عبدالعزيز حمّودة (1937-2006) كاتبٌ مصري وأستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة وعميد كلية الآداب بها في إحدى فتراتها، شُغل بالأدب الحديث ونظريات النقد الحديثة، وله كتابات في الأدب والمسرح والنقد، وأشهر ما كتبه هو مؤلفَه الذي نستعرضه في هذه المقالة: "المرايا المحدّبة - من البنيوية إلى التفكيك"، وكان قد نُشر سنة 1998 في سلسلة عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، ليكون بذلك مُفتتح ثلاثية في النقد نالت حظًا من الشُهرة والقبول في أوساط الثقافة في مطلع هذا القرن، فقد أتبع المرايا المحدّبة بكتابه: "المرايا المقعرة - نحو نظرية نقدية عربية" وكان نشره سنة 2001 في ذات السلسلة، ثم اختتم الثلاثية بكتاب: "الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص"، ونشره كذلك في سلسلة عالم المعرفة عام 2003..
وفي كتاب "المرايا المحدبة" يُريد عبدالعزيز حمّودة أن يعرض للقارئ العربي معضلة النقد في ثقافتنا، وكيف أن المرايا التي وُضعت أمام الناقد العربي لم تكن مستقيمة ولا صافية، وإنما محدبة، تُضخّم ما هو صغير وتشوّه ما هو واضح، حتى يظنّ الناظر إليها أن صورته الجديدة هي حقيقته الأولى..
يقول المؤلف إنه عكف سنواتٍ طوالًا يقرأ في أصول البنيوية والتفكيك وما تعلّق بهما من فلسفاتٍ متصلةٍ باللغة والنقد، ثم رجع إلى ما كتبه نقاد العرب المتحمّسون لهذه التيارات، فوجد أن الانبهار غلب على الفهم، وأن التقليد سبق التمحيص، وأن كثيرًا مما بدا للقارئ العربي كشفًا جديدًا لم يكن في موطنه الأول إلا أطروحاتٍ عُرضت ثم نُقضت، أو لُوحظ قصورها ثم تُركت. ومن هنا جاء التشبيه بالمرآة المحدبة: فالناقد العربي حين وقف أمام هذه المرايا، رأى صورته مضخّمة براقة، فحسب أنه بلغ مقامًا لم يبلغه أسلافه، في حين أنّه لم يكن إلا واقفًا أمام خدعة من خُدعات الرؤية والبصر، لا تعكس الحقيقة بل تُزيّفها..
يبدأ عبدالعزيز حمودة كتابه من «الحداثة النسخة العربية»،
ويفتتح فصله الأول باعترافٍ يقول فيه إنّه وقف طويلًا أمام كتابات البنيويين العرب بإحساس الانبهار والعجز، وأنّه ظل سنينًا أسير شكٍ في ذكائه الفطري والمكتسب على السواء لأنّه رغم صدقه في الطلب وشغفه في الاختصاص لم يستطع فهم ما يُريده البنيويّون ولم يستطع فكّ شفراتهم وطلاسمهم.. يبدأ المؤلف فصله فيرى كيف تلقّف النقاد العرب بعد نكسة 1967 شعارات الحداثة كأنها طوق النجاة، فامتلأت مجلاتهم -وفي طليعتها: مجلة: «فصول»- بدعوات البنيوية والحداثة، ويروي المؤلف أنّ الانبهار كان أول الطريق، إذ بدا لبعض النقاد أنّ البنيوية ستحفظ للنقد «شرفه» بعد الانكسار، فإذا هي تُدخلهم في متاهاتٍ من الجداول والرسوم والرموز والخطوط والمثلثات، ليتضاءل النص أمامها حتى يذوي ويغيب..
فالناقد، في أصل وظيفته، وسيطٌ بين النصّ وقارئه، يقرّبه ويضيئه؛ أمّا البنيويون فقد جعلوا من لغة النقد حجابًا على النص، بل سجناً له، حتى صار كل همّهم: تحديد الأنساق والأنظمة لا العناية بما يعنيه النص..
