التخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختراع الشعب اليهودي

 




كتاب شلومو ساند “اختراع الشعب اليهودي” كتابٌ يُحسن استيفاء العرض لعنوانه، ففي العنوان "اختراع" وفي الكتاب عرضٌ لكل ما يتصل بهذا الاختراع في أسبابه وغاياته وسُبله التي توصل إلى هذه الغايات.. وهو كتابٌ يقبض على عنق المسألة من أصلها: كيف تُصنع "أمة" في مختبر السياسة والتاريخ حين تُستدعى الأسطورة لتُقيم دولة، ويُنتقى من المدونات ما يوافق المرام، ثم تُصبّ الحوادث في "قوالب" التعليم والجيش والمتحف حتى تصير "هوية" لها نشيد وحدود وخيال؟ 

هذا لبُّ أطروحة المؤلف؛ فهو لا ينكر وجود يهود في القرون السالفات، ولا يتغافل عن سلاسل النِّحَل والملل، ولكنه يكشف عن موضع التحويل، فالانتقال من "اليهودية" دينًا إلى اليهوديّة شعبًا له قومية واحدة متجانسة، هو انتقالٌ من عالم العقيدة إلى صناعة الأمة الحديثة، ومن لغة النصوص إلى لسان الدولة.. 


يمضي ساند في سردٍ حَسِيبٍ يتعقَّب فيه كيف وُلدت الحكاية الجامعة في القرن التاسع عشر، يوم أخذت أوروبا تُنضِّد الأمم كما تُنضَّد الجواهر في خزائنها فهنا مدرسة توحِّد اللسان، وهنا جندية تصهر الأجساد، وهنا مناهج تاريخ تُبدِّل المسافة بين الماضي والحاضر حتى يبدو البعيد قريبًا والقريب قديمًا موغلًا.. 

على هذا النحو يتساءل ساند: من أين جاءت بداهة "المنفى الشامل" أبعد خراب الهيكل؟ وأين دلائل الترحيل الجماعي الذي تُشيعُه الرواية الصهيونية الأولى كأنما هو قضاء لا يرد؟ فيراجع النصوص القديمة ويوازنها بقرائن الآثار، فلا يجد في الوثائق ما يشهد بإخلاء أرضها من أهلها إخلاءً يُنشئ "شتاتًا" واحدًا متجانسًا؛ ثم يمدّ نظره إلى ظاهرة التهوّد في أطراف العالم القديم، فيستأنس بوقائع انتشار الدين بين القبائل والملوك، ويشير -على سبيل الفرض لا الجزم- إلى أثر الخزر في تخريج جماعات يهودية أوروبية ليست سليلة سلالةٍ واحدة منفردة، بل منحدرة من ضروب لاحقة من الاندماج غيّرت خريطة النِّسبة والنسب.. على أن تلك الصفحة -وإن كانت موحية- لا تنهض عنده ببرهانٍ قاطع في علم الأجناس أو علم العظام، وإنما تؤدي دورها في كسر "البداهة القومية" وتشريع باب السؤال.. 


ويتناول المؤلف "علم الآثار التوراتي" بالسؤال الصارم: أكان هذا العلم بحثًا عن الحقيقة أم صوغًا لها؟ 

فيعرض لنزعاتٍ مدرسيةٍ اتخذت من الحفر في التربة ذريعةً للحفر في الذاكرة، فإذا الكشوفات الضعيفة تُحمَّل أحمالًا من المعنى وإذا بالنتائج الكُبرى تُبنى على أدنى المقدمات، وإذا بالصمت الأركيولوجي يُفسَّر على أنه تأكيدٌ مواربٌ، لا سكوتٌ صريح. 

ومن هنا ينفذ إلى نقد التاريخ الوطني حين يستحيلُ إلى أداةٍ في يد الدولة، يدرّس أبناءها ما يلزم لتثبيت الولاء، ويُغفل من الحوادث ما لا يستقيم مع رواية الميلاد. 

