّر أو عدوان أو انزواء إنما هو صورة من صور هذا النقص إن لم يُهذَّب. فبينما يقيم فرويد الإنسان على غريزة، يقيمه آدلر على حاجةٍ إلى الكمال.
وفي نظر فرويد: يكون الفرد هو محور التحليل، وما الجماعة إلا امتداد لعلاقاته الأولى بالوالدين. أما آدلر فجعل للفرد معنى لا ينفصل عن الجماعة، وقال إن معيار الصحة النفسية هو «الاهتمام الاجتماعي»؛ أي أن يدخل المرء غيره في حساب سعادته..
بهذا أعاد للنفس بُعدها الأخلاقي والاجتماعي، حيث أغفل فرويد ذلك وأبقى على الفرد في صراعه الداخلي..
فإذا أردنا عبارة جامعة تُلخّص لنا الفروق قلنا: إنّ فرويد جعل الإنسان عبدًا لغريزةٍ ماضية، وأما آدلر فقد جعله سيدًا لغايةٍ مقبلة..
وفي هذا الكتاب الذي بين أيدينا يقرّب آدلر بضاعته من القارئ على قدر ما يستطيعه من التقريب، ولكنه لا يُسقط من الحجّة وزنها. ويُقدّم للقارئ أصلًا يُبتلى به أمر نفسه: وهو أنّ شعورَ النقصِ بابُ الخروج إلى الدنيا؛ فإن عالجه بالاقتدار ارتقى، وإن عالجه بالمغالطة تمكّن منه نقصٌ يتقنّع بالعُجْب حينًا وبالعدوان حينًا وبالانزواء حينًا ثالثًا..
وعلى هذا الأصل قرّر قاعدته المشهورة، وهي أنّ السلوك -في سوائه واعتلاله- يُفهَم بما يرمي إليه لا بما جرى قبله؛ أي أنّه يُفهم بغاياته أكثر مما يُفهَم بأسبابه، فالعِلّةُ عنده غايةٌ متخيَّلة وليست سببًا ماضيًا فحسب. وعلى هذا الميزان يُفسِّر حلم النائم، وزلّة اللسان، وخطأ الغضبان، وحتى شكوى الجسد إذا كثرت أوهامها وخفيت عللها؛ فهذه كلُّها خيوطٌ في نسيجٍ واحدٍ اسمه «أسلوب الحياة» يتخذه المرء -بعلمٍ أو بغير علم- سلّمًا إلى تفوّقٍ يطلبه أو إلى وضعٍ يرتضيه..
ومزية الكتاب أنّ صاحبه يُلحُّ في رد الفرد إلى الجماعة وإلى الأسرة والمدرسة والمهنة والمدينة. ويضع معيارًا أخلاقيًّا سديدًا هو الاهتمام الاجتماعي أو روح المعية: وهو أن يقوى في الإنسان شعوره بالانتماء والنفع، وأن يرى فضله في قدرته على المشاركة لا في حِيَل الأثرة والانزواء.. بهذا المعيار يزن آدلر الصحة النفسية: فالسويّ من أدخل غيره في حساب سعادته، والمضطرب من يجعل الناس جميعًا خصومه في ميدانٍ لا حُكم فيه إلّا حُكم الغلبة والإقصاء.. ومن هذا المعيار توصف خطة العلاج والتربية: فليس العلاج نبشًا لا ينتهي في طيّات الماضي، ولكنّه تشجيعٌ يُعيد الثقة إلى موضعها، وتربيةٌ تُخلّص الطفل من فساد الدلال وفساد القهر، لتنشأ فيه ملكة الاعتماد على النفس والانتماء للجماعة.
