التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فكرة إسرائيل

 



فكرة إسرائيل - تاريخ السلطة والمعرفة

لإيلان بابِه


إيلان بابِه مدير المركز الأوربي للدراسات الفلسطينية، وُلد في حيفا عام 1954، وكان رئيسًا لمعهد إميل توما للدراسات الفلسطينية والإسرائيلية في حيفا، وهو مؤرّخ إسرائيلي يساري من تيار "المؤرخين الجدد" 

أي هو من أولئك الذين تمرّدوا على ما أُريد للتاريخ أن يكون عليه، إذ نشأ في بيئة أكاديمية لا تُنتج إلا رواية واحدة، هي الرواية الرسمية التي تُسوّغ الاغتصاب وتُجمّل الاستيطان، ثم أبى أن يكون بوقًا لها.. 

نشأ في حيفا، وتخرّج في جامعات إسرائيل وبريطانيا، وكان الطريق أمامه معبّدًا إلى المجد الأكاديمي لو أنّه ارتضى الصمت أو ساير التيار، ولكنه اختار أن ينقلب على الرواية كلها، فصار منبوذًا في بيئته، مقصًى من مؤسساتها، لأنّه اقترف الجريمة الكبرى في إسرائيل؛ جريمة: قول الحقيقة.

إيلان بابِه إذن هو مؤرخ العصيان، أو قل هو ضميرٌ نجا من أسر الأكاديمية الصهيونية.. جمع بين صرامة المنهج الأوروبي الذي تتلمذ عليه، وبين الجرأة التي جعلته ينتهي إلى ما ينبغي للمقدمات أن تُفضي إليه دون خشية من أن يُوصم بالخيانة ومن أن تنقطع عنه الأرزاق..

كتب "التطهير العرقي في فلسطين" فأبان كيف قامت إسرائيل على محو القرى وتهجير السكان، ثم كتب "فكرة إسرائيلتاريخالسلطة والمعرفة" ليُظهر أنّ الاحتلال أسس بالحديد والنار لاحتلالٍ آخر هو احتلال القلم والفكر. وفي كل كتاب من كتبه كان يخرج بالفكرة من التحليل البارد، إلى حرارة الرفض وسخط الضمير.. 




وكتابه الذي نتناوله يَعمِد إلى الموضع الذي تلتقي فيه أدوات صناعة الوعي بأدوات الحكم، حيث تُصاغ الدولة فكرةً في الأذهان قبل أن تُبنى بناءً على الأرض، ويُربّى التاريخ في أروقة الدرس تربية الكتائب في الميادين. وهذه عُمدة إيلان بابِه في «فكرة إسرائيل: تاريخ السلطة والمعرفة»، فهو يمضي فيه إلى تقصّي المحرّك الخفيّ الذي يُدير الوقائع ويصوغها ويُعبّئها، ثم يوزّعها على الناس في صورة البديهة التي لا تُسأل والحقيقة القاطعة التي لا تُستجوَب.


ومفتاح الكتاب سؤالٌ واحد يأتيه المؤلّف من كل ناحية: كيف تتحوّل الصهيونية من برنامجٍ سياسيّ إلى فكرة دولةٍ تعمل في العقول عملها في دواوين الإدارة؟ وهو يُجيب عن هذا السؤال بمنهجٍ لا يُداهن، فيتعقّب الأثر في الكتب المدرسية وفي محاضرات الجامعة، وفي بثّ الإذاعة ونشرات الأخبار، وفي السينما والمسرح، وفي متاحف الذاكرة ونُصُب الذكرى، ليُبيّن أن السلطة شبكةُ تصويرٍ وتأويلٍ تُنشئ ما يُسمّى الحقيقة العامّة وتتحكّم في منافذها ومداخلها. فإسرائيل عنده قد عضدت احتلالها المادّيّ باحتلالٍ آخر ليس بأهون منه، هو احتلال الوعي؛ ومن هنا جاء العنوان: تاريخ السلطة والمعرفة، لأن المعرفة عند بابِه، كما هي عند فوكو، شبكةٌ تُمسك بالوعي وتصرف الأبصار حيث تشاء السلطة. ويلوح للقارئ عندئذٍ أن المعرفة والسلطة في هذه التجربة كالشيء الواحد يُرى من وجهين، إذا قوتل أحدهما استنفر الآخر، وإذا وهنت هذه شدّت تلك من أزرها.


