اختراع أرض إسرائيل.
لـ شلومو ساند
يَستدعي شلومو ساند القارئ في كتابه إلى مائدة البحث؛ ليضع بين يديه كلمةً مشؤومة سافرة طالما تردّدت في الأسماع حتى أُوهِمَ أنها قديمةٌ قِدمَ الحجارة والجبال، كانت هذه الكلمة هي : «أرض إسرائيل».
يسألها الكاتب سؤال الباحث حين يَحتكم إلى ميزان البحث الجاد:
ماهي هذه «الأرض»؟
أهي اسمٌ عتيق له دلالةٌ واحدةٌ لا تتبدّل، أم هي لفظةٌ تَبدَّلت معانيها بتبدّل الأزمنة والدُول، فحُمِّلت في عصر الدولة الحديثة ما لم تحتمله في نصٍّ ولا في شعيرة سالفة؟
ومن هذا السؤال يخطُّ شلومو ساند كتابه ليضع نصيب الإيمان بهذه الكلمة في مكانه، ونصيب التاريخ منها في مكانه، ونصيب السياسة الوفير منها في مكانه الوثير، ثم يَعرض كيف ينتقل اللفظ من محراب العقيدة إلى خريطة السيادة، وكيف تُصنع القداسةُ في معمل المدرسة والمتحف والأغنية والراية..
يفتتح المؤلف من حيث ينبغي.. من التجربة المباشرة التي تصنع الوعي قبل أن تُصاغ النظرية.
فيسوق صورة الحرب وهي تَصنع أسطورتها: فهنا جنديٌّ شابّ، وجدارٌ يُعاد إليه المعنى أو يحمّل بالمعاني، وأغنيةٌ تُسبّح بالأرض قبل أن تُوقّع عليها خرائط الضمّ، وفي هذه الصورة قصة الكاتب حين خدم جيش الاحتلال في الحرب التي أعقبت النكسة..
والمقصود من كل هذا المشهد هو التنبيه إلى الوظيفة: وهي أنّ الذاكرة القومية تُقدَّم للناس في قوالب مُحكَمةٍ من الصوت والصورة، وأنّ الأرض لا تُحرَّر أول ما تُحرّر بالسلاح، بل تُحرَّر في الأذهان باللغة التي تُحدِّد من يملك المكان ومن يَصلح له..
هذه الملاحظة الأولى تُمهِّد لما بعدها: فالأرض في القرن العشرين ملكيةٌ عمومية تستدعي أملاك الموتى وأيسر أسباب النسبة والانتماء، وهي ملكيةٌ مُحددة تُقاس فيها الرجولة بالاستعداد للموت من أجل الحدود، ويُختبر فيها الولاء بالقبول بأن تتحوّل الجغرافيا إلى عقيدةٍ والدولةُ إلى مَعبدٍ حديث..
ومن هنا ينتقل ساند إلى أصل التسميات، إذ ليس شيءٌ أهدى إلى الصواب من ردِّ الألفاظ إلى مواضع نشأتها. يَتتبّع كيف انتقل الخطاب من «أرض كنعان» و«يهودا» إلى اصطلاح «أرض إسرائيل»، وكيف لم يكن هذا الاصطلاح في النص القديم على ما صار إليه في خطاب القومية الحديثة؛ فقد كان في أحكام الفقه والتقويم والشعائر معنىً ذا دوائر وحدودٍ وطقوس مختلطة، ثم غدا في خطاب الدولة القومية معنىً واحدًا صُلبًا يُراد له أن يَجمع أقصى ما تتسع له الخريطة وأقصى ما تحتمله الأسطورة.. وهنا يُصرّح المؤلف بما قد لا يروق لمعتادي الخطابة، ولكنه لازمٌ لكل منصفٍ يرتضي الحقيقة في العلم_ يُصرّح بأن التسمية القومية الحديثة نتاجُ زمنها، فقد استعارَت لفظًا من قاموس الدين، وأقامت عليه مشروعًا سياسيًّا لا تُقِرُّ به النصوصُ لذاتها ولا تُنكره لذاتها، إنما يَحكم لها أو عليها ما يَثبت من تاريخٍ ومعنىً وعدل..