وآدلر يرى أنّ ما يصدق على الطفل الصغير من ضعفه الذي يضطره إلى أن يعيش في أسرة هو ما يصدق على الناس كلهم فيضطرهم إلى العيش في جماعات، لأنهم يُحسّون من أنفسهم العجز ويدركون ضعفهم في مواجهة الظروف فرادى، وإذًا فضعف الفرد هو منشأ الحياة الاجتماعية، ومن أجل ذلك كانت الأنواع الضعيفة تعيش في قطعان وتمارس الحياة زُرافات. وأمّا أفراد الأنواع القويّة فتستقل في التنقل والصيد وتُسارع في الانفصال عن الأسرة الصغيرة.. فإذا كانت نقيصة الفرد في النوع الإنساني لازمةً له بالوراثة، كان لزامًا أن يكون من غرض علم النفس:
"أن يُعوِّد الناس أن يعيشوا مع غيرهم على أحسن حال ليستعينوا بذلك على تخفيف آثار نقصهم الطبيعي. وإن تاريخ الرقي الاجتماعي ليقص علينا كيف يتعاون الناس ليتغلبوا على ما فيهم من ضعف ونقص، فما من أحد يجهل مثلاً أن اللغة من اختراع المجتمع، ولكن قلة من الناس من يدرك أن النقص الفردي هو سبب هذا الاختراع. وتظهر هذه الحقيقة في سلوك الأطفال الأُوَل، فهم إذا لم تشبع رغباتهم حاولوا أن يلفتوا الأنظار إليهم بلغة من نوع ما، أما إذا لم يكن الطفل في حاجة إلى أن يلفت نظر غيره إليه، فإنه لا يحاول الكلام قط، وهذه حال الطفل في الشهور الأولى من حياته حين تجيبه الأم إلى كل ما يحتاجه قبل أن يتكلم"
وإذا قد تحدّث آدلر عن عُقدة النقص وما لها من تأثير في حياة الأفراد، وما لها من فضيلة إذا تخلّص الناس منها، عطف الحديث إلى عُقدة التفوّق.. فإذا كان لكل عرض من أعراض الأمراض ماضيًا ومستقبلًا، فإنّ مجال عقدة النقص وضعف الكفاية إنما يكون في الماضي ولذا يكون الاهتمام بعقدة النقص هو اهتمامٌ بالبدايات، في حين أنّ الاهتمام في عقدة التفوّق إنما يكون في مجال الاستمرار الذي يصل بين الماضي والمستقبل.. ومن أجل ذلك كانت كل عقدة تفوّق منطوية على عقدة نقص..
ورغبة التفوّق عند آدلر هي دافع الإنسان للعمل، وهي محرّك الحياة، ولا يخلو منها الكسالى الخاملون وهم يُظهرون تفوقهم من جهة كسلهم فيُفسحون المجال لاحتمال التفوّق فيُدلّون بما قد ينالونه لو لم يكونوا كسالى، وهو إدلالٌ كاذب ولكنّه يُرضيهم.. وكذا الشأن مع الضعفاء إذ يسعون إلى التفوّق بضعفهم:
"والأشخاص المعتوهون المحزونون يكونون موضع اهتمام أسرتهم على الدوام، وفيهم نرى ما لعقدة النقص من سلطان، فهم يشكون من أنهم يشعرون بالضعف وينقصون في الوزن وما إلى ذلك، ولكنهم رغم هذه الشكوى أقوى الناس، لأنهم يسيطرون على الأصحاء. ولا ينبغي أن يثير هذا دهشتنا لأن ثقافتنا الحاضرة تمكن الضعفاء من أن يكونوا أقوياء مسيطرين، (ولو أننا سألنا أنفسنا عن أقوى شخص في ظروفنا الثقافية الحاضرة لكان الجواب المنطقي أنه هو الطفل، لأنه يسيطر على الناس ولا يسيطر عليه أحد)".
ثم يُلقي آدلر بنظره في الأسرة حيث تنعقد أُولى العُقَد وأُولى الفضائل؛ فيلتفت إلى ترتيب المواليد وأثره في التنشئة والتكوين: فالأكبر يتعلّم القيادة والذود عن منزلته وربما نزع إلى التسلّط، والأوسطُ يتدرّب على المنافسة لأنّ له من أخيه مثالًا يُنافسه، والأصغرُ يتقن حيلة الاستحواذ، والأوحَدُ يوشك أن يُصاب بداءِ العروش إذا طال عهده بالدلال.. وهذه الرسوم قدرها العادل أن تكون تنبيهات للوالد والمربّي ليزن في التربية بين الحق والواجب كي لا يفسد الطفل بتغليب أحدهما على الآخر..
وعلى هذا يقيس آدلر اضطرابات العصر التي تنشأ من خطأ التربية: كاضطراب الخجل من الاجتماع أو الرهاب الاجتماعي كما يُسمّى، واضطراب العدوان المتفلّت، والتذبذب بين الإقدام والإحجام؛ وعلاج هذه الاضطرابات: ردّ الفرد إلى جماعته ردًا صالحًا، في نادٍ أو عملٍ أو مشاركةٍ نافعة، حيث تمتد اليد إلى الأيدي فلا تنفرد ولا تُقصِر.
