التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سيكولوجية الجماهير

 


سيكولوجية الجماهير

لـ غوستاف لوبون. 


غوستاف لوبون عالمٌ موسوعيٌّ فرنسي، ولد سنة 1841 وعاش عمرًا طويلًا حافلًا بالرحلات إلى أن توفي عام 1931، درس الطب ثم اتجه بعد دراسة الطب للتأريخ وعلوم الأناسة، واهتم بالحضارات الشرقية، وكتب كتابًا ممتازًا بعنوان "حضارة العرب"، أنصف فيه الحضارة العربية وأنصف فيه العرب والمسلمين، وكتب كتابًا بعنوان "حضارات الهند" وكتب في تاريخ الحضارات الشرقية ونُشرت من كتاباته فصول عن اليهود جُمعت بعنوان: "اليهود في تاريخ الحضارات" نفى فيه أن يكون اليهود قد أسسوا حضارةً في التاريخ القديم أو شاركوا فيها.. 

ترجم كتبه السابقة المترجم الفلسطيني عادل زعيتر وترجم كذلك من كتبه: 

كتاب: "السنن النفسية لتطور الأمم" وكتاب: روح السياسة" وكتاب: "روح الاشتراكية"، و "فلسفة التاريخ"، و"الآراء والمعتقدات" و"روح الثورات والثورة الفرنسية" و "حياة الحقائق" 

وترجمات عادل زعيتر كلها مستجادة وهو من كبار مترجمي القرن الماضي.. 

أمّا الكتاب الذي بين أيدينا، فهو: «سيكولوجية الجماهير» وقد نقله إلى العربية أحمد فتحي زغلول في مطلع القرن العشرين، وهو واحد من الكتب التي تُنيل القارئ مفتاحًا لفهم السياسة والدعاية والثورة، وما زال أثر الكتاب ممتدًا منذ صدوره إلى اليوم.

وهو كتابٌ لا يُقال بعد الفراغ منه إن المؤلف أتى بالعجيب من الأخبار أو العلوم، ولكنه كتاب يُقرأ ليُعرَف به «وجهٌ من وجوه الإنسان» قلّ أن يُرى صريحًا، هو وجهُه حين يتحول من فردٍ له عقلٌ وضمير إلى جزءٍ من جمهور تسوقه العاطفة وتغلب عليه العدوى. 


الدكتور لوبون في كتابه، يُقيم بناءه على أصلٍ يكرره في كل فصل، هو أن الفرد إذا دخل في جمهور خرج من حالٍ إلى حال، وأنه يذوب في «نفسٍ جمعية» تتبدل فيها مقاييس النقد والتمييز، فتسود العاطفة مكان التعقل، ويشتد الانفعال حيث يضعف البرهان. 

وأن اجتماع الناس على هيئة جمهور يخلق لهم عقلًا جديدًا، هو عقلٌ آخر، أدنى في النقد، وأرسخ في الإيمان بالصور والرموز، فليس هو حاصل مجموع العقول لأنّ جهد العقول المجموعة لا يرجى إلّا مع التوجيه والجماهير تستعصي على التوجيه.

والجمهور عند لوبون ليسوا أفرادًا مجموعين عند تحليل الإرادة والثورة، وإنما هم خلقٌ جديد له طبائعه، وأهم طبائعه: ذوبان الفروق الفردية، وسريان العدوى، والاستسلام للإيحاء. ومن هذه الخصال الثلاث يخرج تفسيره لكل ما يعرض في الحشود من بطولة وتضحية أو من فوضى وتخريب..

فالجماهير في مذهبه قادرة على أعظم المكرمات كما هي قادرة على أبشع الرذائل، ولكنّها في الحالين لا تعرف الاعتدال، لا لأنها لا تعرف الحساب ولا لأنها لا تزن العواقب، بل لأنّها في لحظة النشوة تنفعل بأشد ما تسمع وترى فلا تأبه بعاقبةٍ بعدُ ولا حساب.. 

وفي فصول الباب الأوّل يبين المؤلف أن الآراء والمعتقدات عند الجماهير لا تُولد من الاستدلال العقلي وترتيب النتائج على المقدمات، ولكن من طريق آخر هو التكرار والرمز والإيحاء، حتى تغدو العقائد عندها بمنزلة الحقائق، وهو يبيّن أن الجماهير تعيش على الأساطير السياسية كما تعيش على العقائد الدينية، وأنها تستجيب لمن يوجّهها باليقين لا لمن يخاطبها بالشك. وهذا الباب هو لبُّ الكتاب، لأنه يُدخلنا إلى سرّ القوة الجماهيرية_ كيف تُصنع، وكيف تتصرف، وكيف تصير خطرًا أو رجاءً بحسب من يقودها، وبأي الوسائل تُقاد.. 


ثم يستفيض المؤلف في بيان أدوات التأثير: وهي التكرار الذي ينقش الفكرة في الوجدان حتى تصير بديهة، والتأكيد الذي يطرد الشك وإن خلا من دليل، والعدوى التي تسري في النفوس كما يسري الوباء في الأجساد.. وهذه الثلاث -في مذهبه- هي مفاتيح الزعامة، وهي سر نجاح الشعارات حيث تفشل الكتب، وهي العلة التي تجعل الجماهير تُقاد بالرمز وتذعن للزعيم.. 