يستفيض ساند في أنّه لم يكن اسم الأرض في كتب اليهود الأولى: «أرض إسرائيل» كما تزعم الصهيونية اليوم، بل كان في التوراة وعند الأنبياء هو «أرض كنعان»، ثم لمّا قامت دولتهم الثانية وارتفع ما يسمونه «الهيكل الثاني» غلب اسم آخر هو «أرض يهوذا».
وأما «أرض إسرائيل» التي يتشدّق بها المتأخرون، فلم تُعرف في التناخ.. وأسفار التناخ بعدُ لا توسّع أراضي اليهود لتشمل القدس وبيت لحم والخليل، أمّا مصطلح أرض إسرائيل فلم يظهر إلا في الميشناه، ومع ذلك فليست هي التي وُعد بها إبراهيم في الرواية المقدّسة..
ويبحث ساند في تراث المكابيين، وفي مخطوطات فيلون الإسكندري، ومؤلفات يوسيفوس فلافيوس، فيجول في صفحاتها كلها التي أحاطت بتاريخ الهيكل الثاني من أوله إلى آخره، فلا يعثر فيها بأثر لمصطلح «أرض إسرائيل».
أمّا التلمود فالاسم يظهر فيه بوجوه شتى، كأنها محاولات لاحقة لتثبيت مصطلح لا أصل له..
بل إنهم لم يذكروه إلا بعد أن غيّر الرومان اسم يهوذا وجعلوه «سورية – فلسطين»، فكان أن اشتد حرصهم على رفع لواء «أرض إسرائيل» نكايةً وردًّا.. غير أن التلمود نفسه يحدّد الرقعة تحديدًا ضيّقًا فهي من جنوب عكا إلى شمال عسقلان، ويجعل لها معنىً دينيًّا محضًا، لا سياسيًّا ولا قوميًّا، إذ يربطها بالفرائض والشعائر أكثر مما يربطها بالخرائط والحدود..
وإذ قد فرغ الكاتب من حدود التسمية والألقاب مضى بالقارئ إلى حدود «القداسة» نفسها، فيبحث كيف نشأت عند الغرب المسيحي جغرافية مقدّسةٌ لم تكن في أصل الدعوة الأولى، وكيف اتُخذت القراءة الحرفية للنصوص، سبيلًا للخلاص بجمع اليهود في «أرض الميعاد».. يعد الكاتب هذه التفاصيل مفتاحًا لفهم الطريق الذي خرجت منه الفكرةُ من الكنيسة إلى البرلمان، ومن الوعظ إلى السياسة، حتى أمكن للتزاوج بين الإيمان التائق للآخرة والسياسة المسكونة بالحاضر أن يُنجب وعدًا، وأن يُمهّد لسلطة الانتداب ما تصنعه على الأرض من خرائط وأملاك.
