«تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»
لميشيل فوكو.
لا يكتب فوكو عن الجنون كمن يكتب عن اختلالٍ من اختلالات الوظائف أو عن مرضٍ من أمراض النفوس، فهذا شأن كتب الطب وعلوم النفس، أمّا هو فيصطنع أسلوبًا ليكتب عنه في صورة "صناعة" من صناعات المجتمعات التي ابتدعتها السلطة لتقييد "المختلف"، فوسمت بالجنون من لا يدخل في معايير “العقل” المرسومة بخطوط الحداثة الأوروبية في ذلك الحين وهي معايير يجوز عليها التبدّل والتغيير. فالجنون عنده، كما الحب والجنس والمعرفة، حقل من حقول السلطة، أدارت "السلطة" فيه الإنسان رغبةً في ضبطه واحتوائه لا رغبةً في شفائه.. فالجنون عنده “خطاب” أراد العقل السائد قمعه..
وبهذه الدعاوى، قد يبدو فوكو مناضلًا، يُريد أن ينتصر للمهمّشين، وأن ينتصف للمجانين من الأطباء -الذين هم في فكرته أداةٌ من أدوات السلطة تقيمهم مقام السجّانين- وأن يكشف عن "العنف الرمزي" الكامن في مؤسسات الرعاية والعلاج.
غير أنّ هذه البطولة النقدية –إن ساغ لنا أن نسميها كذلك– تخفي وراءها خفّةً في الحكم والمنهج لا تليق بمقام التاريخ، وذمّة التحقيق ولا بمسؤولية الفلسفة.
فالرجل يروي التاريخ ليطلب تقويضه لا تفسيره، ويستدعي الشواهد ليُثير بها الشبهات لا ليركّب بها البراهين. ومتى ما وُوجه باعتراض من الوقائع، لجأ إلى اللغة المواربة، أو لجأ إلى هوامش التقاطع الزئبقية بين الخطاب والسلطة والمعرفة. وهكذا أصبح “الجنون” عنده صورة شعرية أكثر منه مفهومًا من مفاهيم العلوم التي تُضبط وتقاس، وأمسى الكتاب أقرب إلى بيان ثوري يستعين بأدوات التأريخ دون أن يلتزم بشروطه.
إنّ قارئ "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" يخرج بانطباعٍ مطمئن يقرر به أن فوكو – كأقرانه من فلاسفة ما بعد الحداثة – الذين لا يبحثون عن الحقيقة، ويستعيضون عن ذلك بالبحث عن هدم أنظمة الحقيقة. فهو لا يسأل في كتابه: «ما هو الجنون؟» بل يسأل مستنكرًا: «من يملك أن يعرّف الجنون؟» ولا يسأل: «ما وسائل العلاج؟» بل يسأل معترضًا: «من قرر أن هذا علاج؟ ومن منح له هذا السلطان؟» والفرق بين السؤالين هو الفرق بين طلب الحقّ وطلب الارتياب.
وما أكثر ما في هذا الكتاب من تعميمٍ وإغضاء، فهو يعرض تاريخ أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر وكأنّه تاريخٌ للمعتقلات والقيود والقضبان، غافلًا عن كل جهدٍ حثيث في ميادين علم النفس والطب العقلي، وكل بادرةٍ صادقة في تحسين أوضاع المرضى. وكأنّ الطب العقلي لم يكن إلا كرباجًا في يد السلطة، وكأنّ الجنون ليس اختلالًا يستدعي الرحمة والرعاية، وإنما هو عنده مجرّد "اختلاف" يجب احترامه في عُجمته البكماء! وفوكو بهذا من حيث يريد أو لا يُريد يُضيّع على المجنون حقّه حين يمنع عنه حق التداوي، ويُنكر عليه الحاجة إلى الرعاية وهو بذلك يُضيع على المجتمع تقرير النظام واتساق "الخطاب"..
ولست أنكر أن في الكتاب ومضات من فطنة النقد، ومواقف يُحسن فيها الكاتب ملاحقة المصطلحات، وللكاتب بعدُ شكٌ صحيح ننتهي به إلى أنّه ليس كل ما وصف بكونه علمًا يكون بذلك قد خلص من أهواء السياسة ضربة لازب.. غير أن الخطورة في دعوى فوكو هي في أنه لا يتوقف عند حدود التنبيه، ولا حدود الشك الصحيح، فهو يمضي إلى إلغاء الفارق بين العقل وعدم العقل، ويمضي إلى هتك الحجاب بين المعرفة والسلطة وبين الطب والقمع، حتى كاد أن يجعل كلّ قيمة هي لابدّ من إنتاج السلطة ثم يجعل كلَّ سلطة شرًّا، وكلّ نظامٍ قيدًا، وكلّ تصنيفٍ وسيلةً للترويض ليصح له بعد ذلك أن يثور على المعرفة والقيمة لأنه ثار على السلطة والنظام.
فهل هذه هي "عدالة المعرفة" التي يدعو إليها؟ أم هي فلسفة الشك المطلق التي ما إن دخلت عقل الإنسان حتى أخرجته من توازنه، وجعلته متهمًا في كل حُكم، مكبّلاً بكل نسق، مشلول الإرادة بين التأويلات؟
إنّ فوكو لا يُقدّم "تحقيقًا في الجنون"، وإن كان لا يخلو من التحقيق والجنون إذ كان يُقدّم جنونًا في التحقيق. وبين السلوكين فرقٌ في العقل وفي الضمير، وفرقٌ في الصدق مع التاريخ، وفرقٌ في الأمانة التي ينبغي للفكر أن يحملها حين يتكلم عن آلام البشر.
ولو قدّر لكتاب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" أن يُكتَب في عصرٍ لم تتهيأ فيه ظروف الثقافة والاجتماع التي صعد فيها نجم ميشيل فوكو، لما كنّا نحسبه يخرج من دائرته الفرنسية، ولما تجاوز حدود الجدل المحلي بين أهل الحذلقة البنيوية وأرباب الفلسفة التاريخية. وعلى كل حال فإنّ فوكو، بما امتلك من موهبة في التفكيك وغمغمة في البيان! وقدرة على إثارة الأسئلة الصادمة، عرف كيف يُخرج كتابه من نطاق البحث الأكاديمي إلى ميدان الموقف الفكري، بل إلى مقام “البيان” الذي يستثير العقل وإن لم يسترضهِ.
تعليقات
إرسال تعليق