قصفت إسرائيل الدوحة وقصفها هذا إمعانٌ في عربدتها وإغراقٌ في همجيتها وإصرارٌ على وحشيتها.. نقول هذا تأكيدًا على كل ما سبق أن قلناه مما لا تنفع معه زيادة الإصرار والتأكيد..
فلندع ما لا يحتمل التأكيد من الوصف ونسأل لماذا قصفت إسرائيل غزة؟ لا.. لقد قصفت الدوحة هذه المرة.. فلماذا قصفت الدوحة؟
قصفت إسرائيل الدوحة لتؤكد على إعادة تشكيل الإقليم، وهذا التشكيل الجديد للإقليم يقتضي أن يُقر الإقليم خاضعًا لأمرين.. الأول: هو أنّ الإقليم من النهر إلى البحر -وليس البحر هذه المرة هو البحر الميت ولا هو بحر الخليج العربي، بل هناك هناك شرق تركيا وشمال طهران.. حيثُ بحر قزوين- نقول أن يُقر هذا الأقليم من النهر إلى البحر بأنّه منطقة نفوذ صهيونية مستباحة الأجواء.. والأمر الثاني: أن يخضع الإقليم لما خضعت له الضفة الغريبة وغزة وجنوب لبنان حين صارت منطقة عمليات تقصف فيها إسرائيل من يهددها.. ولكنّها نسخة مطورة من نسخة الضفة وغزة ولبنان، فقد طوّرت إسرائيل عقيدتها في الدفاع، فلم تعد إسرائيل تقصف من يهددها، بل تقصف من تشك في أنّه قد يُهددها..
وقصفت إسرائيل قادة حماس في الدوحة.. فماذا تُريد بذلك؟
تُريد إسرائيل أن تُرسل رسالةً تقول فيها، إنّ كل من يدعم المقاومة الفلسطينية لن يكون بمنأى عن القصف والتدمير وإن كان هذا الدعم من خارج مناطق سيادة الكيان.. وقصفت إسرائيل الوفد المفاوض من حماس وهو يُفاوض في شأن المقترح الأمريكي، لأنّ إسرائيل لا تريد أن تفاوض على شيء، أو هي تريد أن تفاوض الأموات، وأن تُنهي المفاوضات بالقضاء على المُفاوضين، وهذا مما يُستنتج قبل القصف كما يُستنتج من قبله أنّها تريد من المقاومة الاستسلام المطلق المُذل، وتريد للحرب أن تستمر حتّى تحقق غاياتها لا في غزة، بل في المنطقة كلها، غير أنّ الجديد في ذلك هو أنّ إسرائيل مستعدة لانتهاك سيادة من يريد أن يحتوي المفاوضات ويضطلع بأعباء الوساطة التي قد تمنع إسرائيل من تحقيق غاياتها بالحديد والنار..
وإذا علمنا علة قصف الدوحة من جهة الفاعل وهو هنا الكيان المحتل، فبقي علينا أن نعرف علة قصف الدوحة من جهة المقصوف، فلماذا الدوحة؟
كانت قطر محل القصف لما قدمنا به من أنّها موّلت المقاومة، وإسرائيل في عقيدتها الجديدة المجترئة التي تُريد فرضها على الإقليم تمنع هذا الدعم بالقصف المُباشر ولا تقف عند إنهاء المقاومة، بل تتعداه إلى إنهاء إرادة المقاومة وقمع فكرتها في الذهن قبل أن تخرج للواقع، وكانت قطر محل القصف فيما نحسب لأنّها لم ترد على القصف الإيراني الذي ختمت به إيران ردّها على إسرائيل! وكانت إيران قد اختارت للقصف: القاعدة الأمريكية بقطر من بين قواعد أمريكا المنتشرة في الإقليم لأسبابها التي ارتأتها، وليس بنا أن نفصّل في هذه الأسباب، ولكن يعنينا أن نعرف أنّ قطر لم ترد على هذا القصف.. والقصف يُغري بالقصف لأن الضعف يُغري بالضعف، و"من يَهُن يسهل الهوان عليه" وعلى كل الاحتمالات وعلى افتراض أن قطر استفادت من القصف الأول شيئًا ما، فإنه قد كان من الأوفق بقطر أن ترد بأي سبيل وأن تتوسّل في ذلك بما توسّلت به إيران من اتكائها على قطر لتحقيق مآربها، فكان على قطر أن تتكئ على إيران لحفظ هيبتها.. ولسنا نقول ذلك ونحنُ نحسب حساب توازن القُوى وأسباب الردع ولا نزايد على قطر، وإنما نقول ذلك لنقرر سُنة الحياة وقانون الطبيعة ليُحترز من السنّة والقانون بالإعداد وليُعد عُدّته من هو بعد قطر..
قُصفت الدوحة فخاب من كان يُصرّ على أنّ إسرائيل لا تُهاجم إلّا بذريعة، فلم تزل إسرائيل في كل مرّة تُلجمهم وتُلجم لهم كل ذريعة..
يقولون إن إسرائيل قوية فيجب ألّا تُعطى ذريعة لاستعمال قوتها، وهو منطق يسوّغ الاستخذاء ويروق المسخذئون منه أنّه يهيّب الناس بقوّة إسرائيل، ويروقهم منه أنه يُطمئن فرائصهم، إذ إنه يجعل إسرائيل دولة عقل والتزام، تحترم القوانين ولا تعتدي إلّا بذرائع فهي إذًا بهذا المنطق سلمٌ لمن سالمها من الإقليم.
ولكنهم يعودون بذلك على منطقهم بالنقض إذ ينسون أن القوي لا يحتاج إلى ذريعة وإنما يحتاج إليها من يحتاج إلى قوّة التذرّع والتأييد..