على أن الكتاب بذلك لا يستبدل خطابًا بخطابٍ، ولا يبدّل أسطورةً بأسطورة؛ وإنما يردّ الأمر إلى الوقائع حين تكون الوقائع هي الفيصل. فإذا هو ينظر في «فداء الأرض» كيف صار شعارًا للتعبئة والتحشيد يُجمّل به شراء العقارات ويُزَكَّى به طرد السكان المستأجرين من أراضي كبار الملاك، وكيف انعكس ذلك في بنية الاستيطان ذاتها: من مشاركةٍ اقتصاديةٍ متذبذبةٍ إلى «غزو العمل» الذي يقيم سوقًا مغلقةً لليد العاملة، ثم إلى نموذج «الاستعمار العِرقيّ» الذي يُحكم العزلة ليُحكم السيطرة. وههنا يعرض المؤلف أرقامًا لا تجادلها الخطابات: أيُّ نسبةٍ كانت في حوزة المؤسسات الاستيطانية قبل التقسيم؟ وعلى حساب من انتقلت الملكية؟ وكيف كُتِبَ في مذكّرات القادة أن الدفاع لا يكفيه الدفاع ولكن يلزمه الهجوم والاستيطان، وأن فرض «الاحتلال» واقعًا متحققًا قد يغدو «جسرَ التسوية» إن سلمت له الأرض وما عليها من بشرٍ وبناء؟
ثم ينقل ساند النظر من محاسبة السياسات إلى محاسبة اللغة؛ فاللغة هي أخطرُ أسلحة الدولة الحديثة. فكيف صارت «أرض إسرائيل» معادلًا في اللغة والوعي لكلمة «وطن» في خطاب التعليم والإذاعة والمتاحف، حتى ضاق المجال لاسمٍ آخر كان هو الشائع في الخرائط والكتب حقبةً طويلة؟
وكيف لُبِّست العبارة ثوبًا من الديانة وهي تُمارَس ممارسةً قوميةً بحتة؟
هنا يلزمنا أن نصطنع منهجًا في قراءة الألفاظ، للتفريق بين المعنى والوظيفة. فالمعنى تابعٌ للمدلول في نصّه، والوظيفةُ تتبدّل بتبدّل الاستعمال. فإذا صارت القداسة وظيفةً سياسيةً لا معنىً تعبّديًّا، وجب أن تُوزن بميزان السياسة لا بميزان الشعائر، وأن تُقاس بما تُفضي إليه من عدلٍ وظلم، لا بما تُثيره في القلب من خشوعٍ أو حنين.
وليس المؤلف ممن يُغالون في ردّ كل شيءٍ إلى المؤامرة أو الصدفة؛. فهو يشرح بقدرٍ من الهدوء، أنّ الدولة الحديثة لا تقوم بلا سردٍ كبير، وأن السرد الكبير لا يُشيَّد بغير أدواتٍ أربعة: أولها المدرسة التي تصنع ذاكرةً مشتركة، وثانيها الجيش الذي يصهر الأجساد في جسدٍ واحد، وثالثها المتحف الذي يُرتّب الماضي ليكون حاضرًا، ورابعها القانون الذي يُحوِّل التراب إلى «ملكيةٍ قومية». فإذا اكتملت هذه الأدوات، صار من الممكن للفظٍ صغير أن يحمل مشروعًا كبيرًا، وصار من المقدور للناس أن يروا في الحجر وطنًا وفي الأغنية ميثاقًا وفي الذاكرة حجةً على الخصوم وحجةً على التاريخ.
وفي فصلٍ أخيرٍ يتّسع فيه النظر للمصائر، يضع المؤلف تمثيلًا بسيطًا وكل النفاذ في بساطته.. فقد نقل عن كاتب مجهول في زمن مجهول حكاية عقرب استنجدت ضفدعًا لتعبر بها الجدول، فاعتذرت الضفدع بأن العقارب تلدغ كل متحرّك، فأمّنتها العقرب بأنها لو لدغت حامِلها فإنّها ستغرق في الجدول، فاستجابت لها الضفدع وحملتها على ظهرها، فعَقَّتها العقرب في منتصف الجدول فقالت الضفدع لمَ لدغتِني؟ سنموت!، تأوّهت العقرب آسفةً وهي تغرق وقالت: "هذا طبعي"..