ويُكثر ساند من المقارنات بتواريخ الأمم في أوروبا؛ إذ الأمة الحديثة -في رأيه- لا تُستخرج من دمٍ نقِيٍّ ولا من لسانٍ قديم، بل تُفبرَكُ بفعل المؤسّسة والسياسة والحدود؛ ومن ثَمَّ فالمزعمُ القائل بأن يهود العالم شعبٌ واحدٌ موصولٌ بالعرق منذ ألوف السنين_ ليس علمًا بالتاريخ أكثر منه حاجة سياسية أُريد لها أن تصير تاريخًا وعقيدة..


وفي تضاعيف هذا النقد يضع المؤلف مسائل فلسطين على طاولة العقل، لا على موائد الشعار؛ فيرى أن تحويل الدين إلى قومية، ثم تحويل القومية إلى دولةٍ تفضّلُ أهل دينها على سواهم، لا يقيم عدلًا ولا يستوي مع ميثاق الإنسانية الحديثة؛ ويخلص إلى أن المخرج -إن رُجي مخرج- إنما يكون في دولةٍ مدنيةٍ على قاعدة المواطنة المتساوية لا الامتياز الديني، وأن الاعتراف بالإنسان قبل الأسطورة هو الحدُّ الأدنى لكلِّ سياسةٍ تُسَمَّى سياسة. وبهذا يعيد الكتابُ الجدلَ من منابر الوعظ إلى محكمة البرهان، ليردّ الوقائع إلى الشواهد، وإلى نصوصٍ تُقرأ بصرامة المؤرخ، ومناهج تُوزن بميزان العلم، ومصادر تُعامل بوظائفها لا بأهوائها.


وقد يسأل سائل: ماذا عن عُرى الذاكرة التي يعتصم بها أهل كل مِلَّة؟ أليس للوجدان حقُّه وإن أنكرته الوثيقة وأنكرته الأحافير؟ يجيب ساند -ضمنًا- أن الذاكرة حقٌّ إن جاءت شاهدةً لا حَكَمًا، وأنها -متى صارت قاضيًا وجلّادًا- تحوّلت إلى أداةٍ لإقامة حيِّزٍ سياسيٍّ على حساب المواطنة.. 

وهنا يلوح ارتخاء الكتاب كما تلوح صلابته: فصلابة البحث في أنه يميز بين الإيمان والقومية فلا يخلط أحدهما بالآخر، وأمّا المواضع التي يعتريها الارتخاء عن حد اليقين فهي حيث يُثقِل بحقائقه -أحيانًا- على فرضياتٍ لا تسندها بعدُ قواطعُ من مختبرات الجينات واللقى؛ فحديث الخزر -مثالًا- ينفع في تقويض يقينٍ ميتافيزيقيٍّ بالتجانس العِرقي، ولكنه لا يستكمل شروط اليقين العلمي في تفاصيل الأنساب ومسالكها، ويحتاج إلى قدرٍ من التحقيق المتخصص قبل أن يُرفَع من رتبة الظن إلى طبقة العلم.


غير أن ساند يحسن، في مواضع كثيرة إعادة توزيع عبء الإثبات على النحو الذي تُحسِن به المدارس النقدية صناعة السؤال، فإذا كانت القومية الحديثة تُبنى بالتعليم والتجنيد والمتحف، وإذا كانت الدولة هي التي تمنح الماضي شكله الأخير، فليس من العلم -ولا من الإنصاف- أن يُلقى على المخالفين عبءُ نفيِ ما لم يثبت، بل على المدّعين أن يُثبتوا ما يزعمون بغير انتقاءٍ ولا حذف. وهنا يلتقي صنيع المؤلف بما يعرفه القرّاء من أن الصهيونية -في أصل من أصولها- حركة سياسية لا دينية، فقد كانت في القديم تابعةً لقيام الدولة وسقوطها، لا امتدادًا لركنٍ من عقيدةٍ إلهيةٍ قائمةٍ بذاتها؛ وهذا فصلٌ ينبغي ألا يُنسى عند وزن الدعوى القومية بميزان الدين.  