وهكذا انتهى المشروع إلى علمٍ بلا معنى، وإلى نسقٍ لا ينير شيئًا، وحتى غدا النقد عند القارئ أشبه بمتاهة مُضللة لها شكل القوانين الرياضية وليس لها مضمونها، وهي بعدُ متاهةٌ لا تقوده إلى النص بل تُبعد عنه..
وينتقل إلى فصل: «الحداثة - النسخة الأصلية»، حيث يُظهر أن هذه التيارات نفسها في بلادها الغربية لم تدم طويلًا، وأن البنيوية قد ووريت الثرى منذ محاضرة دريدا الشهيرة في جامعة جونز هوبكنز سنة 1966، وأن التفكيك نفسه بدأ يتلقى ضرباته في الثمانينات والتسعينات، بينما كان بعض نقادنا في ذلك الحين يروّجون له ويعرضونه فكرةً جديدة بل قمةَ الفكر الجديد!
ثم يقف عبدالعزيز طويلًا عند «البنيوية وسجن اللغة»، فيقرر أن البنيويين أرادوا أن يجعلوا من اللغة نموذجًا كونيًّا لفهم الظواهر كلها، فتحركوا من العناصر إلى النسق، ومن النسق إلى النظام، وانشغلوا بآلية الدلالة حتى نسوا ماهيتها، فأصبح النص عندهم شبكةً من العلامات لا حياة فيها، وغاب السؤال البسيط: "ماذا يعني النص؟" فكانوا في نهاية السعي والمطاف أُسارى للغة بدل أن يكونوا كاشفين بها. وأما التفكيك -وهو المرحلة التالية- فقد جاء ثورةً على العلمية، ومجاهرةً بـ "اللايقين"، وهدمًا لكل مركز ومرجع وأصل، حتى انتهى أصحابه إلى نفي المعنى نفسه، لا إلى "إنارته"، وبذلك التقت البنيوية والتفكيك في محطة واحدة: الأولى فشلت والثانية نجحت، وهنا يتلقي النجاح بالفشل، ولا عجب من ذلك إذا علمنا أنّ الأولى فشلت في تحقيق المعنى، وأنّ الثانية نجحت في تحقيق "اللامعنى" كما يقول الكاتب.
وإذا قد شرع الكاتب بالتأريخ لهذه المذاهب، أخذ يواجه النسخة العربية منها مواجهةً ناقدة، فيبين أن النقاد العرب الذين رفعوا شعارات الأصالة والمعاصرة ما جاوزوا أن استعاروا النتائج الأخيرة للفكر الغربي وهي استعارة للنتائج دون مقدماتها، فجاءت كتاباتهم محشوة بمصطلحات مترجمة أو منحوتة أو محرفة، لا تزيد القارئ إلا حيرة وارتيابا.. فهم نقلوا الألفاظ والمصطلحات ولم ينقلوا الفكر والمعرفة، ومن هنا كان الفارق جليًّا بين حداثة وُلدت في سياقها الغربي استجابةً لتحولات الفكر والفلسفة والاجتماع، وبين حداثةٍ عربية جاءت يأسًا بعد الهزيمة والخيبة ولم تجئ استجابةً لواقعٍ ثقافي مكتمل العناصر والأركان يتصل فيه الحاضر بالماضي..
وبعد أنّ ينقض الكتاب النظريات من خارجها في فصوله الأولى، يكر على النظريات من الداخل، فنراه يتتبع أقوال أعلامها بارت ودريدا وفوكو، ثم يعرض كيف تلقّاها العرب وخلطوا بينها خلطًا يزيد الغموض ولا يرفعه. فترى المؤلف في كتابه يُلاحق كمال أبو ديب في محاولاته تأسيس «بنيوية عربية» ويدقّق في دعاواه، ويقف عند جابر عصفور في تعريفاته للحداثة ليكشف إطلاق القول وفراغه، ويستعرض مقولات عز الدين إسماعيل وهو يسوّغ «اللعب باللغة» فيرد أفكاره إلى جذورها الغربية..