ويقيم آدلر التشخيص بالذكريات القديمة في فصل مستقل، ويثق بجدواها ولعلّه يُبالغ كثيرًا في ثقته، فنراه يقول:
"وإذا أردنا أن نعرف أسلوب حياة شخص ما، صغيراً كان أو كبيراً، وجب علينا بعد أن نستمع قليلاً إلى ما يشكو منه، أن نسأله عن ذكرياته القديمة، ثم نوازن بينها وبين ما يذكره من الحقائق الأخرى. وأسلوب الحياة لا يتغير قط في معظم أجزائه، فالشخص الواحد يظل هو بعينه محتفظاً بشخصيته وبوحدته. وقد سبق القول إن أسلوب الحياة يتكون من طريق السعي وراء هدف للتفوق خاص، ومن أجل ذلك يجب أن نتوقع أن تكون كل كلمة، وأن يكون كل عمل وكل شعور جزءاً أساسياً من خط العمل كله. ويكون خط العمل هذا في بعض النقط أوضح منه في البعض الآخر، ويحدث هذا على الأخص في الذكريات القديمة"
ويُعلي آدلر كذلك من شأن التشخيص بالاتجاهات العقلية والحركات الجسمية، فيحكم على الشخص من طريقته في الوقوف والمشي والحركة والكلام وما إلى ذلك، ويرى في تقويس القامة وطأطأة الرأس: جُبن القلب وانخلاع الفؤاد، ويزعم أنّ الذي يُبالغ في انتصابه يشعر في قرارة نفسه بأنّه دون ما يُظهر من العظمة.. ويرى في الذي يعتمد على الأشياء فيتكئ على المناضد والكراسي: تواكلًا وضعف اعتدادٍ بنفسه.. ويقول:
"ومن الطريف أيضاً أن نلاحظ أسلوب الطفل في الاقتراب من أمه، لأن ذلك الأسلوب يدل على درجة اهتمامه الاجتماعي ودرجة توافقه مع المجتمع، ويعبّر عن مدى ثقة الطفل بالناس. وسنرى أن الشخص الذي يأبى الاقتراب من الناس وينأى بجانبه عنهم يكون أيضًا متحفظًا في غير ذلك من الأمور، فنجده مثلاً قليل الكلام كثير الصمت لدرجةٍ غير مألوفة"
ويكره آدلر الخجل ويراه في الطفل علامةً تُنذر بالخطر الشديد ويرى أنّ هذا الخجل بحاجة إلى إصلاح لأنّه كفيلٌ بإفساد حياة الطفل من أولها إلى آخرها، لأنّ الثقافة السائدة، كانت قد نظّمت الأمور على نحوٍ يجعل الجُرءاء وحدهم هم الخليقون بالحصول على خير النتائج وخير النعم، ولأنّ الحيي الخجول لا يحتمل الهزيمة احتمال الشجاع، ويرى أنّ الأطفال الخجلين لابدّ مصابون فيما بعد بالأمراض النفسية أو بالجنون.
ويمضي آدلر في كتابه يُناقش قضايا الأحلام وتأويلها وقضايا تربية الأطفال المُعْضِلين، وقضايا المشاكل الاجتماعية والتوافق الاجتماعي، وقضايا الوعي الاجتماعي والإدراك الفطري العام، وقضايا الحب والزواج وقضايا المسائل الجنسية وما ينشأ عنها من مشاكل، وهو يُفرد لكل قضيّة من هذه القضايا فصلًا بتمامه ثم يُعقب هذه الفصول خاتمة.
في الكتاب خطةُ تربيةٍ وفيه إلى ذلك فقهُ قراءةٍ للنفس يُقرِّب المباحث بالمثال المشاهد. فالذكرياتُ المبكّرة عنده شاهدٌ على أسلوب الحياة والعبرةُ ليست بدقّة الواقعة ولكن بالصورة التي اصطفاها العقل من سائر صوره، فهي الدليل على الغاية التي يدور حولها الاختيار.. والأحلامُ عنده تمرينٌ على حلّ مشكلةٍ معلّقة لا رسائل غيبٍ مكنون، والأعراضُ الجسدية -كالصداع والإعياء واضطراب المعدة- احتياطياتٌ يلوذ بها الأسلوب ليدفع بها موقفًا أو يجتلب امتيازًا. ثم يمضي آدلر إلى المدرسة والعمل والزواج فيزنها بميزانٍ واحد: أيزدادُ الانتماءُ والنفع أم يشتدّ طلبُ الاستعلاء والانعزال؟ في الأولى صحة، وفي الثانية علّة، وبينهما منازل ودرجات.
وموضع القوّة في الكتاب أنّ آدلر يمزج العلم بالخلق مزجًا لا تكلّف فيه؛ فيجعل التعاون والتشجيع والشعور بالجدوى معايير تشخيصٍ من العلم لا عناوين وعظٍ. وهنا يلتقي مذهبه مع ما استقر عند أهل الدين والحكمة: وهو أنّ الإنسان مدنيٌّ بالطبع، وأن صلاحه من صلاح ما بينه وبين الناس. وفي هذا صواب كبير، فأدواء النفوس تُعالج بعد بذل أسباب التشخيص والتفسير، بالعمل الصالح والكلمة الطيبة، كما أنّه لا يُفتَح من أبواب النفس بالتهديد ما يُفتَح بالتشجيع، فالمعنى الصالح دواءٌ تُشفى به القلوب كما تُشفى بالعقاقير الأبدان.