وإذا وقف ساند من أسطورة المنفى الشامل موقفَ الشاكِّ السؤول، فإنه كذلك يُراجِعُ أسطورةَ الاضطهاد التي يصطنعها اليهود مُحدِّدًا رئيسًا للذات؛ وهو لا ينكر وقائع الظلم في تواريخ أوروبا، ولكنه يحذّر من أن تُتَّخذ هذه الوقائع جواز عبورٍ سياسي إلى امتيازٍ دائمٍ على حساب الآخرين، أو ذريعةً لقيام دولةٍ تستمدُّ شرعيتها من مأساةٍ خارج حدودها لا من ميثاق العدل داخل حدودها، فدعوى الاضطهاد -متى تحولت إلى حِرْفَة- انقلبت وسيلةً لابتزاز الأمم، تستدعي منها حمايةً لا تقف عند حدّ، وحصانةً تقي من كل قانون.. وعلى هذا النهج أيضًا يلمح إلى أن النفاذ إلى ميادين الثقافة والدعاية والتشريع ليس اختصاصًا ربانيًّا، بل هو صنيعُ دولةٍ حديثةٍ تستخدم سرديتها الكبرى في كسب المؤسسات، وأن السيطرة على منافذ الرأي العام جزءٌ من جهاز الأمة المختَرَعَة لا من طبائع الأديان.. 


ثم يُومِئُ الكتاب إلى البدائل، ومن البدائل: دولةٌ لعموم سكانها، ومواطنةٌ تُسَوِّي بين المختلفين، وتعليمٌ يفرّق بين تاريخ الإيمان وتاريخ الدولة فلا يستعبد أحدهما الآخر، وإخراجٌ لمفهوم الأمن من مجال التفوق العسكري إلى أمنٍ يُشيِّده العدل؛ فالأمان الذي يُشترى بالخوف لا يدوم، والذاكرة التي تُقمَع لا تنطفئ.. 

وهنا تبرز قيمةُ الكتاب للقارئ العربي؛ إذ يضع أمامه مثالًا لقراءة الخصم بعين العلم لا بعين الشعارات، ويُريه كيف يمكن أن يُهدم بُنيانُ الرواية القومية من داخل مناهجها، وكيف أن الاحتكام إلى البرهان أدعى إلى إقناع العالم من التوسُّل بخطابةٍ تُحرِّك العاطفة ساعة ثم تدعها للريح.


والكتاب، بما فيه من الجرأة العلمية والقدرة على تعرية التاريخ "المُؤدلج"، يظلُّ من الشواهد القليلة على أن الخصومة الفكرية يمكن أن تُنتج معرفة، وأن نقد المخيّلة القومية لا يفيد خصمًا دون خصم، بل يفيد الإنسان حيث كان؛ لأن الإنسان -في كل أمة- يستحق أن يعيش تحت رايةٍ لا تَكذِبه في ماضيه ولا تُصادرُه في حاضره.

فهو إذًا كتابٌ، يعيد ترتيب العلاقة بين الأسطورة والحق، وبين الدين والقومية، وبين التعليم والذاكرة؛ فإذا تبيّن أن القومية تُصنع، وأن التاريخ يُنتقى، وأن الدولة تُربي أبناءها على روايةٍ من الروايات، كان يسيرًا أن يُرى المنفذ إلى تسويةٍ عادلةٍ لا تحتاج إلى أبراجٍ من سراب ولا إلى تعاويذ من أساطير؛ إلى تسويةٍ تُقِيمُ الحقَّ على مِسطرةٍ واحدةٍ للإنسان، وتدع الماضي في موضعه: شاهدًا يبعث على الرفق لا سوطًا يُجلَدُ به.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...