وأول ما يتناوله المؤلّف أن التاريخ الرسميّ مرآةٌ صُنعت زواياها على قياس الصورة التي يُراد لها أن تعكسها وتُثبّتها، فيسأل: ما الذي تُسمّيه المناهج «أرضاً بلا شعب»؟ وكيف تُترجَم الأسماء على الخرائط حتى تصير أحكاماً على السكّان؟ ويمضي في تأكيد أن المشروع الصهيونيّ لم يقف عند اغتصاب الأرض حتى جاوزه إلى اغتصاب الذاكرة، وإلى أن يصوغ للتاريخ نصّاً جديداً يُمحى فيه الفلسطينيّون كما تُمحى الأسماء عن الخرائط. فالمناهج التي كُتبت، والجامعات التي أُنشئت، والمراكز التي ضخّت إنتاجها عقودًا، لم تكن روافد لمعرفةٍ حرّة، وإنما كانت مصانع للأسطورة، أسطورةِ «أرضٍ بلا شعبٍ لشعبٍ بلا أرض»، وأساطيرِ العودة والنقاء، حتى صار الكذب من طول ترداده كأنه بديهة، وصار التزييف في أعين الناس كأنه علمٌ وحقيقة.


ويمضي بابِه في فصول الكتاب ليكشف أن إسرائيل بنت قوّتها على تحويل المؤرّخ إلى جنديّ، والجامعة إلى معسكر، والكتاب إلى سلاح؛ فالتاريخ عندها يُدوّن الوقائع ليُخضعها ويُعيد تشكيلها، حتى يصير كل نقدٍ خيانةً وكل مساءلةٍ تهديداً للأمن القوميّ. وهنا تظهر خطورة «فكرة إسرائيل»، وهي أنها أرادت أن تكون حقيقةً ذهنيّةً مغلقةً، من دخلها لم يجد إلى الخروج سبيلًا، ومن ردّها نُبذ من ساحة الفكر والسياسة جميعًا. والذي يميّز الكتاب أنه لا يقف عند وصف هذه الأدوات وتسميتها تسميتها الشارحة، وإنما يمضي معها ليفضحها، فيُبيّن كيف تسلّلت إلى مناهج التعليم، وكيف استحالت الجامعة الإسرائيلية مصنعًا يُعيد إنتاج الأسطورة، وكيف استُدعي علم الآثار والأناسة والجغرافية لتوكيد روايةٍ سياسيّةٍ مختلقة، حتى صار العلم شاهد زورٍ يُلبس الأسطورة ثوب البرهان.


ثم يمضي إلى صورة الفلسطينيّ في المرآة التي صقلتها الفكرة الحاكمة، فيبحث كيف انتقل من الغياب إلى التشويه، ومن الجار المجهول إلى الخطر المُعرَّف، حتى صار وجوده فائضًا على المكان لا داخلًا في تعريفه. فثَمّ كلماتٌ من قبيل «التخلّف» و«الإرهاب» تُستعمل فتُنتج سياسةً تُحاصر الجسد والبيت واللغة، فإذا أُبدلت المفردة تبدّل الحكم على الأعيان؛ وهنا يتبدّى وجهٌ من وجوه صناعة المعرفة، هو أن إزاحة الخصم قد تبدأ بإزاحة اسمه من القاموس. وموطن الحجاج أن بابِه يُثبت أن المعرفة في التجربة الصهيونية كانت تُقدَّم على أنها وسيلة تحرّرٍ وهي في باطنها وسيلة إخضاع، وأن السلطة لبست لبوس السلطة المدنية والعسكرية لتُخفي تحت أطمارها سلطةً على الذاكرة والتاريخ واللغة؛ لأن الذي يملك أن يكتب الماضي يملك أن يرسم الحاضر، ومن يفرض تعريف «من هو الشعب» يفرض معه تعريف «من له الأرض».