يقول ساند آخر الفصل -وهي من ترجمتنا عن الأصل الإنجليزي للكتاب بشيءٍ من التصرّف- يقول:
"ولو أنّ العالم كله أُقنع بأن الصهيونية لم تكن غير طلب مأوى لليهود المضطهدين، ولم تكن نزوعًا إلى غزو أرض موهومة باسم الميراث القديم، لظلّ في جوف هذه الدعوى جوهرٌ لا يذعن ولا يتراجع؛ ذلك هو الأسطورة العرقية – الإقليمية التي غذّت المشروع الصهيوني وكانت من أقوى دعائمه الفكرية. ومهما يطل الزمن، فإن هذه الأسطورة آيلة إلى الذبول كما ذبلت سائر أساطير القوميات في التاريخ. ولكن من لا يرضى بالاستسلام لفكرة القدر المحتوم، يسأله العقل: أسيزول هذا الوهم ومعه المجتمع الإسرائيلي برمّته وجيرانه قاطبة، أم يترك من ورائه بقايا حياة تشهد على أثره؟ وهل العقرب رمزٌ لأسطورة الصهيونية وحدها، أم أنّ الثقافة القومية التي أنشأتها تلك الأسطورة قد صُبغت كلّها بصفات العقرب في عزلته ووساوسه، فكتب عليها أن تمضي، مطمئنة في غرورها، نحو هلاكها وهلاك غيرها؟
إن مصير الضفدع البائس ليس شأنًا غيبيًا مؤجلًا، بل هو حاضر معيش منذ زمن غير قصير. فالفلسطينيون يرزحون تحت العذاب المتصل، عذاب الماضي والحاضر، وهو العذاب الذي صبغ نغمة هذا الكتاب […]" ا.هـ.
وما تزال في الكتاب صفحةٌ خاصة بالمؤلف تُلائم خاتمة الحديث..
ختم الكاتب كتابه عن ذكرى قرية، هي "الشيخ مونّس" كما ابتدأ كتابه بإهداء إليها إذ كتب:
"إلى ذكرى أهل قرية الشيخ موَنِّس، الذين اُقتلعوا منذ زمن بعيد من الأرض التي أقيم اليوم فيها وأعمل"
يكتب شلومو ساند وهو على أرضٍ كانت لغيره، فهنا بيوتٌ هُدمت، وأسماءٌ اندثرت، وأشجارٌ بقيت شاهدةً، وأنهارُ الدمع في عيون من شُرّدوا لا تحتاج إلى شاهد..
وهو يُريد من هذه الذكرى أن تكون مِرآةً ليُرى في المرآةِ إنسانٌ وتاريخٌ وحياة. فالأرض لا تُختَزل إلى اسم، ولا تُستعاد بترتيلٍ، ولا تُستدام بلا عدل. فإن وظيفة الدين، هي أن يُذكّر الدولة بأنها ليست إلهًا، وإن كان للتاريخ شأنٌ في هذا، فهو أن يُحذِّر الأسطورةَ من أن تتخذ سيفًا وبندقية..
ذلك عرضُ كتابٍ لكاتبٍ يهودي لا يُريد أن يهدم إيمانًا في قلب مؤمن متهوّد، وهو مع ذلك يأبى أن يُقام على الإيمان بناءٌ يَسحق الناس.. ومن شاء أن يَخرج من الكتاب بخلاصةٍ نافعةٍ قال: إنّ «أرض إسرائيل» -كما تُتداول في خطاب العصر- اختراعٌ سياسيٌّ لغويٌّ أكثر منها امتدادًا لنصٍّ قديم، وإنّ علاج العقدة ليس في تكذيب الماضي ولا في تسويغ الظلم، وإنما يكون العلاج في ردِّ الألفاظ إلى معانيها، والحقوقِ إلى أصحابها، والدولِ إلى ميثاق الإنسانية العالية. وإذا كان في هذا القول شيءٌ من الصرامة، فحسبه أنه صرامةُ عَقْلٍ لا غِلظةُ خصومة، وأنه وفاءٌ للحقيقة لا عداوةٌ تؤرّثها الأحقاد فتحيف عن حد المحجّة الواضحة..
تعليقات
إرسال تعليق