وليس الزعيم عند الجماهير من يحسن البرهان، وإنما هو من يحسن الإيحاء ويلقي الكلمة الواثقة في لهجةٍ قاطعة. فالزعيم إذن يدع المناقشة ليقرر، ويدع البرهنة ليكرر، ويدع المحاورة لكي يُلهم. ومن هنا يقرر أن الخطاب العقلي المجرد لا ينفع مع الجمهور، وأن الدعاية إنما تُبنى على الصورة والخيال.. 


ويذهب أبعد من ذلك فيرى أن للجماهير طبيعةً تعبّدية؛ فإذا آمنت بفكرة جعلت لها طقوسًا وشعائر، وإذا تعلقت بشعار صيرته دينًا له محرّمات وأقداس.. ومن هذا يفسّر دور «الأسطورة» في الثورات؛ فهي تبدأ بإيمانٍ جديد ثم تتحول إلى شعائر، ثم تثقلها الأيام حتى تُستبدل بأسطورة أخرى. وهو في هذا الباب صادقٌ في وصف الظاهرة، غير أنه يعممها حتى يجعلها قانونًا لا استثناء فيه..


والكتاب قويٌّ بوضوح عبارته وصراحة أحكامه؛ فقد سمّى الأشياء بأسمائها، ولم يوارب في كشف حقيقة الدعاية، فعمد إلى بيان أن الناس لا تحرّكهم الأرقام والحقائق بقدر ما تحركهم الشعارات والرموز. وفي هذا تنبيهٌ لا يُبخس نفعه: فمن أراد أن يخاطب الحشود فليعلم أن الحجة العقلية وحدها لا تكفي، وأن الرمز قد يفعل في ساعة ما لا يفعله المنطق في عام.


غير أن النقص في هذا الكتاب كالنقص الذي لازم لفيفًا من مفكري القرن التاسع عشر، وهو نقصٌ يتمثّل في نزعة إلى التعميم وقلة تفرقة بين أنواع الجماهير.. 

فقد ردّ لوبون الجماهير إلى طبيعة واحدة لا تتغير، وجعلها أبدًا عقلًا أدنى لا يُنتظر منه نضج ولا ترقٍ، مع أن التجارب الحديثة أثبتت أن الجماعة قد تُنتج قرارًا أعدل من قرار الفرد إذا أُحسن تنظيمها وضُبطت بقواعد المؤسسات. 

وغاب عنه أن ينبّه إلى أن للتعليم والثقافة أثرًا في زيادة وعي الجمهور، وأنه ليس قدرًا محتومًا أن يظل الحشد أسير الإيحاء والعدوى.. 

وزاد لوبون على ذلك من أسباب النقص: تحيّز عصره، إذ أكثر من إطلاق أحكام عامة على السلالات والشعوب الشرقية والغربية بلغةٍ كانت مألوفةً في القرن التاسع عشر، وهي اليوم لا تعدو أن تكون من بقايا الفكر العرقي البائد في الغرب وفي المنهج العلمي الحديث.

ومنهج المؤلف في هذا الكتاب هو منهج استشهاد تاريخيٍّ أدبي؛ فهو يجمع مشاهد من الثورات والحروب والخطب، ويخرج منها بقوانين عامة قد يعوزها بعض الاستقراء أو يعوزها مع الاستقراء الاستقصاء وصحّة الاستنتاج. 

وطريقة لوبون في كتابه هذا بل في جُملة كتبه هي طريقة من يخاطب الجماهير، فهو يستعين على إقناع قُرّائه بالقطع والتكرار، وليس في القطع والتكرار ما يشين إذا قُدّم لهما بأسبابهما الصحيحة، أو إن كانا فيما أُثبت بطريقة سليمة من طرائق الإثبات غير طريقة القطع والتكرار.. 

 

أما الترجمة التي أداها أحمد فتحي زغلول فقد كانت عملًا له وزنه في النهضة العربية؛ إذ كان قد قدّم لأبناء جيله: الدكتور غوستاف لوبون.. وقد نقل النص بلغة جزلة رصينة، أبقت على قوة الأصل وسلاسته، فجعلت القارئ العربي يواجه الأفكار كما أرادها المؤلف، بغير زخرف يضعفها ولا ابتسار يفسدها. ولئن تُركت بعض المصطلحات على حالها، فلقد بقيت مع ذلك أداة فتحت بابًا واسعًا للنقاش العربي في السياسة والاجتماع.


وخلاصة الرأي أن «سيكولوجية الجماهير» كتاب قويٌّ بما يبين من آليات التأثير وضعيف بما يعمم من أحكامه، ففيه من التنبيه ما يبقى صالحًا لكل عصر، وفيه من أحكام التحيّز وأحكام المبالغة ما ينبغي أن يُقرأ على سبيل النقد لا القبول. فإذا أخذ القارئ أحسن ما فيه وتحرز من أضعف ما فيه، خرج منه بخير ما فيه: بفهمٍ لصنائع الدعاية وأخلاق الحشود، وحذرٍ من التعميم الذي يغري به الكاتب، وتذكيرٍ بأن الجماهير ليست شرًّا مطلقًا ولا خيرًا مطلقًا، وأنّها قوةٌ إذا رُشّدت بالعلم والمؤسسات ارتقت، وإذا تُركت للشعار والعدوى هبطت.

وهذا الكتاب على ذلك يتعدى أن يكون فصلًا من فصول علم النفس، إلى أن يكون درسًا في السياسة والاجتماع والدين، ومرآةً تكشف وجهًا من وجوه الإنسان لا يظهر إلا إذا صار في جمعٍ صاخب.. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...