وليس في هذا الطرح ما يخصّ إسرائيل وحدها إلا من جهة استيفائها لشروطه، وإلا ففيه تحذيرٌ للبشرية كلها من أن الدولة بمقدورها إذا أمسكت بالمعرفة أن تُحيلها إلى سيفٍ ذبّاح، وأن أخطر الاستبداد ما يُكمّم العقول بالمناهج ويُغلق أبواب التاريخ لتُفتح أبواب الأسطورة. ومن ثَمّ فإن قيمة الكتاب تتعدّى قضية نقد الصهيونية إلى كشف طبيعة العلاقة بين السلطة والمعرفة على أوسع نطاق؛ فإسرائيل إذ أقامت على حدودها جدارًا من الإسمنت، قد أقامت من قبله جدارًا من النصوص والأساطير في عقول البشر، وهو جدارٌ لا يُهدم إلا بهدم الأكذوبة الكبرى.


وعند مفصل سنة ثمانٍ وأربعين ينهض المؤلّف إلى وجه الأسطورة يُنازله، وخصومته في الصورة التي خرجت بها: فبأيّ عينٍ صُوّرت، وبأيّ لسانٍ سُمّيت؟ فهي حرب استقلالٍ في خطاب الدولة المحتلّة، وهي النكبة النكباء في خطاب من حُورب وخسر الدار. ويشرح بابِه أن في تعيين الاسم تأسيسَ سياسةٍ، فإذا سُمّي الفعل تحرّرًا بَرِئت وسائله مهما قست، وإذا سُمّي اقتلاعًا وجبت محاسبته؛ والدرس من كل ذلك هو أن عدالة الحاضر لا تُنال إلا بإضاءة ما حجبه سرد المنتصر.


ثم يؤرّخ المؤلّف للحظةٍ في السرد كانت في التسعينيات، تمثّلت ملامحها في انفتاح الأرشيف، وجرأة الأسئلة، وفي تيّارٍ بحثيٍّ نقديٍّ سمّاه الناس «ما بعد الصهيونية»، ويُشير إلى أثرها في الجامعات والمجلّات والندوات، وإلى ما أحدثته في رؤية الماضي ومساءلة الدولة بلغتها هي نفسها؛ فقد كان في ذلك إشعارٌ بأن المعرفة في مقدورها أن تنقد أصلها من غير أن تُنكر حقّ الناس في الأمن والعيش. غير أن الريح لا تجري رُخاءً حيث تكون، فمع مطالع الألفية الثالثة ارتدّ المدّ النقديّ وتصلّب المركز، فعادت اللغة إلى نبرتها القديمة بنعوتٍ جديدة، وسُيّجت الذاكرة بالقوانين والتوجيهات، وأُعيد ترتيب المسموح والمفروض في الجامعة والإعلام. وهذا هو الذي يُسمّيه المؤلّف النكوص وعودة النيو-صهيونية، وقد أتت الصهيونية الجديدة بخطابٍ يبدو حديثًا وهو لم يزل يحمل الفكرة القديمة نفسها عن الأرض والتاريخ والعدوّ؛ وتلك سنّة الأفكار، فإنها إذا خسرت معركةً في الصفحات استعادت موقعها في النشرات والميادين، تُعيد بلغة العسكر «تموضعها» أو تنسحب «انسحابًا تكتيكيًّا» تستجمع به قوّتها لتنقضّ.


ولا يكتفي بابِه بتقصّي هذا التذبذب بين الانفتاح والانغلاق، حتى يمدّ النظر إلى ذاكرة المحرقة يتمثّلها مادّةً مدرسيّةً وسياسيّةً معًا، فيُقرّ بفظاعة الكارثة وما أحدثته في وعي اليهود والعالم، ثم يأبى أن تستحيل الذكرى ترخيصًا يُعفي سياسة الحاضر من السؤال؛ كيلا تستعمل الألم في تسويغ القهر، وتحجب عن أهلها حقّهم في نقد أنفسهم بدعوى الحصار الدائم والخطر الوشيك.