غير أنّ العدل يأبى أن نُسلم للكتاب بكل ما فيه من غير قيدٍ ولا شرط. فمذهب «الغاية» -وهو لبُّ نظر آدلر- قد يُغري أحيانًا بتعليق المعاني على الحوادث تعليقًا تقضي به الحصافة ولا غير، والحصافةُ تخطئ كما تُصيب. وبعض أبوابه -كأثر ترتيب المواليد- تعتريه سعةُ التعميم حتى تضيق عن فروق الثقافة والاقتصاد التي أظهرتها الأبحاث وصدّقها العلم والواقع.. وفي نقده لأنماط التسلّط الذكوري قيودٌ مأخوذةٌ من سياقٍ أوروبيٍّ مخصوص قد لا تجري على أممٍ تُعادل فيها الأدوار بوجوهٍ أخرى. وكذلك تفسيرُ الأعراض الجسدية بوظائف نفسيةٍ قد يظلم المريض إن اتُّخذ قاضيًا بالحسم لا مُشيرًا بالاحتمال. ويؤخذ على آدلر كثيرٌ من الآراء التي يقطع بها ويكون حاديه إلى ذلك: قياسه "الإنسان" على "الأوربي" أو الاستكفاء بعقدة النقص في تعليل الظواهر التي تتكاثر عللها..
ومع هذه المآخذ تبقى للكتاب فضيلتان لا تُجحَدان. أولاهما أنّه يردّ القارئ -مربيًا كان أو طبيبًا أو والدًا- إلى «الفكرة الجامعة» التي ضلّت في زمان التجزئة: وهي أنّ الشخصية وحدةٌ ذات غرض، وليست سلسلةَ أخطاءٍ تُطلَى عليها العلاجات طِلاءً بعد طِلاء؛ وأنّ النقص مادةُ كمالٍ إذا وجّه نحو العمل. والثانية أنّه يمدّ القارئ بأدواتٍ تُجرَّب ولا توصف من غير أن تكون قابلةً للتجريب، ومن أدواته: أسئلةٌ قصيرة تُستخرَج بها الغاية المستبطَنة، وتمارينُ يسيرة تُعاد بها القسمة بين الفرد وجماعته، وحدودٌ في الثناء والعقوبة تحفظ العدل فلا يفسد الفضلانِ إفراطُ أحدهما. وبهذه الأدوات يصلح أمر المدارس والبيوت إذا أُخذ بها على مهلٍ وبغير عجلة.
ولعل أجدى ما يُمتحن به الكتاب أن يُوضَع على ميزانين: ميزانُ العلم وميزانُ الخُلق. فأمّا العلم فينهى عن الاغترار بالتفسير الواحد، ويأمر بردّ القاعدة إلى شاهدها المتكرّر وترك باب المراجعة مفتوحًا حيث تقصر البيّنة. وأمّا الخلق فيأمر أن تُقاس العافية بمقدار ما تُحسن النفس من التعاون والإنصاف، لا بمقدار ما تُحسن من المراء والجدل عن ذاتها. فإذا اجتمع الميزانان ونُقّي ما يُخل بهما، عُرف خيرُ ما في الكتاب، وهو أنّ للإنسان قصدًا وبالقصد تنمّى الوسائل، وأنّ في يده -مهما عظم الفوت- أن يُبدّل أسلوب حياته بعملٍ نافعٍ وصحبةٍ صالحة وتشجيعٍ صادق.. وليس هذا من فضول الترف النظري ولا من جماح التفاؤل المُرسل، ولكنه خلاصةُ تجربةٍ أجمع عليها أهل الخبرة: وهي أنّ النفس تُعالَج بالمعنى كما تُعالَج بالدواء، وأنّ معنى «أن ينفع المرءُ الناس» دواءٌ مُجَرَّب لا يقلّ ثباتًا عن سائر الأدوية..
وخلاصة العُدّة من هذا الكتاب لمن يبتغي به نفعًا في التربية أو العلاج هي: ثلاثٌ محكمات. الأولى: أنّ «النقص» حقيقةٌ لا عار، وأنّ دواءه الاقتدار لا الإنكار؛ فكثيرٌ من الكمال صيغ من مادة النقص. والثانية: أنّ «الغاية» تُنمّي الوسيلة التي تخدمها.. والثالثة: أنّ «الاهتمام الاجتماعي» مؤشّر صحة وسواء؛ فلا عافية لمن لا يسعه أن يجعل لغيره نصيبًا من سروره.
وعلى هذا المقياس تُقرأ دعوى آدلر وتُناقش؛ فيُؤخذ منه ما شهد له الدليل، ويُردّ ما ضاق عنه السياق أو وسّعه التعميم، ويُستخرج للقارئ منه بعد ذلك كتابٌ في النفس ودرسٌ في الإنسان..
تعليقات
إرسال تعليق