وهو منطقٌ يُقرر ما صارت إسرائيل مستغنية عنه، فلم تعد إسرائيل تُريد أن يحكمها منطق المحاربة والسلم، فهي صارت تأبى أن تقول: إنّ من يُقدّم لها الذريعة (ومن يقدّم لها الذريعة وحده) هو من سيكون في خطر؛ إذ هي تُريد الآن أن تظهر بمظهر المجنون الهائج الذي لا يُرجى من مناكفته شيء، الأهوج الذي لا يسلم منه من يتعرّض له.
فإسرائيل تمثّل الجنون، وأمريكا في المنطقة تلتزم بهذا التمثيل وتساعد في إخراج صورة إسرائيل مخرج الثور المهتاج الذي يستعصي ترويضه..
وقصف المجنونُ الدوحة في نوبة من نوبات صرعه أو اختناقه وليست هذه ذروة هذيانه، ولم تكن ذروة الهذيان حين صدّق نتنياهو أنّه نبيّ مرسل من الإله، وأنّ على عاتقه رسالةً تاريخيّةً روحيّة مكلفًا هو بتأديتها إلى شعب إسرائيل وأنّه حمل الرسالة مُبشّرًا ونذيرًا ورسولًا في الآخرين، وأنّ في رسالته وعدٌ للأمّة اليهودية بتوسيع أرضها، وإنذارٌ للجوييم الأغيار من عذاب يوم عظيم..
قال نتنياهو هذا بلغته تصريحًا وتلميحًا، وقاله أمام الناس في منتصف الشهر الماضي في مقابلة على قناة i24
ويُخطئ الخطأ كلّه من يعلّق الجنون على نتنياهو أو على اليمين الإسرائيلي، فيظن أنّ الجنون منتهٍ حين تنتهي فترة الحكومة اليمينية، يُخطئ في التقدير من يقول ذلك لأنّه يُخطئ في التاريخ والمنطق، فجنون إسرائيل لم يبتدئ مع جنون هذه الحكومة، فإذا انتفى أن تكون علة جنونها هي جنون حكومتها فإنّ تعليق انتهاء جنونها على انتهاء حكومتها وهمٌ يقرّبه الخيال ولا توصل إليه المقدمات الصحيحة..
فإذا كان إثبات الجنون هو عمل الحكومة فإنّ إنكار الجنون ينبغي أن يكون من عمل المعارضة الإسرائيلية عند من يؤمن أنّ في الصهيونية استثناء واعتدال، ولكننا نجدُ أن معارضة حكومة الائتلاف اليمينية، بل رئيس هذه المعارضة يائير لابيد يستبشر بقصف الدوحة، ويهنئ سلاح الجو والشاباك والجيش الإسرائيلي وجميع "قوات الأمن" على هذه العملية الاستثنائية على حد قوله في تغريدةٍ نشرها على منصة "X"
أمّا كلام المحللين الذي لا ينقضي عن محاكمة نتنياهو فإنه صورة صادقة عن حالة البؤس العربي، فقد أضحت هذه المحاكمة عندهم مثل المهدي المنتظر أو المسيح المخلص، وعلى أي الوجوه قلّبت تحليل المحللين ومقالات الكتّاب عن قُرب هذه المحاكمة وعن النهاية الوشيكة لـ "حياة نتنياهو السياسية" فإنّ هذه التحليلات لا تجاوز أن تكون من آمال العجز التي تنتظر من الكنيست إحقاق الحق ومن المحكمة إظهار الحقيقة.. والكنيست هو الكنيست الذي يدعو للاحتلال والمحكمة هي المحكمة التي تصادق على قراراته!
ولستُ أعلم لماذا يصوّر المحللون شأن المحاكمة وكأنها بين قاضٍ عدل وجانٍ ظالم وهي في الحقيقة بين جانٍ يقضي في شأن جانٍ لم يُخلص في جنايته..
وليس في إسرائيل معارضة ولا تعدو معارضة يائير لابيد أن تكون معارضة الشتم والسباب ومعارضة التنافس على الإمساك بالسيف والسوط.. ولتنتهِ حياة نتنياهو السياسية اليوم أو غدًا فماذا يكون؟ قد كانت إسرائيل تتوسّع من قبله وقد كان يسار إسرائيل المفقود يفعل فعل اليمين ولم يزل إجماع اليسار واليمين منعقدٌ على مصلحة الاحتلال في كل حين..
وبقي أن نقول بلغة السياسة: إنّ النظام الإقليمي الذي تضمن أمريكا استقراره، لا يضمن للإقليم ألا يدخل في الفوضى إذا كان الضامن يُريد الفوضى، أو أنّ النظام الذي يتعهّد مجلس الأمن باستقراره لا يضمن مجلس الأمن استقراره على غير تعريفه للاستقرار.. وقد رأينا أنّ تعريف الاستقرار يُستشنى منه ما تُحدثه إسرائيل من الفوضى..
نعود ونقول ذلك بلغة العسكرة: إنّ الرادارات الأمريكية لا تردع الطائرات الأمريكية ولا تحمي من الصواريخ الأمريكية.
وختامًا نقول:
قُصفت الدوحة كما قُصفت دمشق ولم تُقصف الدوحة حين قُصفت ولم تُقصف دمشق حين قُصفت وإنما قُصفتا حين قُصفت غزّة..
ونقدّر أن الحرب ستتوسع، وأنّ لحرب إيران وإسرائيل كرةً أشأم وأنكى وأنّ ذلك قريب، وأنّ من الخير للدول العربيّة أن تقرر بناء نظامها الإقليمي مع دول الجوار التي تشترك معها في الغاية والمصير، وأن يكون ذلك اليوم قبل غدٍ أو البارحة قبل اليوم!
تعليقات
إرسال تعليق