والكتاب لا يقف موقف المعارضة لمجرد الرفض والمعارضة، فهو يُعلن أن الحداثة الحقة ضرورة من ضرورات البقاء، لكنّ الحداثة المطلوبة هي الحداثة التي تهزّ الجمود وتُحيي العقل، لا الحداثة التي تُسوّي بين الوهم والحقيقة وتستبدل اللعب باللغة بكل التزامات الفكر والواقع.
ومن هنا كانت رسالة المؤلف والكتاب إذ يرى أننا بحاجة إلى حداثةٍ تُستنبت من أرضنا وبأدواتنا، لا إلى حداثةٍ مشوّهة نستوردها قسرًا من غيرنا..
فالنقد إذا حجب النص غادر وظيفته إلى نقيضها فوظيفته هي أن ينير النص، ورسالته أن يكشف المعنى لقارئه لا أن يضاعف الغموض.. وما سوى ذلك فخداعٌ بصري لا يختلف عن الوقوف أمام مرآةٍ محدبة.
والكاتب فيما نحسب يفرغ من إقامة حجّته ونقض المذاهب الحداثية في تمهيد الكتاب وفصليه الأولين، وينتهي من حكمه بعد أن يقيم دعواه على أصولٍ يرى أنّ مذاهب الحداثة قد جنت فيها وعليها، وهي: الوضوح في التعبير، وتقريب المعنى، وادّعاء الجدة، ونحسبُ أنّه استطاع أن ينتهي إلى الحجة البالغة أو أنّه أرتاح إليها حين لم يصطنع اصطلاحات الحداثيين ولم يُحاورهم من داخل أنماطهم، ومع ذلك فقد رأيناه يتوسّع في عرض البنيوية والتفكيكية على أساليب الحداثيين، وهو توسّع نحسب أنّه احتاج إليه لُيدلّل على معرفته بمذاهبهم ونظرياتهم، ومع ذلك لم يخلُ هذا التوسّع مما قد يقيم الحجّة على من صعب عليه التفكير من خارج أنماط النقد الحداثي..
وينتهي القارئ من الكتاب إلى أنّ النقد الذي يُقيم بنيانه على لغةٍ تُعجَب بنفسها لا يُعطي النصّ حقه، وأنّ «الحداثة» التي تكتفي بنقل المصطلح دون النظر في أصوله إنما تزيد التبعية ولا تُنقصها.. وهنا نداء الكتاب إذ ينادي إلى حداثةٍ تُصطنع من داخل ثقافتنا، وتستضيء بتاريخنا، وتُقيم حوارًا مع العصر، وتردّ النقد إلى وظيفته الأولى: وهي أن يكون علمًا بالمعنى لا لهوًا بالاصطلاح..
فإذا أعدنا النظر في الكتاب كله، وجدنا أنه أشبه بمحاكمة فكرية لنخبةٍ من النقاد العرب الذين ظنّوا أنهم أنقذوا شرف النقد وهم في الحقيقة لم يزدادوا إلا انقطاعًا عن النصوص، وهو كذلك نقدٌ للحداثة الغربية ذاتها ولقدرتها على إغواء العقول ببريق المصطلح دون جوهر الفكر. وفي هذا الجمع بين الداخل والخارج، وبين النسخة العربية والنسخة الأصلية، وبين البنيوية والتفكيك، وبين النص والناقد والقارئ، تتجلّى قيمة «المرايا المحدبة»: وهي أنها تصف العلل ليسهل بعد ذلك أن تُردّ إلى أصلها، ولتذكّر بأن وراء كل مرآةٍ محدبة مرآةً أخرى صافية مجلوة تنتظر من يقف أمامها ليبصر الحقيقة بغير تضخيم ولا تقزيم ولا تزييف.
تعليقات
إرسال تعليق