وفي الداخل يقرأ المؤلّف وضع يهود الشرق قراءةً كاشفةً لسوء أحوالهم وتسقط دعوى الفكرة الحاكمة في طلبها أمّةً على مقاسٍ واحدٍ تُسوّي الناس في الأوراق وتُفرّقهم في المراتب، ثم هي تمحو الذاكرة الشرقية من التعليم والوظيفة والثقافة بزعم أنها تريد الصهر، ثم تُبقي آثارها في السكن واللغة والتمثيل ليبقى لها من التاريخ سببٌ ومن الحقّ ذريعة إذ الاحتجاج بثقافة يهود المشرق والادعاء بهم حقًا في التاريخ والمكان_أقرب وأيسر. ومسألة الصهر هي مسألة توزيع قوّةٍ ورأس مالٍ ورموز، فإذا قصّرت الدولة في ذلك صنعت جوييم داخل حدودها.. 


ويُخصّص بابِه فصلًا لخشبة المسرح وشاشة السينما، حيث يقدر الفنّ أن يقول ما تهاب الجامعة قوله، فهناك تكسر صورةُ الفلسطينيّ الحيلةَ الدرامية، ويظهر الإنسان بملامحه وأحلامه ومحنته؛ فالفنّ يُعيد توزيع الضوء والظلال على الوجوه، فإذا سقط تعميمٌ سقط معه جزءٌ من البداهة التي قامت عليها الفكرة.


وحين يقترب الكتاب من اللحظة الراهنة يعرض المؤلّف مشروع تسويق الدولة، فهي بضاعةٌ مصنوعةٌ بعنايةٍ وتدقيق، تُصدَّر إلى العالم في صورة ابتكاراتٍ ومهرجاناتٍ وندوات، لتُغطّي على جوهر السياسة بما تيسّر من الأصباغ.


ويُجري المؤلّف حسابًا آخر لبيت الفكرة، هو بيت الجامعة، فيكشف كيف تتكون الحقول، وتُرسم حدود المناهج، ويُمنح حقّ الكلام لتيّارٍ دون تيّار؛ فالجامعات في هذا العرض مصانع لها أثرها الملحوظ في إنتاج المفردات التي يتداولها الإعلام والقضاء والسياسة، فإذا أُغلقت نوافذها على رأيٍ واحدٍ خسر المجتمع أداة التصحيح، وإذا انفتحت على تعدّدٍ منضبطٍ ربح الناس وربحت الدولة مرآةً تُعرّي الزيف قبل أن يستفحل.


وتبلغ الخلاصة في أن «فكرة إسرائيل» تُري القارئ كيف يمتزج الخطاب بالقرار، وكيف تصنع اللغةُ قانونًا، وكيف تُصبح الأسماء حدودًا على الأرض.


وإذا قد طال حديثنا في عرض هذا الكتاب فإنّه يجب علينا قبل أن نقبضه أن نقول إنّ هذا العرض لهو عرضٌ يسير مخل بموضوعات الكتاب ولا بدّ للقارئ من أن يُباشره فليس هذا العرض بتلخيص وليس هو بمناقشة ولا يجوز له أن يكون إلّا مُرغبًا بالكتاب ومعرفًا به، ونحنُ نرى أنّ القراءة في هذا الوقت تُعظّم الفائدة منه، فالقارئ فيه يرى تلك “الفكرة” وقد بلغت ذروتها في الواقع؛ إذ يدخل الاحتلال بالدبابة والطائرة ويطعن بالخنجر في صميم الذاكرة. فالهدم اليوم هدمٌ يطال المنازل والقرى ولا يقف حتى يطال التاريخ كلّه ليمحو أسماء المعالم من الخرائط والكتب. وإسرائيل التي كانت في عين إيلان بابِه فكرة مسلّحة أضحت اليوم آلةً تُسوّي المدن بالأرض لتؤكد أن الفكر الذي بدأ بالكذب لا ينتهي إلا بالدمار.

هكذا يُدرك القارئ أنّ في كتاب فكرة إسرائيل وصف لعمل السوس الحقير الذي انتهى لفاجعة متصلة كبيرة، وهكذا يُدرك الذي قرأه بالأمس تحذيرًا صار يراه اليوم واقعًا في كل صورة من صور الركام في غزة والضفة، حيث الفكرة تحولت إلى مدفع يقذف، والأسطورة تحولت إلى طائرة تقصف، وأمّا المعرفة المزيّفة فقد تحولت إلى إذنٍ مفتوحٍ بالإبادة والتهجير. 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...